هل كنت في السجن؟
أنا في الجزائر.
الربوة المنسية (1952).

قدمه طه حسين للنقاد والقراء العرب عام 1953 في مقال نقدي تتبدى فيه روح الإعجاب والتشجيع، بالرغم من اللغة الفرنسية التي كتبت بها القصة. ود العميد لو كانت الربوة المنسية باللغة العربية، كان إلهامها الأدبي والفني والثوري سيؤثر في الجمهور العربي بشكل عميق.

بعد المقال بنحو اثنين وعشرين شهرا قامت الثورة الجزائرية ضد المحتل الفرنسي بدعم مباشر من القيادة المصرية بعد ثورة يوليو التي ألهمت حركات التحرر في الوطن العربي وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

كانت الهوية الجزائرية في حالة تشتت وضياع كما انعكس ذلك واضحًا على بطل قصة الربوة المنسية. كانت الفكرة الرئيسة في القصة هي صراع القديم المستسلم للاحتلال والبؤس والغارق في الغيبيات والجديد المؤمن بالكفاح والتواق للثورة وتغيير الأوضاع وتسليم مقادير البلاد إلى أهلها.

على ما يبدو اتسعت دائرة تأرجح الهوية لتشمل المؤلف نفسه. هل ما كتبه أدبًا عربيًا جزائريًا باعتبار الموضوع؟ أم أدبًا غربيًا فرنسيًا باعتبار اللغة.

كان مولود معمري يناهض الاستعمار الفرنسي، ويدافع عن الثورة الجزائرية، وما تمثله من قيم العدالة والحرية، وكان ذلك انتماء عربيًا ووطنيًا منذ اللحظة الأولى. إلا أن الإشكال كان في التمركز الأوروبي الثقافي الذي يتعامى تقريبًا عن كل ثقافة وإبداع خارج دائرته.

أدى هذا إلى أزمة الهوية التي إتصف بها الأدب الجزائري عند معمري وغيره من أبناء جيله، مثل مولود فرعون، وكاتب يس، وآسيا جبار، ممن كتبوا أدبًا جزائريًا ناطقًا باللغة الفرنسية.

(أكتب بالفرنسية، وأتكلم بالفرنسية، لأقول للفرنسيين إني لست فرنسيًا)، هكذا كان رد معاصره صاحب الدروب الوعرة، مولود فرعون على مسألة طمس الهوية العربية الوطنية للجزائر ولثقافتها.

عكست الدروب الوعرة لفرعون نفس القضية التي عبرت عنها الربوة المنسية، صراع القديم والجديد، صراع الهوية.

لم يأت رد بطل الربوة المنسية عندما سئل عن سجنه: ” أنا في الجزائر “. اعتباطا. كانت الجزائر في ظل الاحتلال الفرنسي سجنًا بحجم الوطن.

كتب الناقد الأدبي أنور عبد الملك مقالًا عنه في عام 1957، متحدثًا فيه عن بطش الاستعمار الفرنسي بالكتاب الجزائريين، وملقيًا الضوء بالتحليل والنقد على بعض أعماله الأدبية، مثل (غفوة العادل). في نفس العام غادر معمري إلى المغرب بعد ملاحقة الاحتلال الفرنسي له واستهدافه.

ساعدته ثقافته الموسوعية على الدراسة والتبحر في علم الإنثروبولوجيا وعلم اللسانيات أثناء إقامته بالرباط. استخدمهما في الحفاظ على الهوية الجزائرية من الضياع، سواء أثناء الاحتلال الفرنسي أو بعد رحيله. لا ترحل ثقافة المحتل وفكره ولغته معه. يبقون لسنين طويلة بعد أن حاول المحتل فرضهم بالقوة على البلد المقهور (أرضًا وثقافة معًا).

كرمه المهرجان الثقافي الإفريقي الثاني ضمن كبار الإنثربولوجيين الأفارقة، مثل السنغالي أنتا ديوب، والرئيس الكيني جومو كيناتا.

لم يكن معمري مؤمنا بصراع الحضارات والثقافات، كان يحرص على تعايش الوافد مع التراث. نضاله كان بشكل رئيس ضد الإقصاء ودفن الهوية الحضارية للشعوب المستضعفة. لم يقع في فخ العداء للثقافة أو اللغة الوافدة كما فعل المحتل الأوروبي.

الكاتب ليس موظفا في الدولة، لأنه إنسان متحرر من جميع القيود.. يتحرك ويصرخ، ويفرغ، وتحركه أحاسيسه وانفعالاته، ويعبر عن كل هذا بقلمه… إن الكاتب هو حقيقة الجمهور لأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يعبر عن مأساته. كان هذا هو قول معمري في أحد حواراته. لم يكن قولًا بسيطًا أو مرتجلًا، بل كان عهدا أخذه على نفسه منذ أن بدأ نضاله الثقافي والسياسي حتى رحيله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد