أخي القارئ مرحبًا بك!

منذ انطلاق الربيع العربي في بلدان: كمصر، وسوريا، وليبيا، واليمن، وتونس، والمنطقة العربيه مِن أسوأ إلى أسوأ، سجون مليئة بالبشر، ودمار في البلاد، واقْتتال على ثروات الأمة، وجوع يفتك بالكبار قبل الصغار، وأزمات اقتصادية تزداد سوءًا، فكان هذا الموت السريري الذي حلَّ بِكُبْرَيَات الدول العربية شبحًا يُخيم في أذهان وقلوب باقي شعوب المنطقة العربيه، وعلى الرغم مِن أن الشعب الجزائري ذاق ويلات العشرية السوداء خرج مُنَددًا بحكم عبد العزيز بوتفليقة الذي أصبح دمية في يد من حوله.

في هذا المناخ المظلم الذي يخيم على المنطقه، كان قد فَتَك الزمن ببوتفليقه، فبعد أن كان يدير منظومة البلاد أصبح أداة في يد مجموعات من العصابات، تكونت كما تتكون الطفيلات حول الماء الراكد، فكانت فرصة عظيمة استطاع الشعب أن يفرض قوته بتوحده على عصابات متفرقة، فهذه العصابات تخشى أن يفتك بعضها ببعض، فأدى ذلك الصراع إلى انحياز الجيش إلى المتظاهرين، على الرغم من أن قيادته كانت جزءًا من صراع الإخوة الأعداء.

انطلق هذا الحراك كما ينطلق السيل بعد انهيار السد، فتساقطت أوراق العصابات ورقة تلو الأخرى، وبدأت منظومة الفساد تتكشف أشخاصها وأدواتها، وبدأ الجيش يستجيب لمطالب الحراك شيئًا فشيئًا، إلا أن الحراك والجيش وصل إلى نقطة صدام، فالحراك يخشى من تزوير العملية الانتخابية، والإتيان ببديل لبوتفليقة، وتعود الجزائر لِبحيرةٍ مَائُها راكد، والجيش يَدَّعِي بِأَنه يريد أنْ يُوصِل البلاد إلى طريق آمن، ويسلم السلطة للمدنيين يَسُوسون أمرهم ويعود هو إلى ثكناته لِأَداء المهمة المنوطة به وهي حماية البلاد.

كلا الهدفين مرادهما الحفاظ على الجزائر، إلا أنَّ الإِطالة في سير الهدفين في طريقين مُتَوازيين دون الالتقاء ينهك الجزائر، وقد يؤدي إلى تَمَّني العودة لإيام بوتفليقه.

على الحراك أن يَتعلم مِنْ دُروس من سبقه من الشعوب، وأَن يُوقن أن ما يقوم به هو إصلاح، وليس ثورة، فالثورة لابد لها عن أدوات صلبه، تَمْنحه القضاء كليًا على من ثار عليه، فليس بمقدور الحراك أنْ يُزِيل نظامًا حكم لما يزيد عن نصف قرن في شهر، أو شهرين، أو ثلاثه، أو أكثر بالنزول للشارع والتظاهر ضد جميع العصابه، فهذه العصابة جزء من الشعب، أين سيكون مصير هذه العصابه إذا تركت مناصبها؟ الأكيد سيكون السجن، إذًا الحراك بهذا التوجه يجعل العصابة تتوحد وتَسْتَميت مِن أجل البقاء، فَيَصعب مواجهتها وتزداد توحشًا وتفتك بالشعب والأمة معًا، وترضخ للأجنبي وتمنحه مقدرات البلاد في مقابل عدم إزعاجه بالدعوة إلى احترام حقوق الإنسان، ولنا في احتجاجات مصر الأشبه بالجزائر مثالًا سيئًا.

الحراك باستطاعته أن يجعل عدم وجود قيادة متصدرة للمشهد نعمة، بدلًا عن نقمة إذا وعى فن المراوغة.

الصراع من أجل البقاء صراع مميت، يربح دائمًا الأقوى والأشرس، وهذا ميدان الجيوش وليس الشعوب، أما صراع النفس الطويل فهو صراع تربحه الشعوب، فهو ميدانها، وعليها أن تَجُرَّ هذه القوة الصلبة إلى هذا الميدان، وتفككها قطعة قطعه، لكن هذا يحتاج إلى وعي ومزيد من الصبر.

إِذًا هل يتوقف الحراك وينتهي؟ فلقد أدى دوره وبدأت العملية الديمقراطية بالدعوة إلى انتخابات رئاسية، وظهر ولأول مرة خمسة مرشحين، لا يعلم أحد إلى الآن من سيصل إلى الحكم. الجواب بالقطع لا يتوقف ولا ينبغي أن يُسْمح له بالتوقف، بل ينبغي أن يوجه الحراك قوته إلى الضغط على هذه السلطة، بدلًا عن أنْ تَنْهَكَ قُواه في الصدام معها، على الحراك أن يشارك في العملية الانتخابية، وأن يكون رقيبًا عليها، وأنْ يُوَعي الناخب فيمن يختار، ولا يترك له حرية الاختيار فيقع في مصيدة الضباع، فأمامه عدة مرشحين عليه أن يختار أقلهم احتكاكًا بالعصابه، وأن يكون ضاغطًا عليه لإتاحة حرية الرأي وإعداد دستور يحترم إنسانية الإنسان، وإصلاح المؤسسة العسكرية وتفكيك تكتل القوى الذي تكون فيما يزيد عن نصف قرن، واستبدال وزير الدفاع كل فترة قليلة من الزمن، وإعمال القانون في شتى مجالات الحياة، والإسراع بلا تردد ولا خوف من محاربة الفساد والمحسوبيه، وإعمال العدل حتى ينشغلوا بأنفسهم ويتفرقوا، ويعتاد المجتمع على ممارسة الحرية بضوابطها، وليس كالذي حدث في مصر من صيدٍ للشعب والرئيس معًا من قبل المؤسسة العسكرية.

ينبغي أن يكون هدف الحراك أن يحرك ماء البحيرة الذي فسد من الركود ونمت عليه هذه الطفيلات، فبتحريك المياه واستمرارها في التَحركْ يَذْهب أَسَنُ الماء، وتموت هذه العصابة، ويعتاد الشعب على الحفاظ على مكتسباته ولا يفرِّط أبدًا فيها وتصبح ثقافة عامة، فازدهار الأمم يأتي في فهم شعوبها معنى الحرية وَضَوَابطها، وإقامة العدل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد