مقدمة

يعتبر الإرهاب ظاهرة خطيرة تهدد أمن الإنسان واستقرار الدول والعالم على السواء، وقد عرفت هذه الظاهرة تطورًا عبر الزمن، واستفحلت في السنوات الأخيرة مستفيدة من التقدم العلمي والتكنولوجي، انعكست على فاعلية أساليبها ووسائلها، وتوسعت بذلك مجالات وجغرافية أهدافها، فأصبحت ظاهرة عابرة للأوطان، وانسلخ الإرهاب بذلك من الصفة المحلية أو الإقليمية إلى العالمية، حيث لم يعد مرتبطًا بحضارة وثقافة أو بدولة ما، بل أصبحت هذه الظاهرة تتجاوز كل الأوطان والديانات والهويات، وباتت تمثل تهديدًا استراتيجيًا يهدد أمن جميع الأمم، كما أنها قبل كل شيء تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، ووفقًا لذلك تعالت أصوات الدول ومجتمعاتها المدنية، المنظمات الأممية وغيرها، في محاولة لوضع حد أمام تنامي مثل هذه الظاهرة السلبية، واتخاذ استراتيجية موحدة لمواجهة مسبباتها والتقليص من حدة نتائجها.

لقد كان الجزائر من أولى الدول التي عانت من ويلات الظاهرة الإرهابية طيلة عقد من الزمن وأكثر، كما كانت السباقة لتحذير العالم من هذه الآفة العابرة للأوطان، وقد تعددت أسباب الإرهاب في الجزائر وأبعاده بين المحلية، والإقليمية والدولية، ومع نموه وتطوره نمت وتطورت أساليبه ووسائله، وأصبحت أكثر وحشية، خاصة خلال السنوات الأخيرة من تسعينيات القرن الماضي، حيث طالت كل شرائح المجتمع (نساء، أطفال، شيوخ وحتى الرضع…) كما استهدفت البنى الاقتصادية والاجتماعية، ورموز الدولة (قوات الأمن خاصة) وكان كل ذلك تحت غطاء أو مسمى الدين أو الإسلام متخذة من التطرف والغلو سببًا لقتل الأبرياء.

لقد أدخلت الأزمة الجزائر في دوامة من العنف المسلح لم يشهد لها تاريخ الإنسانية الحديث مثيلًا، حيث تحولت الجزائر إلى مسرح للدماء والأشلاء البشرية نتيجة حدة المجازر المرتكبة في حق الشعب الجزائري، واتخذت تلك الفترة نظرًا لضراوتها تسمية إعلامية عرفت بـ«العشرية السوداء»، وطيلة تلك الفترة عمدت الجزائر إلى محاولة بلورة استراتيجية لحصر تداعيات الإرهاب والحد منها، كما حاولت جاهدة التعريف بالإرهاب كظاهرة مرضية يتوجب لمكافحتها تضافر الجهود الدولية، لكن الجزائر لم تعرف صدى لنداءاتها إلا بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حيث اعترفت المجموعة الدولية بخطورة الإرهاب على الأمن والسلم الدوليين، وقد انتهجت الجزائر قبل هذا استراتيجية لمكافحة الإرهاب بداية من 1999.

أهمية الموضوع

لقد بات التطرف والإرهاب من بين أول مهددات الحياة البشرية، لذا فإن جميع أنظار المجتمع الدولي موجهة في محاولة لوضع أسس وقواعد قانونية متفق عليها للقضاء على مثل هذه الظاهرة المرضية، وفي تخصيص الجزائر بالدراسة فإن هذه الأخيرة كانت من أولى الدول التي عانت من الإرهاب وما زال خطره يتربص بها، في ظل ما تشهده خاصة المنطقة العربية من حراك وتمدد ما يسمى التنظيم الإرهابي «داعش» إلى منطقة المغرب العربي وعلى رأسها ليبيا من جهة، والتوتر الأمني والسياسي الذي تعيشه المنطقة الجنوبية للبلاد (الساحل الأفريقي) من جهة أخرى، ما يحتم على الجزائر ضرورة العمل جاهدة من أجل توظيف استراتيجية حازمة لحماية أمنها من تسرب وعودة الجماعات الإرهابية المتطرفة.

الإشكالية

في عصر يزداد فيه ارتفاع نسبة الجريمة وتتنوع فيه أنماطها وأشكالها بازدياد انفلات الأفراد وابتعادهم عن القيم الدينية والاجتماعية والإنسانية، تشهد جرائم الإرهاب بعدًا مقلقًا في كافة مناطق العالم بفعل اتساعها وسرعة انتشارها، وهو ما فرض ضرورة التعاون وتنسيق الجهود الدولية للحد والقضاء على هذه الظاهرة، حيث إنه لم يعد بإمكان أي دولة مهما كانت درجة غناها ومستوى تطورها مجابهة هذا الخطر منفردة، وتعد الجزائر أولى الدول التي عانت من ويلات الإرهاب وما زالت خطورته تتربص بأمنها خاصة في خضم الحراك الإقليمي والدولي وإفرازاته المتسارعة، وهو ما يدعو الجزائر إلى ضرورة بلورة استراتيجية شاملة متكاملة الأبعاد على جميع المستويات لدرء خطر الإرهاب وقطع الطريق أمام احتمالات مزاولة نشاطاته، وستحاول الدراسة تحديد معالم استراتيجية الجزائر لمكافحة الإرهاب انطلاقًا من الإشكالية المركزية التالية:

ما هي أبعاد الاستراتيجية الجزائرية ونجاعتها في بلورة استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب؟

ويتفرع عن الإشكالية الرئيسية جملة من الأسئلة الفرعية التالية:

1) ما هي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تطور نشاط الحركات الإرهابية في الجزائر؟

2) كيف وظفت الجزائر مقدراتها لبناء استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب؟

المحور الأول: جذور الإرهاب في الجزائر

تطور الحركات الإسلامية المسلحة في الجزائر

1- قبل وقف المسار الانتخابي

§ الحركة الإسلامية المسلحة MIA: تعتبر أول حركة إسلامية مسلحة في الجزائر، تأسست على يد «مصطفى بويعلي»[1] في 29 ديسمبر 1986 تحت اسم «الحركة الإسلامية لمكافحة الشرور الاجتماعية» وعليه حررت الحركة بيانها الأول بعنوان «النهي عن المنكر»[2]، وقام مؤسسها «بويعلي» بخلق جماعة ضد كل ما هو مخالف للدين، وتعالت على إثرها موجة من الاعتداءات على النساء اللواتي يرتدين اللباس الغربي وعلى كل من يتعاطى الكحول، لكن سرعان ما تحول بويعلي وجماعته من المطالب الأخلاقية إلى المطالب السياسية حيث باشر تكوين جماعة مسلحة، سعت إلى الاستحواذ على الأسلحة والذخائر لتطبيق برنامجها المسلح الذي رسمه لها مؤسسها «بويعلي» كما يلي:

اغتيال مجموعة من السياسيين والعسكريين من بينهم الرئيس محمد بوضياف، اللواء عطايلية، مصطفى شلوفي والوزير الأول أحمد بن عبد الغاني.

تفجير بعض المباني العمومية مثل فندق الأوراسي، مطار هواري بومدين، مقر جريدة المجاهد، وحزب جبهة التحرير الوطني.

ولتنفيذ برنامجها الإجرامي قامت الحركة بالاستحواذ على كميات معتبرة من الأسلحة والمتفجرات بعد عمليات إرهابية منها مهاجمة مدرسة الشرطة بالصومعة عام 1985، وهي أهم عملية بالنسبة للحركة، إلى جانب عمليات أخرى كاغتيال أربعة أعضاء من الدرك في وادي جمعة قرب الأربعاء بولاية البليدة من العام نفسه، وعلى الرغم من أن الحركة لم تستطع تطبيق برامجها إلا أنها استطاعت بسط خليات في مختلف مناطق العاصمة والمدن الساحلية وتجنب عمليات البحث لمصالح الأمن.[3]

§ الجبهة الإسلامية للإنقاذ: تأسست كحزب سياسي وتم الإعلان الرسمي عن قيامها في 7 مارس (آذار) 1989، ضمت هيئة التأسيس: عباس مدني، بلحاج، سحنون، بن عزوز، فقيه مراني، إمام عبد الباقي[4]، وقد شملت الجبهة منذ تأسيسها تيارات مختلفة وهي: الاتجاه السلفي، اتجاه التكفير والهجرة، واتجاه الجزأرة[5]، وقد كان الاتجاه الغالب في الجبهة هو التيار المتشدد الذي تزعمه علي بلحاج، وقد استغلت الجبهة وفي ظروف ما المسوغ الديني للتعبير عن المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعانيها الجماهير، كما سعت الجبهة إلى تقديم برنامج يدعو إلى إحلال السلام محل الأيديولوجيات الأخرى (الديمقراطية)، حيث لم تكن تؤمن بهذه الأخيرة بالمفهوم الغربي، كذلك العمل من أجل وحدة الصف وتخليص الإنسان من نزعته الأنانية حتى ولو كلفها ذلك الصدام بعنف مع الدولة[6]، وقد حضرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ مسبقًا للعمل المسلح ولم تخفِ نيتها في اللجوء إلى الجهاد في حال إخفاقها في الانتخابات وقد أبدت بعض التيارات في الجبهة منها قدامى الأفغان والبويعليون، وعناصر التكفير والهجرة بعض أشكال العنف، ليس تحت مسمى قيام دولة إسلامية فحسب، وإنما للتحضير مسبقًا ماديًا وبشريًا لانطلاقة العمل المسلح.[7]

2- بعد وقف المسار الانتخابي

§ الحركة لأجل الدولة الإسلامية MIE: أسسها «مخلوفي» (البويعلي القديم) سنة 1991، كان نشاطها متمركزًا في منطقة الجزائر والقبائل، وفي أعالي سفوح الغرب وبعدما تم نشر بيان حول الاتحاد والجهاد واحترام الكتاب والسنة انضمت هذه الحركة إلى الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA)، لكن ونظرًا للسياسة الدموية المتبعة من قبل (GIA) استقلت الحركة عنها، ونظرًا لضعف هيكلها تم تفكيكها من قبل قوى الأمن بعد عمليات التطهير التي قامت بها هذه الأخيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1995.[8]

§ الباقون على العهد: تأسست بمبادرة سعيد مخلوفي، قمر الدين خربان، أسامة مدني في يوليو (تموز) 1991، كانت أولى عملياتها الإرهابية المعلنة في فبراير (شباط) 1992، نشطت بصورة مكثفة في العاصمة وضواحيها واستفادت بشريًا من المتطوعين الفارين من سجن «تازولت» بباتنة في يناير (كانون الثاني) 1994، رفضت دائمًا مبدأ الهدنة وشجعت إرهاب الجماعة الإسلامية المسلحة، حلت هذه المنظمة في سنة 1997.

§ الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح (FIDA): تأسست سنة 1993 من قبل الجزائريين، ضمت عناصر إرهابية مثقفة وذات تكوين جامعي، وجهت نشاطها ضد الشخصيات السياسية، والفنانين، والمثقفين والصحافيين.[9]

§ الجيش الإسلامي للإنقاذ (AIS): هو نتاج حركات التمرد التي شهدتها الجبهة، تأسس بتزكية من «رابح كبير» مثله تيار الجزأرة، عمل هذا التيار على محاولة حصر المواجهة مع النظام، ووجه له اتهامات بشأن المجازر التي ترتكب بحق المواطنين، وضع أعضاؤه السلاح وقرروا وقف القتال سنة 1997 ليستفيدوا من إجراءات قانون الرحمة.[10]

§ الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA): هي أكثر الجماعات الإرهابية تطرفًا، تعمل بنظام حرب شاملة ودون حدود وموجهة ضد كل فئات المجتمع، شعارها الدموي المعروف بشعار اللاءات الثلاث «لا حوار؛ لا هدنة؛ لا صلح»، أسسها «عبد الحق عيادة» المدعو «أبو عدلان» في أكتوبر 1992 وضمت الجزائريين الأفغان وقدامى الحركة الإسلامية المسلحة وأنصار جماعة الهجرة و التكفير، تناوب عليها أربعة أمراء من بعد مؤسسها وهم: سيد أحمد مراد يونيو (حزيران) 1993 إلى فبراير 1994، الشريف قوسمي من فبراير 1994 إلى سبتمبر (أيلول) 1994، جمال زيتوني نوفمبر 1994 إلى يوليو 1996، عنتر الزوابري من يوليو 1996 إلى فبراير 2002، وقد صعدت الجماعة من العمليات الإرهابية – خاصة في إمارة عنتر الزوابري – حيث شهدت الجزائر أبشع صور التقتيل والمجازر التي راح ضحيتها العشرات والمئات من الضحايا بين سنتي 1997 و1998، كما أن فشلها في توحيد جبهة الجهاد تحت رايتها زاد من حدة الوسائل الإرهابية المستعملة وأساليب العنف وكان من نتائج ذلك بث مشاعر الكره تجاه الجماعات المسلحة من طرف الشعب الذي توقف عن دعم الحركات الإسلامية وبدأ في تكوين جماعات الدفاع عن النفس والجماعات الوطنية.

إلا أن الجماعة الإسلامية المسلحة كانت آنذاك أخطر جماعة إرهابية عرفتها البلاد هي «الجيا» والتي تكونت من خلال تلاحم ثلاثة تنظيمات نشأت عند اندثار الحركة الإسلامية المسلحة وهي «جماعة الباقون على العهد، جماعة الموحدين، وجماعة الحركة من أجل الدولة الإسلامية» وكان ذلك خلال اجتماع «براقي» في سبتمبر 1992 حيث تم تحديد الهدف والذي هو تحريك الأعمال المسلحة لإقامة دولة إسلامية، وتولى قيادة الجماعة آنذاك «عبد الحق لعيادة المكنى أبو عدلان» كأمير وطني، ولقد انحصر عمل هذه الجماعة خلال فترة ما بين 1992 و1995 في المناطق الحضرية ليتحول فيما بعد إلى المناطق الجبلية نتيجة المضايقة التي تلقتها من طرف مختلف قوات الأمن.

      عند وصول «جمال زيتوني» المكنى (أبو عبد الرحمن أمين) على رأس الجماعة الإسلامية المسلحة الذي قام بمطاردة عناصر الجزأرة المتهمين بالتّآمر للاستحواذ على المنظمة وبالتالي ظهرت صراعات داخلية عنيفة، وعند مجيء «عنتر زوابري» تحركت الانشقاقات أكثر فأكثر خصوصًا من خلال خروج «حسان حطاب» وأصدقائه بإنشائهم للجماعة السلفية للدعوة والقتال GSPC والدعوة إلى جهاد خالص، مما أدى بعنتر زوابري إلى مضاعفة شراسته واللجوء إلى تكفير الشعب بأسره.
  إن الأعمال الإجرامية التي قامت وتقوم بها هذه المجموعات الإجرامية أثبتت وجود تنظيم هرمي على مستواها وهذا ما أثبتته اعترافات الإرهابيين الموقوفين والتائبين إلى غيرهم من الفئات الأخرى من المجرمين، والمجموعات الإرهابية تنقسم على العموم إلى جناحين (جناح مسلح وجناح الدعم). فالجناح المسلح هو المكلف بتنفيذ العمليات الإرهابية والتخريبية وأغلبهم معروف لدى مصالح الأمن على عكس جناح الدعم، ويعتمدون في نشاطاتهم على تقسيم الوطن إلى ست مناطق وفي كل منطقة تنشط عدة كتائب وتنقسم الكتيبة إلى سرايا والسرايا إلى زمر وكل كتيبة يترأسها أمير ويختلف العدد من كتيبة إلى أخرى وذلك حسب المناطق التي تنشط بها، وتستمد هذه الجماعات شرعية أعمالها من خلال الاعتماد على ضباطهم الشرعيين. فالحين نجد جناح الدعم والإمداد ويعتبر جناح الدعم بمثابة العمود الفقري للجماعة الإرهابية المسلحة وينقسم إلى مجموعات ينحصر نشاطها في الدعم المادي، والصحي وإفشاء الإشاعة لصالح الجماعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدهيمي الأخضر عمر، مفهوم الإرهاب بين الواقع الأمني والعوامل السياسية، (جامعة نايف العربية للعلوم الامنية، ديسمبر 2011).
الشيباني رضوان أحمد شمسان، الحركات الأصولية الإسلامية في العالم العربي، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2006).
العمار منعم، «الجزائر والتعددية المكلفة»، سلسلة كتب المستقبل العربي(11)، الأزمة الجزائرية الخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،ط1، 1999).
بن عروس زهرة وآخرون، الإسلاموية السياسية: المأساة الجزائرية. ترجمة غازي البيطار (بيروت: دار الفارابي، ط1، 2002).
بوكراع إلياس، الجزائر الرعب المقدس. ترجمة: خليل أحمد خليل (بيروت، الجزائر: ANEP، ط1، 2003).
زبير يحيى، الجزائر والوضع المعقد في منطقة الساحل: منع الحرب ومكافحة الإرهاب. (مركز الجزيرة للدراسات، 28 نوفمبر 2012).
منيسي، أحمد، التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي. (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، 2004).
«الاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب، منظمة الأمم المتحدة: الجزائر ترافع على تحريم دفع الفدية»، مجلة الجيش. العدد 567 (أكتوبر 2010).
«الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب تدخل حيز التطبيق»، مجلة الجيش. العدد 413 (يونيو 1999).
«التزام الجزائر الدائم»، مجلة الجيش. العدد 579، (أكتوبر 2011).
عرض التعليقات
تحميل المزيد