هناك نبات طفيلي يسمّى «الدبق» يتطفّل على الأشجار ويتغذى عليها، وعندما يكتمل نموّه يقتل الشجرة التي تغذّى منها، هذه هي العلاقة التي حكمت طهران بباقي الدول التي كان لها علاقة مميّزة بها.

عند قيام الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد بزيارته التي وصفت بالتاريخية إلى مصر ما بعد 25 يناير، عرض على المصريين -حسبما ذكرته العديد من الصحف والمجلات الإخبارية في تلك الفترة- تقديم معونات مالية مقدّرة بــ30 مليار دولار أمريكي، وإرسال خبراء إيرانيين لإحياء الآلة الصناعية المصرية المتوقفة، وضمان خمسة ملايين سائح إيراني سنويًّا إلى مصر، مقابل السماح بفتح حسينيات شيعية وصحيفتين للشيعة والإشراف الإيراني المباشر لكلّ المساجد التي بنيت في عهد العبيديين (الفاطميين) بالطبع تمّ الرفض من طرف حكومة الرئيس محمد مرسي.

هل نحن في موقف قوّي يسمح لنا بالتفاوض على أساس النّد للنّد وليس التعاملية الفوقية الاستعلائية التي طالما تعاملت بها إيران تجاه محيطها الخارجي خصوصا العرب؟ إذا تحدّثنا عن العلاقة الجزائرية الإيرانية والشراكات الموقّعة بين الدولتين، نحن نعيش أزمة مالية خانقة وغليان سياسي داخلي، فحتى حزامنا الجيبوليتيكي المأزوم من شأن أعدائنا المؤكدين أو المحتملين أو الكامنين أن يؤثروا ويستثمروا في أزماتنا لزعزعة أمننا الوطني أو الإقليمي.

إن التحوّل الواضح في السياسة الخارجية الجزائرية نحو البراغماتية هو الذي عزّز من الاقتراب الإيراني من الجزائر بدعوى ممانعة الجزائر، نعم صحيح أن لا أحد يمكنه المزايدة على الممانعة الجزائرية، لكن لا يمكننا أبدًا أن نصدّق بأن الأجهزة الأمنية الجزائرية وصناع قرارها لا يعلمون يقينا بأن هناك علاقات سرّية وثيقة بين إيران والكيان الصهيوني.

يبدو للمتبّع للعلاقات الجزائرية الإيرانية أن السلطات الجزائرية نسيت أو تناست أن إيران كانت وراء نشاط جماعات إرهابية تدرّبت في لبنان قتلت جزائريين مدنيين وعسكريين، يبدو أن السلطات الجزائرية لا ترى الفوضى التي يعيشها المشرق العربي، وأن لإيران باعًا طويلًا فيها وفي إذكاء نيرانها. فإذا تحفظنا على ممارسة الإرهاب الأمريكي بحق البلاد الإسلامية والعربية، فلماذا إذًا نتعامل مع إيران الإرهابية؟

الجزائر.. موسكو وطهران وتحالف التيلوروكراتيا

التحالف الإستراتيجي الذي بين الجزائر وروسيا وهو محور التيلوروكراتيا (السيطرة عن طريق البّر) أو (القوة البرّية) وحتى بالنسبة لإيران، والتي هي محور هذا التحالف التيلوروكراتي.

فكما يرى ألكسندر دوغين Alexander Dugin في كتابه «أسس الجيبوليتيكا» أن النمط السعودي الوهابي من الأصولية (متضامن جيبوليتيكيا مع الأطلسية)، ويرى دوغين أيضًا أن الأقطاب الأطلسية -أي أنصار التالاسوكراتيا (السلطة عن طريق البحر)- الصرفة في العالم الإسلامي سواء أكانت «علمانية» (كما في حالة تركيا)، أم إسلامية (كما في حالة العربية السعودية)، لا يمكنها أن تؤدي وظيفة القطب الجنوبي للأوراسيا في المشروع الكوني للإمبراطورية القارية. وتتبقى «الأصولية الإيرانية» و«العروبية» ذات الاتجاه اليساري.

إذا استحضرنا ما قاله دوغين فإن التحالف الأوراسي الداخلي –روسيا وإيران- والخارجي -العروبية اليسارية- فالجزائر كان لها الدور البارز في حفظ هذا التحالف الإستراتيجي من خلال علاقتها القويّة بموسكو، والتي انعكست على أهم القضايا العربية، والتي كان من بينها الثورة السورية والرأي المشترك مع إيران باعتبار الأسد يستحق البقاء طالما هو يواجه الإرهاب.

حتى الوقوف في وجه المحاولات الخليجية لإغراق السوق النفطي بمزيد من الضّخ للنفط في الأسواق العالمية، مما شكّل أزمات في الدول الريعية وعلى رأسها الجزائر وروسيا وإيران وفنزويلا، وحتى دول الخليج العربي نفسها.

الجزائر أكبر من أن تكون دولة تابعة لإحدى الدول، فإذا أردنا التحكّم بمصيرنا وعلاقتنا المتميّزة مع جميع الحلفاء وعلى رأسهم روسيا فإن واجب الحياد وعدم التدخّل والنأي عن التنابذ والتنازع العربي هو الحل الأمثل والأجدر للجزائر أن تكون بمثابة «نمسا المغرب العربي» إذا أراد صانعوا قرارها أن ينأوا بالشعب الجزائري والدولة الجزائرية عن الصراع المحتدم في المشرق العربي في هذه الفترة الانتقالية العصيبة.

الشيعة في الجزائر التوجّه نحو التحرّر من الخوف

إن السّب لصحابة النبّي محمد (ص) وأمهات المؤمنين على قناة تلفزيونية خاصة وإعلان المتصلين الاثنين تشيّعهما، والدعوة المتكرّرة لأحد المتشيّعين الجزائريين في النقاشات التي يستضيفها الإعلامي عمار بن قادة في برنامجه (هنا الجزائر) على قناة الشروق الجزائرية، وحتى الخروج العلني لبعض المتشيّعين الجزائريين وإعلانهم التشيّع في ولاية عين تيموشنت غرب الجزائر، واحتفالهم بيوم عاشوراء. فبعد أن كان التشيّع سرًّا مصونًا في تلافيف الأدمغة والمجالس الضيّقة أصبح ظهورًا علنيًّا وبدون خوف.

إنه لمن الطبيعي لأي أقلية تريد التوسّع على حساب الآخرين أن تبدأ خططها التوسعيّة بمطالب بسيطة كالاعتراف بها كمكوّن مجتمعي، ومن ثّم اعتماد دينها دينًا رسميًّا كما يفعل الشيعة واليهود، ومن ثمّ الوصول أو محاولة الوصول إلى السلطة كما فعل ويفعل الشيعة في كل من اليمن وسوريا والعراق والبحرين والكويت، وغيرها من البلاد العربية.

الأجهزة الأمنية الجزائرية تعلم يقينًا بأن المتشيّعين سيشكلون لوبيًا إيرانيًّا داخلها ويعملون على عدم السماح بالمساس بالمصالح الإيرانية في الجزائر، وأولها مواصلة التبشير السبئي في بلاد مكوّنها سنّي بشتى الطرق عن طريق الإغراء بالمال والجنس (زواج المتعة) أو المساعدة على السفر للخارج (المنح الطلابية)، أو حتى من خلال اللعب على مشاعر الجزائريين من خلال القضية الفلسطينية وكسب مزيد من الحلفاء والتابعين.

الشيعة دائمًا ما شكّلوا أحصنة طروادة للمحتّل أو حكمًا أو ممارسة إرهابية في كل بلاد حكموها أو كانوا مكوّنًا دينيًّا فيها، فالقرامطة والحشاشون والنصيرية والإسماعيلية والعبيديون والاثنا عشرية… إلخ، كلّهم ساهموا في هدم البلدان العربية والإسلامية، فمنذ الخلافة العباسية وابن العلقمي وصولًا إلى الجلبي والحكيم وآل الأسد وغيرهم من الذين جلبوا الشّر إلى بلدانهم أو ممالكهم.

«نشاز في جوقة العزف» هي الجملة التي يمكن بها تفسير السياسة الخارجية للجزائر تجاه الوطن العربي، نتيجة تتبّعها لأهواء طهران التوسّعية، سيكون لها تمظهرات مستقبلية كان أولها التأييد الخليجي للمغرب في قضيّة الصحراء الغربية، واعتبارها قضية داخلية وليست قضية استعمار، وتقرير للمصير كما تطالب الجزائر.

«إيران الشعوبية المؤدلجة» كما وصفها الباحث البحريني عادل علي العبد الله، لطالما مارست هذا الدور الشعوبي منذ أيام حكم العباسيين، مرورًا بالصفويين، وصولًا إلى الخميني وخامنئي، هناك تقرّب من بعض الأمازيغ في المغرب العربي تحت شعارات المظلومية المشتركة من بني أمية حسب زعمهم وحتى العرب قاطبة، والتحرّك الإيراني في الريف المغربي بالإضافة إلى أمازيغ الشرق الجزائري بباتنة وتبسة بصفة خاصة، له تبعات خطيرة على الأمن المجتمعي المغاربي.

إن الضجّة الإعلامية التي ثارت حول قضية رئيس الملحق الثقافي للسفارة الإيرانية بالجزائر «أمير موسوي» بعد أن اتهمت أطراف جزائرية موسوي بأنه ناشر للتشيّع في الجزائر من خلال لقاءاته مع مجموعة متشيّعين جزائريين سرًّا ، وحتى اعتبار قضيّة غارداية والفوضى التي حدثت فيها هي من صنيع موسوي، لا يمكننا الجزم بعلاقة موسوي بقضية غارداية ولكن علاقته بالمتشيّعين الجزائريين واردة، ولا غبار عليها حتى وإن نفاها وزير الشؤون الدينية الجزائري.

ما دخلت إيران دولة إلا وأنهكتها ونشرت الإرهاب فيها، التفتيت والتمزيق الطائفي الذي أنتج جيشًا طائفيًّا وأكثر من مئة ميليشيا عراقية مسلّحة أغلبها يأتمر بأمر مباشر من طهران، سوريا الدولة المأزومة التي تعاني ويلات الحرب والتجويع الممنهج ضدّ أهل السنة عقب الثورة السورية، واليمن الذي يعيش حالة من الفوضى منذ الانقلاب الحوثي على الثورة اليمنية المدعوم إيرانيًّا بالمال والسلاح.

مصر ودول الخليج العربي أيضًا كان لها حظ من تدخّلات الإرهاب الإيراني، إن الجزائر التي نحن نتحدّث عنها في هذا المقال عانت هي أيضًا من الإرهاب الإيراني بحسب ما أورده الكاتب الجزائري أنور مالك الشيعة في الجزائر، والذي بيّن فيه العلاقة التي جمعت البعض من منتسبي الجماعات الدينية المتشدّدة في الجزائر بإيران أي أنها كانت مشاركة في سيلان الدّم الجزائري في العشرية السوداء.

الجزائر عمقها الإستراتيجي يمتّد في عروبتها أي الوطن العربي بدرجة أولى، فالنظام الإقليمي العربي حتى وإن كان مغيبًا لكن له معنى فكري وسياسي وحتى بالنسبة لعلاقة الشعوب لا الأنظمة ببعضها البعض، وتأتي التحالفات الخارجة عن هذا النظام في الدرجة الثانية.

إذا استمرت الحكومة الجزائرية في نفس النهج التقاربي مع طهران فإن «حي على خير العمل» سوف تصدح بها دور عبادة الشيعة في الجزائر، وسيصبح اللطم والتطبير والدماء المسالة في عاشوراء عند الشيعة أمرًا عاديًا ومحميًا من قبل الحكومة وأجهزتها الأمنية تحت مسمّى تعدّد المذاهب، وسنزرع عوامل فنائنا الحضاري وتفتيت مجتمعنا بأيدينا إذا لم نتدارك أمرنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد