بعد أن استعرضنا في المقال السابق الانطلاقة القوية للسينما الجزائرية بعد الاستقلال بأعمال تاريخية كبرى مدعومة بإمكانات حكومية، نواصل مع المراحل التاريخية الموالية.

 

1975-1989 نفس جديد
عرفت هذه الفترة تغيرات اجتماعية كبرى في الجزائر فعدد السكان تضاعف أكثر من مرة وظهر إلى الواجهة جيل جديد له طموحات وأحلام بعيدة عن الشعارات الرسمية للدولة والحزب الواحد.
ستنحصر في هذه الفترة الأفلام التاريخية لصالح أفلام الواقعية الاجتماعية والكوميديا.

 

عمر قتلته الرجلة (1977)
سيناريو وإخراج “مرزاق علواش” بطولة “بوعلم بناني”

18

عمر وصديقه محمد (موح) السمين

تدور أحداث الفيلم في العاصمة الجزائرية وسط السبعينات في أوج الانفجار السكاني الذي عرفته البلاد بعد الاستقلال، يصور الحياة اليومية للشاب “عمر” موظف في إدارة مكافحة الغش الذي يقطن في شقة ضيقة مع أسرته الموسعة.

 

بين السمر مع الأصدقاء وماتشات الكرة يقضي “عمر” أوقات فراغه لكن تبقى الموسيقى أكبر هواياته، يتنقل عمر بين، الأعراس لتسجيل حفلات الغناء الشعبي ويذهب للسينما لمشاهدة الأفلام الهندية وتسجيل الوصلات الغنائية منها.

 

فجأة تقع أذنه على تسجيل صوتي لبنت مجهولة (سلمى) في شريط كان من المفترض أن يكون فارغًا، يصير مغرمًا بهذا الصوت الغامض بعدها سيكتشف أن سلمى تسكن على بعد شارع من بيته وسيسعى بكل الطرق للظفر بلقاء معها عند آخر لحظة تمسكه رجولته (مروؤته أو مرجلته) عن الذهاب إليها.

في منتصف الطريق بين الواقعية الجديدة الإيطالية والموجة الجديدة في فرنسا يصور الفيلم الصداقة والأخوة كما يظهر بجلاء التمايز شبه التام بين مجتمع الرجال والنساء في هذه الفترة كل هذا على أنغام موسيقى الشعبي (الموسيقى الكلاسيكية في العاصمة).
التاكسي المت (1989) إخراج بن عمر بختي وبطولة عثمان عريوات

19

محمد (الرجل العاقل) يحاول إقناع دركي الكمين بالسماح لهم بالاستمرار وعدم مضايقة السائق

في إحدى المدن النائية في الداخل الجزائري يلتقي مجموعة من الناس من آفاق متباعدة انقطعت بهم السبل على سائق أجرة من غير رخصة لنقلهم للعاصمة الجزائر. وفي الطريق المليئة بالمغامرات والمشاهد الكوميدية الناتجة عن المشاجرات بين الركاب:

شاب أنهى خدمته في الجيش ويطمح لأن يكون مخرجًا سينمائيًا يستمع لحكاوي (مجاهد) ويتصور كيف ينقلها في فيلم مليء بالسخرية من بطولاته المزعومة. ومجنون فار من مستشفى الأمراض العقلية يدعي الطب ومناوشاته مع امرأة (عالمة) أنهت محكوميتها في إحدى السجون. وعاشقان (مثقفان) يطمحان للزواج من بعضهما. ورجل مسن هو حكيم المجموعة يجلس في المقدمة. يصور الفيلم مختلف فئات وطبقات المجتمع الجزائري في قالب فكاهي.

 

بالتوازي مع هذه الأفلام عرفت هذه الحقبة العشرات من الأفلام، لكن الذوق العام لهذا الجيل سينصرف في هذه الفترة إلى المنتج الأجنبي: الأفلام الأمريكية المترجمة إلى الفرنسية أساسًا ثم الأفلام العربية والهندية بدرجة ثانية كما سيساهم انتشار الهوائيات ومتابعة الفضائيات الفرنسية في نهاية الثمانينات إلى إقبال الناس على مشاهدة الأفلام في التلفزيون وانصرافهم عن قاعات العرض.

تنتهي هذه الفترة بالأزمة الاقتصادية الكبرى التي عرفتها البلاد أواسط الثمانينات والانتفاضة الشعبية التي أعقبتها سنة 1988.
سيؤدي العجز في الميزانية الحكومية إلى التخلي تدريجيًا عن تمويل القطاع، وسينتج عن هذا غلاء المئات من صالات العرض بسبب غياب ميزانية الصيانة والتشغيل كما سيتم حل الشركة الوطنية للإنتاج السينمائي بصفة نهائية ما سيجعل مهمة أي مخرج صعبة للغاية إن لم نقل مستحيلة للحصول على تمويل لعمله.

الموت الإكلينيكي 1990-2000
حرب أهلية وسط أزمة اقتصادية خانقة، يضاف إلى هذا استهداف العاملين في قطاع السينما من ممثلين ومخرجين في عمليات اغتيال نجهل من يقف وراءها إلى يومنا هذا، ستكمل تشتيت ما تبقى من هذا القطاع الذي سيعرف انكماشًا يصعب القيام بعده، وسيضطر المخرجون إلى اللجوء إلى صناديق الدعم الأوربية كمصدر تمويل وحيد. سينعكس هذا في المضامين وطرق معالجة المواضيع.

 

باب الواد سيتي (1993) سيناريو وإخراج مرزاق علواش بطولة نادية قاسي ومراد خان

20

الإراهبي يكتحل

 

تدور أحداث الفيلم في حي باب الواد الشعبي بعد انتفاضة 1988 وتروي المواجهة بين الشاب بوعلام وجيرانه (الإسلامو إرهابيين) بسبب أنه قام بخلع مكبر الصوت الذي وضعوه فوق سطح العمارة ليصل صوت الخطيب إلى كافة أنحاء الحي.

عكس فيلمه الأول (عمر قتلته) الذي صور فيه بواقعية كبيرة حياة الشباب في تلك الفترة وقع مرزاق علواش هذه المرة في كليشيهات استشراقية بعيدة كلية عن واقع وتعقيدات فترة الأحداث.

كما يقع في مانوية ساذجة، فمن جهة الناس الطيبة الخلوقة الحالمة والمحبة للجمال ومن جهة أخرى جموع الهمج عدوة الإنسانية والحضارة.

كما يكاد يعتبر الإسلاميين مجموعة من المخلوقات الفضائية نزلت من كوكب آخر بينما الكل في الجزائر يعرف أن باب الواد كانت معقلا لهم بامتياز منذ بداية الثمانينيات.

لن يكون لهذا الفيلم أي صدى داخل المجتمع الجزائري لأنه ببساطة لم يشاهده، لا القاعات متوفرة لعرضه كما أن التلفزيون سيتحاشى عرضه في هذا الوقت الحساس من تاريخ البلاد. وينضم هذا الفيلم لقائمة طويلة من الأفلام الموجهة للاستهلاك الخارجي وهدفها الجمهور الأوروبي أولًا بخاصة الفرنسي منه.

فترة التسعينات ستعرف الإضعاف المستديم للقطاع عبر غلق قاعات العرض ومعاهد التمثيل لأسباب اقتصادية وأمنية يضاف إليه الغياب السابق لمعاهد الإخراج السينمائي والكتابة، ما سيجعل من الصعب بعثه رغم كل الأموال التي تصرفها الدولة في الفترة الأخيرة، إلا أن معظمها مجددًا يتجه للأعمال التاريخية الكبرى والموجهة للعرض التليفزيوني.
منذ البداية كانت السينما شأنًا رسميًا قبل أن تكون هواية شعبية، ربما يفسر هذا الصعود السريع للسينما الجزائرية ثم الانهيار المفاجئ بعدها، فهي رهن التقلبات الاقتصادية والسياسية للنظام القائم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد