سبع عشرة سنة بعد دخول الألفية الثالثة منذ ميلاد المسيح عليه السّلام، شيّدت دول وعواصم فوق الماء، فوق المستنقعات، نُحتت الجبال وغيّرت شكل الطّبيعة، ولا نحتاج هنا لضرب الأمثلة لأنها لا تُعدُّ ولا تُحصى فمِن سنغافورة إلى أرخبيل اليابان إلى جزيرة مانهاتن نحّو دبي بالخليج العربي، مدن حيّرت العالم بهندستها الرّائعة والتي تحققت بفضل إرادة وتخطيط أبنائها وتوبعت بإنجاز جديّ وصارم فتحققت المعجزات وبلغت الأماني.

في حين أنّ بلدًا! ليس ككل البلدان، فهو بحجم قارة أو رُبّما أكثر، فأزيد من مليوني كلم مربعة تتوسط العالم إذ هي مركز للعالم القديم وعلى بعد مئات الكيلو مترات فقط عن أوروبا جنوب البحر الأبيض المتوسط وشمال القارة السمراء بل وتتوسط شمالها، لتحتل بذلك الجزائر موقعًا استراتيجيًا هامًا، مع اختلافات عديدة في المناخ والتضاريس فمن الساحل إلى الجبال إلى الهضاب إلى السهوب فالصحراء الرملية فالصحراء الحجرية، تركيبة لم تتحصل عليها دولة أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن الأخيرة صنعت من نفسها قوة عالمية اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وانتهجت نظامًا فيدراليًا يعطي استقلالية قانونية ومالية لكل إقليم بحد ذاته وهو المعنى الأحق لكلمة لا مركزية، إذ يعادل المؤشر الاقتصادي للإقليم الواحد بالولايات المتحدة الأمريكية حجم دول كبرى مجتمعة مع بعضها البعض، في حين ما زالت الجزائر القارة إن صح التعبير تسير بواسطة مجموعة من الإطارات إن صح وصفهم لا يبتعدون عن مساحة 25 كلم مربعة بالجزائر العاصمة يقررون وينهون مهام ويعينون ويرفضون ويقبلون ويوجهون قارة كاملة اسمها الجزائر.

في هذا البلد القارة دائمًا وعلى غرار جل القطاعات، قطاع التعليم العالي الذي لا علو فيه غير مكاتب العمداء والمديرين الذين يتقاضون رواتب عالية، فيما يبقى كل شيء آخر في القطاع في أسفل المراتب، فمن التحصيل العلمي المتدني إلى الخدمات الجمعية الكارثية والتي صارت مادة فنية فكاهية لصفحات الفيسبوك، إذ نرى يوميًا الصور المضحكة والمؤسفة في آن واحد لمختلف مطاعم وإقامات الخدمات الجامعية عبر الوطن، ليخرج الطاهر حجار وزير التعليم العالي والبحث العلمي بطريقة جديدة تسمى بالتسجيل الجامعي الإلكتروني، وكأنه بذلك سيجع التسجيل عبر الإنترنت فقط وهو أمر لم يحدث البتة.

إذ لا يتعدى مركزية أخرى للقرارات، إذ يتحكم مهندس كمبيوتر أو ربما أقل من ذلك، وهو القابع في كرسي على مكتب مكيف في مصير ملايين الطلاب عبر الوطن في تندوف وجانا وإيليزي والبيض وسوق أهراس والجلفة وبرج بوعريريج وغيرها، ليعصف بذلك لطاهر حجار بخطابات رئيس الجمهورية الداعية لإنهاء المركزية، إذ يمنع هذا القرار مديري الجامعات المختلفة من تسجيل أي طالب جديد، في حين يمكن لعاملة نظافة مقر الوزارة أن تتوسط أو تسأل لتغيير خيار أو قبول أو رفض طلب تحويل تخصص بكل سهولة.

إن كان في هذا احتقار للطالب القاطن بالجزائر العميقة أو بباقي أنحاء الوطن كما أحب أن أطلق عليها، فهو احتقار لإطارات الجامعات ومديريها أيضًا، واحتقار لهذا البلد القارة الذي يعجز عن تحقيق أمر بسيط جدًا لا يتعدى اللامركزية في قرارات تسجيل الطلاب خاصة وان لكل منطقة خصوصياتها وظروفها ومستوياتها، في حين على الجميع أن ينتظر أن ينزل الوحي الموحى من مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالجزائر العاصمة.

وفي ظل هذه الرداءة التي تضاف إلى مهازل الجامعة العديدة والمتعددة، تخرج المنظمات الطلابية أخيرًا إلى تبني موقف الدفاع عن الطالب، للنظر في بعض الحالات الإنسانية والاستثنائية التي لم يسعفها الحظ في كمبيوتر العاصمة، علّها تجد حلا آخر يقيها تكبد عناء التنقل إلى جامعات بعيدة المدى، أو دراسة تخصصات غير مرغوب فيها، فيما تواصل وسائل الإعلام المختلفة الصمت على القضايا المهمة، والسؤال عن ملكات الجمال، وأسبوع الموضة وغيرها من المواضيع التافهة، ليتذكر الفرد منا لاحقًا إن مقرات المؤسسات الإعلامية كذلك تمكث هي الأخرى بالعاصمة، ناهيك عن أنّ قاعات التحرير ومراكز صناعة الرأي العام جلها في العاصمة، لنجد أنفسنا أمام واقع مرير مركزي وجب التفكير فيه اليوم قبل الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد