تختلف التحليلات السياسية والأكاديمية للظواهر في العلاقات الدولية باختلاف وجهات النظر والمدارس والتيارات المتعددة.

فإذا انطلقنا في تحليلنا من المنظور الواقعي فنحن سنعمل على تفسير سلوك الدولة وتفاعلاتها في محيطها الدولي انطلاقًا من مفاهيم معينة مسطرة مسبقًا وهي: تعظيم المكاسب وتحقيق المصلحة وضمان بقاء القوة أو تحقيقها.

في الحقيقة الدولة لا تختلف كثيرًا عن الكائن الحي، الذي يتغذى وينمو ويتطور ويمتلك غريزة قاتلة لا يمكن الاستغناء عنها وهي غريزة البقاء والحفاظ على المصالح الوطنية أو القومية.

حيث يعد تحقيق المصلحة أهم النقاط التي ترتكز عليها كل دولة مهما كانت مساحتها أو عدد سكانها أو نسبة تطورها الاقتصادي أو الاجتماعي ومهما كان نوع نظام الحكم فيها؛ فهدف السياسة الخارجية لا يختلف باختلاف الدولة؛ بل يختلف باختلاف حجم المكسب المطلوب تحقيقه.

الجزائر دولة عقلانية خاصةً في سياستها الخارجية، وتتحرك انطلاقًا من عقائد سياسية ثابتة أهمها «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول» وبدورها تعمل على تجنب التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية؛ لأن المصلحة العامة أو المشتركة في كثير من الأحيان تقتضي الفصل بين الداخل والخارج والتعامل مع الدولة من منظور كلي أي التعامل مع ما يصدر من الدولة بصفة رسمية فقط.

تعرضت الجزائر في الفترة الأخيرة لجملة من المواقف والتحركات الرسمية المستفزة من طرف الدولة المغربية ويبرز أهمها في:

أولًا: قيام السفير المغربي في الأمم المتحدة بتوزيع وثيقة على أعضاء حركة عدم الانحياز، تعبر فيها المملكة المغربية بشكل رسمي عن دعمها لما يسمى بحسبه «حق تقرير المصير للشعب القبائلي».

تعد هذه الخطوة في الأعراف الدولية محاولة للمساس بالوحدة الوطنية للدولة، إذ تعد الجزائر دولة مستقلة معترف بها، وحدودها ثابتة قانونيًّا ومجتمعيًّا وتاريخيًّا، وإن هذه الخطوة من المغرب تعد انتهاكًا للدولة ودعمًا للتمرد، وقد تدت هذه الخطوة إلى تعميق أزمة الثقة بين الدولتين، إذ أصبحت المغرب تمثل تهديدًا امنيًّا صريحًا على الوحدة الجزائرية أي على البقاء.

ثانيًا: وفق ما أعلنته السلطات الجزائرية فقد ثبت التعاون البارز والموثق بين المغرب والمنظمتين الإرهابيتين «ماك» و«رشاد» اللتين ثبت ضلوعهما في جرائم الحرائق المفتعلة وجريمة قتل الشاب الجزائري جمال.

ثالثًا: تعرضت الجزائر لاتهامات وتهديدات ضمنية أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي خلال زيارته الرسمية للمغرب، بحضور نظيره المغربي، إذ حسب تصريح وزير الخارجية الجزائري منذ عام 1948 لم يُسمع أي عضو في «حكومة إسرائيلية» يصدر أحكامًا أو يوجه شخصيًّا رسائل عدوانية من أراضي دولة عربية ضد دولة عربية أخرى مجاورة، وهذا الأمر يتعارض مع كل الأعراف والاتفاقات الجزائرية-المغربية.

في ظل كل هذه المتغيرات أصبح استمرار العلاقات بشكل طبيعي بين الدولتين صعبًا، فغياب الثقة ووجود الشك بين الدولتين سيزيد من حدة الأزمة.

ويرتبط مفهوم الشك في العلاقات الدولية بالمعضلة الأمنية وهي تلك الحالة التي تعيش فيها الدولتان منذ مدة طويلة وتتمثل في تضارب المواقف وسباق التسلح ووضع إقليمي متأزم تعمه الفوضى السياسية.

و هذا ما نتج عنه قلة في البدائل لدى صانع القرار الجزائري مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب كضرورة أمنية في الوقت الذي تخلى فيه الطرف المغربي بشكلٍ كلي أو جزئي، عن الالتزامات التي تشكل القاعدة الأساسية والأرضية المرجعية التي تقوم عليهما عملية تطبيع العلاقات بين البلدين، بالإضافة إلى امتناعه عن تبرير الخطوات الأخيرة، وهذا ما يعكس بوضوح الدعم السياسي للسلطة المغربية لهذه الأفعال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد