تحديات الواقع ورهانات المستقبل

تجاذبات الصقور والحمائم داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية

منذ أحداث أكتوبر 1988 عاشت البلاد فترة حساسة من انتقال سياسي واقتصادي، فبعد صدور دستور 1989 وما تضمنه من فتح المجال لإنشاء الأحزاب السياسية والجمعيات، مما أنعش المشهد السياسي الجزائري، بدأت القوى السياسية بتأطير المناضلين السياسيين خاصة المعارضين في كيانات حزبية خاضت السباقات الانتخابية فيما بعد.

التجربة التعددية تميزت بالاضطراب واللا استقرار على اعتبار حداثتها، فقد خلطت الأوراق لدى صانعي القرار والمؤثرين الرئيسيين في المشهد، فمخاوف الجنرالات المحسوبين على المجموعة التي يطلق عليها «ضباط فرنسا» وأبرزهم «العربي بلخير»، الجنرال «محمد تواتي» الجنرال «محمد مدين»، «الجنرال بتشين»، الجنرال «خالد نزار» وزير الدفاع آنذاك في عهد الرئيس الراحل «الشاذلي بن جديد» ومعهم ثلة من الضباط السامين المساندين لفكرة توقيف المسار الانتخابي ممن دفعوا بالرئيس «الشاذلي بن جديد» إلى إيداع استقالته من رئاسة الجمهورية الجزائرية بعد احتدام الخلافات حول فكرة توقيف المسار الانتخابي، وإقرار الرئيس بأحقية جبهة الإنقاذ بفوزها الساحق بالمقاعد البرلمانية.

المجموعة المذكورة سالفًا ممن يمكن وصفهم «بالصقور» بسبب نزعتهم نحو التشدد والاستعمال المفرط للقوة، يحملهم الكثير مسؤولية جر البلاد نحو أحداث العشرية الدموية، والمساهمة في فتح المعتقلات في الصحراء الجزائرية للجز بمنتسبي وقياديي التيار الإسلامي «للجبهة الإسلامية للإنقاذ» في تلك المحتشدات، كما يحملهم المؤرخون مسؤولية استقدام الراحل الرمز الثوري «محمد بوضياف» تحت طائلة إنقاذ الدولة من السقوط لما للرجل من ثقة لدى الشعب وماضيه الثوري وإيهامه بفرصة رد الاعتبار لشخصه بعد نفيه سابقًا ولجوئه للعيش في المملكة المغربية، ليتم اغتياله في يونيو (حزيران) 1992 بعد إتمام إجراءات توقيف المسار الانتخابي في يناير (كانون الثاني) 1992 وقرار حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ واعتقال أبرز قيادييها، لتدخل البلاد في دوامة من العنف والاقتتال.

بروز فئة معتدلة من منتسبي المؤسسة العسكرية تحت توصيف «حمائم المؤسسة العسكرية» لم يكن علنيًا، فبعد تلفيق التهم لضباط وطنيين في المؤسسة بالتعاطف مع التيار الإسلامي المتشدد في تلك الفترة، خاصة بعد فرار العديد من الضباط والعسكرييين -السابقين منهم- من الثكنات للالتحاق بالجماعات الإسلامية المقاتلة، ناهيك عن اعتقال العديد منهم وتصفية آخرين واتهام الجماعات الإسلامية بقتلهم وهذا لفسح المجال ودحض كل المحاولات لإيقاف طموحات الضباط المحسوبين على الصف الموالي للمصالح الفرنسية والمعادين للتيار الوطني المنبثق عن نوفمبرية الجزائر وعروبتها، هذا ما جعل تلك الفئة المعتدلة تتراجع عن الظهور مخافة الإيقاع بها، وبسبب سيطرة التيار المتشدد داخل المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة ومركز صناع القرار.

قدوم الرئيس والجنرال السابق «اليمين زروال» على رأس المجلس الأعلى للدولة وتوليه لمنصب رئيس الجمهورية بعد انتخابات 1995، أعطى البعض من الأمل لفئة حمائم المؤسسة العسكرية في تولي مبادرات إيقاف الحرب القائمة بين الجماعات الإسلامية المسلحة والجيش الجزائري، وتدعم موقفهم بعد إشراك فئة المدنيين للجيش في مكافحة الجماعات المسلحة، تحت تأطير مجموعات الدفاع الذاتي والحرس البلدي، ليفعل بعدها «قانون الرحمة» الرامي إلى دفع الشباب المغرر بهم لوضع السلاح والمرور على إجراءات مخففة من شأنها إيقاف الاقتتال الحاصل منذ توقيف المسار الانتخابي.

نزعة حمائم الجيش الجزائري إلى اللين واللطف في معالجة ملف الجماعات المسلحة ساهم في وضع آليات الهدنة مع نهاية 1996 وبداية 1997 مع الجيش الإسلامي للإنقاذ المتمركزة قيادته في أعالى جبال «جيجل» وتمتد فصائله شرقًا وغربًا وحتى جنوبًا، لتتواصل المفاوضات مع التنظيم بقيادة ضباط سامين في معاقل التنظيم، لتنتهي بإمضاء اتفاق الهدنة ووضع السلاح وتسليم عناصر التنظيم لأنفسهم لدى مفارز الجيش الشعبي الوطني وليستفيدوا من إجراءات العفو الشامل.

مجيئ الرئيس بوتفليقة الى الحكم في 1999 ساهم هو الآخر في تراجع دور فئة «صقور» المؤسسة العسكرية، وتحييد الفاعلين فيها بعد إحالة العديد منهم إلى التقاعد، فبعد 2004 دفع البعض منهم ضريبة التخندق مع غريم بوتفليقة ومنافسه في الانتخابات المنظمة في تلك السنة رئيس ديوانه السابق «علي بن فليس»، هذه المساندة دفع ثمنها جنرالات كانوا ممن أتوا ببوتفليقة للحكم.

تحييد الفئة المحسوبة على الصقور لم تكتمل معالمها إلا بعد سنة 2014 بحل جهاز الاستعلامات العامة الذي كان يديره الرجل الأقوى بين زملائه المدعو «محمد مدين»، وبدا عجز الرجل عن المقاومة للعيان بعد إيداع ذراعه الأيمن الجنرال حسان الحبس بعد أحداث «تيغنتورين» في الصحراء الجزائرية وهجوم التنظيم الإرهابي الموالي للدولة الإسلامية بقيادة الإرهابي الخطير «بلعور»، وتدخل قوة خاصة من الجيش الشعبي الجزائري بقيادة الجنرال «حسان» وإيعاز من مدير جهاز المخابرات الجنرال «محمد مدين»، ذلك التدخل الذي أدى إلى خسائر بشرية معتبرة من أفراد عاملين بقاعدة الحياة لدى الشركة البترولية المستغلة لحوض «تيغنتورين»، مما سبب للجزائر حرجًا دوليًا وتنديدًا لدول الرعايا الذين قضوا في تلك الأحداث.

دعم الجيش الجزائري للحراك الشعبي.. المفارقة التي صنعت الحدث

تواطؤ الجيوش في دول العالم الثالث مع الأنظمة ضد شعوبها حاضر وبقوة، وشكل من أشكال القوى الجاثمة على صدور الشعوب حتى بعد تحرر أوطانها من بطش المستعمر، الدوائر الإعلامية الداخلية والخارجية على اختلاف توجهاتها لم تخف ذهولها حيال تحيز الجيش لصف المطالب الشعبية.

المفارقة العجيبة في نماذج الانتقال الديمقراطي التي حدثت في دول العالم الثالث أنه لم يحصل وأن وقفت مؤسسة جيش برمتها في صف حراك شعبي يسعى إلى إسقاط سلطة قائمة ساندها يومًا ما وعبد لها الطريق نحو الحكم، عدا تلك التي حصلت في جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقًا والتي قادها ثلة من الضباط المنشقين عن الأنظمة الاستبدادية، وعلى الرغم من المخاوف والتوجس الذي لم يخفه الكثيرون من المتتبعين لمسار الحراك الجزائري من هندسة الجيش لخارطة ما بعد نظام بوتفليقة، بناء على التجارب الحاصلة في دول الربيع العربي في مصر، اليمن وسوريا، واستماتة الجيش في الدفاع عن النظام القائم، إلى هنا يبدو التخمين منطقيًا لكن المقاربة الفعلية للحالات السابقة والحالة الجزائرية تدحض الإسقاط كما هو، لأن منطلقات الطرح الذي جاءت به قيادة الجيش في الجزائر بتفعيل المادة 102 من الدستور وتفعيل مبدأ شغور منصب رئبس الجمهورية، واستدراكها فيما بعد بتفعيل المواد 07 و08 من الدستور التي تنص في مضمونها على أن «الشعب هو مصدر كل سلطة»، قرار يفسره البعض على أنه عودة الجيش إلى مساره الحقيقي بعد أن تمت مصادرة صلاحياته التامة بعد العهدة الرابعة لبوتفليقة، عندما أحكم قبضته على المؤسسة وفكك جهاز «الدي. أر. أس» وإحالة مديره الجنرال توفيق إلى التقاعد، ليلحق تسييره برئاسة الجمهورية تحت مسمى «دائرة المصالح الأمنية» برئاسة الجنرال بشير طرطاق.

تبقى المخاوف من أوساط الحراك من مرافقة الجيش للعملية السياسية لها دواعيها، فبحكم التجربة السابقة للجيش في تغيير مسار التحول الديمقراطي في بداية التسعينيات وما تلاه من تجربة دامية، والانحراف عن دوره الدستوري بالتدخل الصارخ والعلني في الحياة السياسية تحت ذريعة حماية الدولة من السقوط في أيدي التيار الإسلامي بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

تلك المخاوف هون منها بعض المتابعين لمرافقة قيادة الجيش للحراك في تلبية مطالب الشعب، بدءا بدعوة القيادة العسكرية بتفعيل المادة 102 من الدستور القاضية باجتماع المجلس الدستوري وجوبًا في حال العارض الصحي لممارسة رئيس الجمهورية لمهامه الرئاسية، وصولا إلى دعوة القيادة العسكرية بتفعيل المواد 07 و08 من الدستور التي تنص على أن الشعب مصدر كل سلطة، بعض الارتياح المتذبذب بات يخيم على
متابعي دور المؤسسة العسكرية في خضم الحراك، وهم معذورون في ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد