رباعية الكاتب والقارئ والناشر والناقد

يؤرقني هذا الموضوع ولا يكاد يتوقف عن إزعاجي كل يوم، يرنُّ في عقلي على نحو مستمر كما يفعل الصبيان وهم يقرعون الأبواب المهجورة، ويتشكل أمام عيني في حالتَي الإغماض والاستيقاظ، يطاردني تقريبا في كل مكان أحُل يه ويجلس معي وأحيانا يستند على ظهري حتى لا أفكر في نسيانه everywhere and everywhen كما يقال بالإنجليزية، لذا لم أجد بُدًّا من الكتابة فيه حتى لا يصيبني بجلطة دماغية لا قدر الله، واكتشفت أن الذي يمنعني من الكتابة فيه أو يعرقلني عن ذلك هو الموضوع نفسه محل البحث، أعني: الذي يصييني بالأرق لأجل الكتابة فيه هو الذي يمنعني، إنها دهشة اللامنطق!

ودون أن تهتموا بهذه المقدمة الغامضة؛ سأحاول الدخول من الباب الواسع: يحدث لغطٌ متكرر كلما اقتربت المناسبة الأدبية الأضخم في الجزائر – فعاليات المعرض الدولي للكتاب واختصارا: سِيلا، يحدث ذلك كل خريف من كل عام، تقريبا هي المناسبة الأدبية الوحيدة في الجزائر، إذ تستولي على اهتمام أغلب الطبقات والنخب وأصحاب المطاعم كذلك، تسبقها حُمَّى النشر والطمع في دخول الكاتب بإصداره الجديد ومشاكل دور النشر مع مؤسسات الطباعة ونوعية العقود وهاجس رأي القراء والنقاد في الأعمال الجديدة وما يرتبط بكل ذلك من حساسيات مفرطة وتوقعات في غير محلها وإحباطات ونشوات زائدة عن الحد، معركة متعددة الأطراف ليس فيها حليفان اثنان، يبدو المشهد من الخارج أن كل طرف يحارب الآخرين في حرب وجودية ليس لها نهاية إلا على أشلاء الخيبات.

آه؛ لقد رجعتُ مرة للغموض، ولكن سأعترف: إن الموضوع محل البحث مثير للحزن، وإن شئتم هو مثير للنوم كذلك، ويسبب الجوع والرغبة في القيام بحركات رياضية للتنفيس، قبل شهر أو شهرين عن انطلاق سيلا من كل عام؛ تبدأ إعلانات الإصدارات الجديدة تظهر تباعا على مواقع التواصل الاجتماعي، وغالبا يستعمل الكُتَّاب ودور النشر حساباتهم على (فيسبوك، أنستغرام، يوتيوب) للترويج لجديد الأعمال والطبعات، وينطلق الأصدقاء والمتابعون في التفاعل الإلكتروني مع منشورات الترويج ويرجع الاختلاف في نسب التفاعل إلى نسبة المتابعات بطبيعة الحال، يتمثل الترويج في نشر غلاف العمل الجديد وملخص عنه قد تصحبه مسابقة تحفيزية للفوز ببعض النسخ المجانية، كما قد يرافقه ترويج إعلامي عن طريق عمود إخباري في الصحف المحلية بأن الكاتب الفلاني أصدر عمله الجديد والذي سيبنطلق توزيعه الأول خلال فعاليات الصالون الدولي للكتاب.

قبل هذا الترويج؛ كان الكاتب في رحلة مرهقة للوصول بعمله إلى مرحلة الطباعة، لأن النشر في الجزائر تُحسب تكاليفه على عاتق المؤلف نفسه، إذ ليس هناك دعم للنشر لا من طرف الدولة متمثلة في وزارة الثقافة وكافة أجهزتها، ولا من طرف مؤسسات خاصة لدعم الإبداع، هنا قد يعترض قارئ المقال: لكن هنا صندوق لدعم المؤلفين الشباب أسسته وزارة الثفافة منذ سنوات؟ أقول: نعم، ولكنه صندوق مخبأ في مكان لا يعلمه إلا شخص واحد هو وزير الثقافة، فأنا شخصيا جربت الاستفادة منه وجابهني موظف مديرية الثقافة في ولاية المسيلة قائلا بوجه مكفهر: لا يا عزيزي، ليس هناك أي دعم من طرفنا لأعمالكم الكتابية أيها الشباب، كنت سأقول له: لكني قرأت ذلك في غوغل، ثم قررت أن لا أقولها لأنه لا يعرف غوغل على ما يبدو من ملامحه.

طيب؛ إذن غالب المؤلفين الجزائريين يطبعون من جيوبهم، وغالب جيوبهم خالية على عروشها وتجد أغلبهم مَدينين لأجل التكفل بمصاريف الطبع وغير ذلك، لا علينا، يخرج الإصدار إلى النور وكأن الكاتب خرج من عملية قيصرية حرجة بالغة الصعوبة، ليجد نفسه في عذابات أخرى: صراخ من حوله لا يكاد ينقطع، ويشترك في هذه المرحلة ثلاثة أصناف: قارئ وناقد وكاتب آخر.

فكل واحد منهم يحاول اكتشاف أكبر قدر من السلبيات في الإصدار الجديد الذي لم يقرأه أي واحد منهم، فمنهم من يسخر من العنوان وأنه مقلد أو مضحك أو مثير للتقزز مع العلم أنه عنوان كتاب وليس طبقا من المطبخ الصيني أو الهندي، وبعضهم يسخر من تصميم الغلاف ليتحول الجميع إلى محترفين في الغرافيك، وبعضهم يجادل في اسم دار النشر التي تعامل معها المؤلف وأنها تجارية وغير احترافية ظنا منه أن هناك دور نشر تعمل أعمالا خيرية وتبرعات، وبعضهم ينتقد فكرة العمل ويتهم الكاتب بالسرقة والسطو الأدبي ويحاول إلصاق هذه التهمة بكل ما استطاع، حتى إنه قد يلجأ إلى البحث في الأدب الموزمبيقي ليؤكد أن الكاتب الجزائري قد سرق شيئا ما وهذا هو المهم في نظرهم، وبعضهم يتهم الكاتب بالترويج لكتابه وهؤلاء يعانون من مشكلة نفسية على ما يظهر لأن الكتاب الجديد لا يمكن أن يطلع عليه القارئ إلا بعملية ترويجية معينة سواء عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي أو الصحافة أو القراءات النقدية، بمعنى أن الكتاب لا يمكن السماع به إلا بالإسماع وهذا شيء ضروري لا أدري كيف يغيب عن هؤلاء؟!

تتكاثر وجهات النظر السلبية دون أن يتجرأ أحد من تلك الأطراف على التواصل المباشر مع المؤلف، بل يقذفون بالكلام من مكان بعيد، ويصل الأمر ببعضهم إلى استخدام أسماء مستعارة للطعن في شخص الكاتب والاستهزاء به بطريقة شديدة الانحطاط ولا أخلاقية تبعث على الغثيان، وينبثق السؤال الخطير في ذهن الكاتب: لماذا يحدث كل هذا دون أن يطلعوا على العمل؟ هل ارتكبت جريمة؟ هل الكتابة جريمة في هذا المجتمع؟! إنه السؤال الأكثر خطورة فعلا، ولكن يرادفه سؤال آخر: ما الذي يمنع هؤلاء من مخاطيتي بصورة مباشرة لتقديم النصح أو النقاش في تلك النقاط والملاحظات التي يتكلمون عنها؟ ذلك القارئ أو الناقد أو الكاتب الذي سجل ملاحظة سلبية على عملي الذي لم يوزع بعد؛ لماذا عجز عن الاتصال بي مع أن وسائل الاتصال متوفرة بحيث لا عذر لمعتذر إلا النادر؟ أليست أهم ميزة تفرق بين الإنسان المتحضر والأرعن هي ميزة التحاور؟ أليست أحد مكتسبات عصر الحرية ومجتمع المواطنة والديموقراطية هي قابلية الحوار إنشاءً وتفاعلا؟ أعني: أليس الإنسان المتحضر والشخص المثقف بالخصوص هو الذي يملك القدرة الفعلية على بدء أي حوار بأريحية نفسية ودون أي تعصب ولا قلق؟!

إن كلا من الكاتب والقارئ والناقد والناشر يمثلون الأركان الأربعة لعملية المثاقفة داخل المجتمع، ولكنهم يمثلون في الوقت ذاته أركان المعضلة الثقافية الحضارية كذلك، لأن من يتحمل صفة الثقافة دون أن يتحمل القدرة على التحاور هو إنسان بعيد كل البعد عن الثقافة، بل اتصافه بها باطل لا يصح، إذ لا يمكن إطلاقًا تصور عملية المثاقفة دون عنصر المحاورة الذي هو العنصر الأهم في توصيل الثقافة بين اثنين فصاعدًا، ومن غير حوار فإن نقل الثقافة لن يتم فهو يشبه طريق الإمداد بين مدينتين مثلا، فكما لا تصل مادة العيش الجسماني إلى أي مدينة إلا بنقل السلع والبضائع إليها على ظهر الطرقات، فكذلك لا تصل مادة العيش الفكري إلا على متن الحوار، ومن يفتقد هذه الطريق فلا شك أنه سيقع في جوع فكري قد يتطور إلى مجاعة فكرية قاتلة، تفتك بالمجتمع أكثر مما تفتك به مجاعة الأجساد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد