في جولة مطالعتي قررت فتح كتاب الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله- «من أجل التغيير» في فقرته الأولى من الفصل الأول «الأفكار والبناء الاجتماعي» والتي انطلق من فكرة مفادها أن «المناقشات تتطلب الإيضاح» وربما استوقفتني هذه العبارة التي ذكرتني بلجنة الحوار التي يقودها كريم يونس هاته الأيام والتي أعتقد أنها ستصطدم بحائط الفشل نظرًا للتعتيم الحاصل وكولسة اللقاءات داخل الغرف المعتمة، هذا خاصة بعد تسريب أخبار موثوقة عن لقاءات رفقة شخصيات وأحزاب في غيابات السرية ومحاولة هؤلاء الإعلان عن الرفض التام لهاته اللجنة، هذا الغياب التام لوضوح الرؤية، الغاية وآليات العمل ومخرجات اللقاءات والجهود مستقبلا بفقد هاته اللجنة المصداقية اللازمة ويقزمها في أعين الشعب الجزائري نظرًا لهاته العثرات التافهة المرتكبة منها.

إن القراءة في الواقع السياسي الجزائري تجعلنا نسقط هذا المقال وبكل سهولة على هذا الواقع المرير، حيث إن هذا المفكر المهمش في بلده للأسف قد أشار في مقاله هذا إلى قضية «الخشية من الأفكار» -حسب ما سماها- وأتبعها بقصة سقراط مع الفصحاء في المجتمع الأثيني على حد تعبيره، حيث نوه إلى نوه إلى ضرورة فهم أن هذه الظاهرة قد كانت مطروحة في الساحة منذ ذلك الحين وأنها لم تنشأ حديثًا في بلادنا، وبعض الطابوهات التي يعاني منها المجتمع منها المجتمع خير دليل على ما جاء سابقًا.

وأعتقد كذلك أن التنافر الدائم والمستمر بين المفكر والسياسي في الجزائر (ما عدا بعض الحالات الشاذة التي نرى فيها سياسيًا مفكرًا أو سياسيًا يعتمد على مفكرين ويتقارب معهم حتى يستفيد منهم) ما هو إلا نتاج هذه الآفة الخبيثة، حيث صارت هناك حواجز بينة بين الفكر والفعل، بين الفلسفة والواقع، وللأسف فقد انتشر في ربوع هذا الوطن مسؤولون يعتبرون السياسة وظيفة يقتاتون منها الخبز لا نضالا من أجل الوطن، يمارسون السفسطة والمغالطات دون حياء ولا وجل، وأعتقد أن ما ذكرناه من مثال هو خير دليل ندعم به كلام مهندس الحضارة -رحمة الله عليه-، فأحزاب الآفة (حزب جبهة التحرير الوطني) ومن يدور في فلكها قد شبعنا مما قد رأيناه منها من سوء تسيير للوطن وحكم باسم شرعية ثورية بائسة لما يزيد عن الثلاثة عقود من الزمن ثم باسم الريع لعقدين آخرين دون الوصول لنتائج منطقية ولا دولة مرجوة بل صار الناس على استعداد للحرقة لو ألصقت الجزائر بأوروبا شيخهم قبل شابهم وكبيرهم قبل صغيرهم -على حد تعبير أحد الدعاة-، وأعتقد أن هذا يصلح كدليل آخر على غياب روح المسؤولية لدى السياسي الموظف.

حادثة سولكينغ ماذا وراءها؟

بعد قراءتي للمقالات المطولة والتعليقات المبتذلة، فقد وجدت أن شريحة معتبرة تعتبر هذه الحادثة غير عادية، لكن مطالعتي للمقال جعلتني أفهم أنها ظاهرة عادية بالنسبة لمجتمع انقطعت الأفكار فيه عن الواقع الاجتماعي، وانصرف المجتمع عن معين الفكر والعلم وغط في غيابات الغفلة وسقط في براثن الرذيلة والشهوة، هذا ما أدى بطريقة حتمية إلى إعاقة في تطور هذا المجتمع ومنه فالقاصر لا يحاسب على الخطأ إنما يحاسب ولي أمره والمسؤول عنه وعن ربط حبل أفكاره بواقعه الاجتماعي ولا أخفي عليكم فالنظام السياسي غير الناضج هو المسؤول وبصفة كلية عما حدث.

«إن التلاحم المؤثر بين الفلسفة (الأفكار) والواقع الاجتماعي هو أمر ضروري، فهو مقياس حضارة ما» القراءة الداخلية لهذا الاقتباس بالإضافة للسياق الذي ورد فيه يجعلنا نستنتج أن ثنائية الفكر/الواقع هي جدلية كانت وستبقى مخلدة في كل الأزمنة والعصور، فالفكر يؤثر على الواقع الذي بدوره سيؤثر على الفكر، فقط علينا احتواء المناورات التي تحاول التأثير والانتقاص لفكرنا والعمل بكل جهد للوقاية من هاته المناورات، وإعطاء فكرنا جرعة من الاهتمام وصبغة تحميه من التلف والضياع وتمنحه الفاعلية اللازمة لمواجهة التحديات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد