تسعى الدولة العميقة بمختلف أذرعها وزبائنها إلى جعل هذا النظام، الذي صنعته بنفسها، مناسبًا لفرض هيمنتها السياسية، كما تسعى جاهدة لإعادة التوازن لنسقها؛ حتى تتمكن من تحقيق مصالح الطبقة البورجوازية الاستعمارية، مستخدمة أدواتها السياسية للضغط على مؤسسة الجيش الوطني، والمتمثلة في الأحزاب السياسية المعارضة المشبعة بالفكر الاستئصالي، والمؤيدة لأيديولوجياتها ورجالها.

إلا أنها لم تتمكن من إنجاح مخططاتها، والتي كان من بينها توجيه صوت الحراك ضد قيادات الجيش، وفي ظروف كهذه يظهر جليًّا أن نظام الدولة العميقة، المتمثل في جهاز الأمن العسكري السابق وأذرعه وزبائنه من شخصيات، وأحزاب، وجمعيات، ونقابات، غير قادرة على ممارسة الضغط الممنهج ضد الجيش؛ فخلال 30 سنة كان يدير هذا الجهاز البلاد متخذًا الواجهة المدنية، مقابل سياسة الدولة الثكنة، ومع بداية تفكك هذا الجهاز، ظهرت قوى سياسية تريد إقحام الجيش في هذه المرحلة، شريكًا فعليًّا في الصراع السياسي مع الشعب، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني.

لكن، في المؤسسة العسكرية، ظهرت الطبقة العسكرية المثقفة، التي تشبعت بالروح الثورية والوطنية؛ فقد أسس العسكريون تنظيمًا سريًّا وضع نصب عينيه استعادة السيادة الوطنية، وإرساء القطيعة مع فرنسا الاستعمارية وزبائنها في قصر المرادية، كما أدت عمليات تحديث الجيش من طرف قيادة هيئة الأركان إلى زيادة الطاقم البشري للجيش، ورفع المتطلبات الفنية لإعداد الضباط المتشبعين بحب الوطن والوطنية؛ فحدثت تغيرات نوعية في كوادر الضباط، وتوقف حصر قبول الضباط الشباب المنحدرين من المجتمع الأرستقراطي المشبع بالروح والثقافة الاستعمارية الفرنسية؛ ليصبح منصب الضباط في متناول أبناء الشعب من خريجي الجامعات في المدن والأرياف.

وهكذا تشكلت شريحة قوية من النخبة العسكرية النزيهة، تميزت برفضها النظام البوليسي القائم، ومناهضتها الشريحة الحاكمة والفساد والمحسوبية، ومع وصول هذه النخبة العسكرية إلى المناصب العليا في المؤسسة العسكرية، اتخذت عدة تدابير، منها وقف المسار الانتخابي المزمع خوضه، بوقف ترشح الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، وكبح جماح العسكرين الراديكاليين المنحدرين من البورجوازية الاستعمارية الصغيرة، والزج بأذرعهم المالية من رجال أعمال ونهب المال في السجون.

وحاليًا أصبحت الشراكة مع الجيش في المجال السياسي أمرًا مسلمًّا به، رغم أنف الشخصيات والأحزاب السياسية المحسوبة على الدولة العميقة، الأمر الذي جعلهم في تذمر مستمر، ودائمي التوتر، خاصة بعد جملة المحاكمات التي شنتها قيادة الجيش على مافيا المال والعقار والإعلام، ويبدو واضحًا أن الأحزاب السياسية المعارضة، والتي كانت تتصارع فيما بينها بقسوة في الأوضاع العادية، ها هي الآن تتحد وتتعاون فيما بينها للحلول دون تدخل الجيش في الحركة السياسية، وفي التغيير السلمي للسلطة.

لقد وقف الجيش بأفراده، وأجهزته، واستعلاماته، وقياداته ضد مخطط المرحلة الانتقالية، الذي هندسته أدمغة الدولة العميقة للعودة للنظام من الباب الضيق، إذ ترى المؤسسة العسكرية أن هذا النوع من الأنظمة لا يحمل أي حل للمشكلات القائمة، فقبل الانتخابات الرئاسية بكثير ظهرت بوادر القلق لدى هيئة قيادة الأركان على أوضاع البلاد المتردية، خاصة الولاءات العمياء للكثير من الأحزاب السياسية وزعاماتها، التي تقول الكثير ولا تفعل سوى القليل، ومع تفاقم الأوضاع، ووصولها إلى مرحلة الانسداد؛ اتخذت قيادة الجيش قرارًا ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ووجهت قيادة الأركان رسائل تحذيرية إلى الهيئات الدستورية في البلاد من المجلس الدستوري والمجلس الشعبي الوطني، ناصحة إياهم بتحمل المسؤولية أمام الله والشعب والوطن؛ فالوطنية الحقة ليست المحافظة على أرض أجدادنا وأبائنا، بقدر ما هي حماية أرض أولادنا من اللصوص المفسدين والعملاء الخونة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد