غالبًا ما ينظر إلى الديباجة على أنها وثيقة تهدف إلى الحد من عدم اليقين، وتعمل على توجيه المشرع سواء الدستوري أو البرلماني في عملية صياغة النصوص القانونية كضوابط تضبط هذه القوانين، بحيث لا تخرج عن فلسفتها.

وعليه فالديباجة يجب أن تتضمن ثوابت الأمة وفلسفتها في الحياة، وتعكس هوية المجتمع الذي سيحكمه هذا الدستور، وهوية أي مجتمع هي الثوابت التي يجب ألا تخضع لأي تعديل أو تغيير أو إلغاء مستقبلًا، كما أن الثوابت تعبر عن إجماع المجتمع حولها فلا يمكن الطعن فيها أو التشكيك فيها نظرًا إلى أنها محل إجماع واتفاق.

ويعد بيان أول نوفمبر (تشرين الثاني) هو الوثيقة التاريخية التي اجتمع ويجتمع حولها المجتمع وتعكس التوجهات الكبرى للمجتمع وتنبثق عنها هويته، فقد نص بيان أول نوفمبر على أن هدف التحرير هو الاستقلال الوطني بواسطة:

– إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.

– احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.

وعليه فهذا ما يجب أن تتضمنه ديباجة الدستور، وهذا ما يتوافق مع تعريف المجلس الدستوري الجزائري لها (في رأي له صدر بتاريخ 28 يناير (كانون الثاني) 2016 وحمل رقم 16/01)، حيث جاء فيه: «الديباجة تضع المبادئ التي تؤسس الدولة والمجتمع وتتضمن تطور الصيرورة التاريخية للجزائر».

وبناء على هذا التعريف استنبطت الأستاذة بلطرش مياسة ثلاثة معايير لتستجيب لهذا التعريف، وعلى ضوئها سنحاول تبيان مدى احترام مسودة الدستور المعروض للنقاش لهذه المعايير:

أولًا: معيار المصدر: أي إن كل النصوص الدستورية يكون مصدرها الديباجة على أساس أن الديباجة هي مصدر مبادئ الدولة، كما يجب أن تذكر قيم المجتمع الذي تحكمه هذه الدولة.

1- المبادئ:

أ- الحرية والكرامة: وهذا ما تبدأ به الديباجة في فقرتها الأولى بعبارة «الشعب الجزائري حر ومصمم على البقاء حرًّا، فتاريخه الممتدة جذوره جعلت الجزائر دائمًا منبت الحرية وأرض العزة والكرامة».

ب- علو الشعب على الدولة، وأنها وجدت لتخدم الشعب وتحميه، وهذا ما يظهر في الفقرة السابعة «… استرجاع الثروات وبناء الدولة لخدمته وحده»، وهذه إشارة إلى الدولة الاجتماعية.

ج- السيادة الوطنية: الفقرة السابعة من الديباجة تنص على: «تعزيز مشروعية الدولة التي تمارس سلطاتها خدمة للاستقلال الوطني وبعيدًا عن كل ضغط خارجي»، وهذا نص جديد لم يكن موجودًا من قبل.

ث- المشروعية والشرعية: وجاء ذكر المشروعية في الفقرة السابعة مع الإشارة إلى موضوع السيادة، وهذا بنظرنا مقترن بأن المشروعية التي تعني اتفاق قرارات وتصرفات السلطة مع أحكام الدستور، ومن الطبيعي أن المشروعية ملازمة لشرعية السلطة، فالمشروعية ترتبط بالأداء بينما الشرعية ترتبط بمدى قبول الشعب للحكم وللقائمين على السلطة، التي تستند في وجودها إلى قواعد الدستور.

ج- تمسك الجزائر بمبدأ الوقاية من الفساد ومكافحته.

د- تكريس الاتفاقيات الدولية، وهنا كان على المشرع الدستوري الإشارة إلى ضرورة توافق تلك الاتفاقيات مع قيم وهوية الشعب الجزائر ومصلحته الوطنية، وخير دليل على فساد بعض تلك الاتفاقيات اتفاقية سيداو، التي تتعارض في جل جوانبها مع قيم الشعب الجزائري ورؤيته لبناء الأسرة ووضع المرأة في المجتمع.

هـ- التمسك بحقوق الإنسان، وذكرت الديباجة في الفقرة 16 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحقوق السياسية والمدنية، دون ذكر الحق في التنمية والذي جاء منفردًا في إعلان كوبنهاجن سنة 1995، والذي يعد حقًّا من حقوق الإنسان من الجيل الرابع وضمانة للتنمية، فبدونها لا يمكن الحديث عن بقية الحقوق.

2- القيم:

أ- المكونات الأساسية للهوية وهي الإسلام والعروبة والأمازيغية، نلاحظ هنا أن المشرع الدستوري قد رتب أركان الهوية الجزائري، وقد بدأها بالإسلام لأنه الجامع بين سكان الجزائر، ثم ليتحدث عن العروبة كبعد قومي ليتبعه بالأمازيغية كبعد قومي كذلك، والجامع بين القوميتين هو الدين الإسلامي، وعليه نرى أن الاكتفاء بذكر الإسلام كهوية جامعة للشعب الجزائري كافيًا ووافيًا؛ فمبادئ الإسلام جامعة لا يمكن الاختلاف حولها.

ب- التسامح والسلم: مع الإشارة إلى ميثاق السلم والمصالحة، وجعله مرجعية للتمسك بقيم السلم والمصالحة، كما جاء ذكر رفض الكراهية والعنف والتطرف، وتعزيز قيم الحوار والمصالحة.

3- أهداف الدستور: جاءت في الفقرة 11 من المسودة توضح الأهداف من هذا الدستور وما الذي يرمي إليه:

أ‌- التمسك بالسيادة والاستقلال.

ب‌- بناء مؤسسات أساسها مشاركة كل الجزائريين في تسيير الشأن العام.

ت‌- ضمان الحرية لكل فرد.

ث‌- بناء دولة ديمقراطية وجمهورية.

ج‌- أن يكون الدستور الإطار الملائم لتعزيز الروابط الوطنية وضمان الحريات الديمقراطية للمواطن.

ثانيًا: المعيار التاريخي:

وجاء فيه ذكر الكثير من مقتطفات تاريخ الجزائر القديم بنوع من الاعتزاز، فتمت الإشارة إلى تاريخ الجزائر في البحر الأبيض المتوسط والعهد النوميدي، والفتح الإسلامي، ومختلف الحروب التحريرية، وجاء ذكر الحرب بصيغتها الجمع كإشارة إلى مختلف الحروب التي خاضها الشعب الجزائري من أجل رد المعتدين، مع الإشارة بنوع من الفخر والاعتزاز إلى أولئك الذين دافعوا عن هذه البلاد وعن هويتها.

ثم الإشارة إلى أول نوفمبر وكيف كانت تلك الحرب التحريرية دفاعًا عن الوطن كأرض وعرض، وعن مقومات سكان هذه الأرض، وفي هذا تأكيد على أن الحرب التحريرية لم تكن حرب جياع ولا طلاب تحسين شروط العيش دون كرامة ولا سيادة ولا حرية، ومقومات سكان هذه الأرض تشمل كل تلك القيم التي يستمدها الشعب الجزائري من عاداته وتقاليده التي صقلها وهذبها الإسلام.

كما جاءت الإشارة إلى الحركة الوطنية وجبهة التحريرية الوطنية كإشارة ضمنية إلى ضرورة النضال السياسي كنوع من المشاركة السياسية والمجتمعية في تسيير الشأن العام، وطبعًا لنوع من التأريخ لنضالات الشعب الجزائري الذي جرب السياسة مع الكفاح المسلح للتخلص من الاستعمار.

ثالثًا: المعيار القانوني: وهو ما نجده مجسدًا خاصة في الفقرة 11 من المسودة، والتي أشارت إلى:

أ‌- عدد من الحقوق التي ضمنها الدستور منها الحريات الجماعية والفردية.

ب‌- ضرورة التقيد بكل ما من شأنه تعزيز الممارسات الديمقراطية والمشاركة الشعبية الحقة.

ت‌- حماية الحريات وضمان تكريس التداول الديمقراطي على السلطة وإضفاء الشرعية على السلطة.

ث‌- سمو الدستور والقانون.

ج‌- الحد من الفوارق الاجتماعية والتفاوت الاجتماعي، مما يحتم سن قوانين ملزمة لضرورة العمل على هذا الجانب المهم جدًّا، خاصة فيما يتعلق بالتفاوت الاجتماعي.

ح‌- الاهتمام بالشباب وضرورة إشراكهم في بناء الوطن، وهو ما ذكرته الفقرة 19، وهذا يتطلب كذلك سن قوانين ملزمة لإشراك الشباب في تسيير الشأن العام.

خ‌- الفصل بين السلطات، واستقلالية العدالة، الملاحظ هنا أنه تم استبدال مصطلح العدالة بمصطلح القضاء، وقد أشارت لجنة الخبراء إلى هذا في القسم الخاص بعرض الأسباب، والرأي هنا أن هذا الاستبدال لا يقدم شيئًا لصالح استقلالية القضاء، كما أن مصطلح القضاء يفهم منه المؤسسة القضائية بكل وحداتها بدءًا من الضبطية القضائية إلى النائب العام ورئيس المحكمة العليا، في مقابل باقي السلطات، بينما مصطلح العدالة فهو مصطلح مجرد يعبر عن فلسفة أكثر منه تعبيرًا عن واقع ومؤسسة.

د‌- ما جاءت به الفقرة 18، وهو ضمان حماية البيئة والوسط الطبيعي والإشارة إلى التنمية المستدامة من خلال الاستعمال العقلاني للموارد الطبيعية والمحافظة عليها لصالح الأجيال القادمة.

الملاحظات العامة:

جاء في الديباجة ما يشير إلى الجيش الوطني الشعبي في فقرتين، وهذا تعبير عن مكانة الجيش داخل الدولة الجزائرية ودوره في الحفاظ على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السيادة الوطنية ووحدة البلاد، وحماية مجالها الجوي والبحري دون أي إشارة إلى دوره في المحافظة على السلم والأمن الدوليين، كما لم تتم الإشارة إلى أي مشاركة خارجية للقتال خارج التراب الوطني، وعليه فإن عدم التمهيد لهذا الأمر لا ينبغي أن يتم التنصيص عليه في متن الدستور، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الديباجة لم تشر إلى ضرورة تبني أي إستراتيجية دفاعية أو مسألة الأمن الوطني وما هي التشكيلات التي يتشكل منها الأمن الوطني، وما مسؤولية كل تشكيلة؟ وعليه نرى أنه كان من الضروري الإشارة إلى ضرورة ضبط هذا الأمر بتبني قانون عضوي للأمن الوطني، وكذلك ضرورة الإشارة إلى تبني لجنة تحدد السر الأمني، وهذا حتى لا يتم أمننة القضايا المجتمعية وقضايا السياسة العامة.

كما جاء كذلك إشارة إلى الحراك الشعبي الذي أطلقه الشعب الجزائري في 22 فبراير (شباط) من سنة 2019 مطالبًا بتغيير للنظام، وقد جاء هذا الذكر في الفقرة العاشرة من المسودة على النحو التالي: «يعبر الشعب عن حرصه على ترجمة طموحاته في هذا الدستور بإحداث تحولات اجتماعية عميقة من أجل بناء جزائر جديدة، والتي عبر عنها سلميًّا منذ الحركة الشعبية التي انطلقت في 22 فبراير 2019 في تلاحم تام مع جيشه الوطني الشعبي»، الملاحظ هنا هو أن لجنة الخبراء استخدمت مصطلح تحولات اجتماعية عوضًا عن التحولات السياسية، وهذه قراءة للمصطلح وتبرير ذلك لأن المطالب الشعبية لم تكن اجتماعية بل سياسية، وهذه قراءة أراها ناقصة لأن التحولات الاجتماعية ترتبط بالتحولات السياسية والاقتصادية والثقافية، مما يعني أن المطالبة بإحداث تحولات اجتماعية يقتضي بالضرورة إحداث تحولات سياسية، ولتشمل بعد ذلك التحولات جميع الميادين والمجالات، وعليه فإن استخدام مصطلح تحولات اجتماعية لا ينقص من قيمة الحراك على أنه حركة سياسية نادت بمبدأ تطهير الدولة من الفساد، فقد كان حراكًا سياسيًّا حمل مبدأ بقاء الدولة على عاتقه، ولم يكن حراك جياع.

خاتمة:

مسودة الدستور المعروضة للنقاش، تحمل الكثير من النصوص الإيجابية، التي مهدت لها الديباجة، والتي تميزت بحجمها الطويل فقد حوت 28 فقرة، وتبنت مجموعة من المبادئ والقيم التي تعكس هوية الشعب الجزائري، كما سعت الديباجة إلى تكريس مبدأ النظام الجمهوري المبني على دعامة التداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وتكريس الحقوق والحريات العامة وتدعيمها، والتمسك بمبادئ نوفمبر المجيدة، وتنمية دور الشباب، ووحدة الدولة والافتخار بالجيش الوطني الشعبي.

وعليه فنصوص المتن يجب أن تعكس هذه التوجهات، والتي تحمل بوادر دستور سيجد كل جزائري نفسه فيه، ويبقى أن قيمة أي دستور أو نصوص قانونية هو تكريس الممارسة السياسية بموجبها وإلا فلا قيمة لها مهما علت مبادئه ونصوصه.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد