خمسين سنة بعد الاستقلال يمكننا القول أن السنما الجزائرية تشبه مريض في حالة إنعاش يتم الحفاظ على حياته بالحقن و أجهزة التنفس الاصطناعي. نظرة سريعة إلى الأرقام في بلد عدد سكانه يقارب الأربعين مليون توجد 200 قاعة سنيما بينما الإنتاج المحلي لا يتعدى الفلم في السنة و أحيانا في ثلاث أو خمس سنوات. لم تكن دائما هذه حالة السنما في الجزائر سنحاول في هذا المقال ان نستعرض بسرعة مختلف العصور التي مر بها هذا الفن و أهم المواضيع التي تطرقت لها الأفلام و نحاول شرح أسباب وضعه الحالي.

البدايات
يمكن تحديد بدايات السنما الجزائرية في نهاية الخمسينات و ردا على الدعاية الاستعمارية قامت جبهة التحرير بإدخال مخرجين مناهضين للاستعمار من أوربا و أمركا اللاتينية لتصوير الكتائب المقاتلة في الجبال و الدعم الشعبي الذي تحضي به في المدن و القرى كان الرسالة المرجو إيصالها أنه في الجزائر شعب منظم له جيش يحارب من أجل الاستقلال و ليس عصابات قطاع طرق و مرتزقة كما كان يروج له الاعلام الرسمي الفرنسي .

 

غالب إنتاج حرب الاستقلال كان أفلام قصيرة نذكر من بينها :-
اللاجئون سنة 1957 تم تصويره في مخيم للاجئين في تونس من إخراج سيسيل ديكوجي.

ممرضات جبهة التحرير: من نفس السنة عن عمل الممرضات في المشافي الميدانية في حرب الاستقلال من إخراج طلبة السنما الذين التحقوا بالعمل المسلح .

ودائما كان توقيت نشر هذه الافلام القصيرة مع طرح القضية الجزائرية في المحافل الدولية ليكون لها الأثر البالغ على الرأي العام الدولي.

41

لقطة من فلم الممرضات

العصر الذهبي  1962- 1975
في سنة 1960 في أواخر العهد الاستعماري افتتحت قناة تلفزيون الجزائر الأمر الذي سمح بتكوين الكثير من الفنيين الجزائريين على أعمال التصوير و الإضاءة و التركيب. كما أن البلاد التي لم يكن يصل عدد سكانها العشرة ملايين نسمة كانت تزخر ب 450 قاعة عرض سنمائي خمسون منها في العاصمة الجزائر.

 

سيعرف هذا العصر أكبر الأعمال الدرامية المستوحاة من الفترة الاستعمارية و حرب الاستقلال نذكر اثنين منها:-

معركة الجزائر من إخراج جيلو بونت كورفو سيناريو ياسف سعدي 1966 بطولة ياسف سعدي، جون مارتن، إبراهيم حجاج.

سنما

الصبي عمر يقرأ رسالة فيها تعليمات الجبهة للفدائي علي لابوانت على أحد سلالم القصبة من فلم معركة الجزائر 1966

تدور أحداث الفلم بين سنتي 1956 و 1957 و تروي تفاصيل الحرب المفتوحة التي شهدتها المدينة في هذه الفترة بين الجيش الفرنسي و المجتمع الأوربي من جهة و الشعب الجزائري و مقاتلي جبهة التحرير من جهة أخرى.

 

يصور الفلم تصاعد العنف منذ تفجير بيت جزائري من طرف جماعة من المعمرين موضحا آلية العنف و العنف المضاد كما يوضح الأساليب التي اعتمدها مقاتلوا حبهة التحرير في مواجهة الجيش الفرنسي من جهة و في حشد الدعم الشعبي من جهة أخرى و محاولته إقامة شرعية بديلة عن شرعية المستعمر كما عرض بواقعية كبيرة تعميم التعذيب من الجانب الفرنسي.

 

يتميز الفلم بواقعيته الشديدة فالسناريست هو قائد فرق الفدائيين التي كانت تنشط في المدينة وقتها و كذلك لقرب وقت تصويره من الفترة التي يتكلم عنها جعل الأماكن و الأشخاص و أزيائهم تبدوا نفسها كما كانت وقت الأحداث.

 

سينال الفلم عدة جوائز دولية أهمها الأسد الذهبي في مهرجان البندقية لنفس سنة صدوره و ستفوق درجة الاهتمام به الدائرة السنمائية فنظرا لخطورته من وجهة النظر الفرنسية سيتم منع عرض الفلم على الجمهور الفرنسي طيلة ثلاثين سنة.

كما حظي الفلم باهتمام الخبراء العسكريين عبر العالم كنموذج حي عن فشل الأساليب القديمة في محاربة التمرد أو استحالة الحسم العسكري في الحروب الشعبية .

 

وقائع سنين الجمر من إخراج لخضر حمينة و تأليف توفيق فارس سنة 1974
بطولة يحيى بن مبروك، إبراهيم حجاج، حسن الحسني، لخضر حمنة

43

صورة لبعض الوجاهات الجزائرية الموالية لفرنسا

يروي الفلم الأحداث التي سبقت بداية حرب الإستقلال يصعب تحديد سنة بداية الأحداث بدقة لكنها في حدود بداية الثلاثينات من القرن الماضي في إحدى قرى الهضاب العليا بالشرق الجزائري يرويها قاص مجنون يقوم بدوره المخرج نفسه.

 

يصور الفلم بنية المجتمع الجزائري في الفترة الاستعمارية و تفاوت موقفه من المستعمر حسب انتمائه الطبقي كما يظهر الفقر و الجهل المنتشرين بكثافة بين الناس في تلك الفترة.

 

تأخذ الأحداث منحى تصاعدي يقود في النهاية إلى اندلاع حرب الاستقلال كما تمثل أحداث مايو 1945 في هذا النسق قمة العنف الاستعماري التي ستقود في النهاية إلى انتفاضة شعب بأكمله.

 

في الجانب التقني فإن الفلم تم إخراجه بجودة عالية مقارنة بمقاييس زمن إخراجه كما حضي بتسخير إمكانات كبيرة من طرف الحكومة.

 

حاز الفلم على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان لسنة 1975.

 

في الجانب الإداري و الاقتصادي للقطاع السنمائي في هذه الفترة فإنه كان تحت التسيير الكامل للدولة التي تبنت النهج الاشتراكي و أممت قاعات العرض و تم إنشاء شركة إنتاج سنمائي حكومية يجب أن توافق على أعمال المخرجين.

بدعمها لهذه الأعمال الكبرى ذات المحتوى السياسي و النضالي الكبير كانت الدولة حديثة النشأة تبحث عن بعث صورة معينة لها للعالم.

إذا كان هذا الدعم فعالا في إنتاج مثل هذه الأعمال الكبرى إلى أنه وضع القطاع ككل في سكة الإشراف و الدعم الحكومي و لن يكون هناك فلم طوال الفترة التي ستلي يعتمد على التمويل الذاتي أو مما سيكسبه من قاعات العرض.

 

كما سيولد نزعة لدى بعض السنمائيين بالسعي لمخاطبة الجمهور العالمي و نقاد المهرجانات دون الوصول إلى الجمهور المحلي

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد