نواصل بقية الملاحظات حول مسودة تعديل الدستور الجزائري:

11- فيما يخص المؤسسات التربوية اقترحت اللجنة مادة جديدة وهي المادة 68 وتنص على ما يلي: تسهر الدولة على ضمان حياد المؤسسات التربوية وعلى الحفاظ على طابعها البيداغوجي والعلمي.

وهنا نطرح التساؤل التالي: تحيد المؤسسات التربوية عن ماذا؟

عن التوظيف السياسي الحزبي! مطلب ملح.

عن العمل النقابي! إشكال قانوني وحقوقي.

عن التعاليم والأخلاق والقيم الإسلامية! النص يتسع له.

وهذا يدفعنا أيضًا إلى طرح سؤال جوهري:

ما هي المحاذير بالضبط التي يجب أن تسهر الدولة على تحييد المؤسسات التربوية منها؟

فاللجنة مطالبة بأن ترفق كل مادة جديدة بالتبرير الموضوعي لها، وهذا ما تفتقده هذه المسودة في العديد من المواد الهامة والتي صيغت بمصطلحات عامة وغير دقيقة أحيانًا، وبألفاظ وعبارات تتسع لعدة دلالات وتوظيفات سلبية.

إن صياغة هذه المادة بالذات بطريقة مائعة وواسعة يتولد عنها العديد من الإشكالات الموضوعية، ففي المسائل الحساسة – كالتربية مثلًا – التي تهم كل أسرة وكل فرد جزائري، يعكف المؤسس الدستوري على (نحت) مصطلحاتها نحتًا باللفظ الصريح القطعي الدلالة، حتى يبعد عنه أي تفسير ناشز، أو احتمال غير مقصود، ولكن لجنة صياغة المسودة صاغت المادة بكيفية تتسع لجميع التفاسير والإسقاطات، خاصة أنها اقترحت في مادة أخرى ضرورة دسترة الاتفاقيات الدولية والإقليمية بالنص الصريح!

وهنا نتساءل:

هل يجب تكييف البرامج التربوية مع ما تنص عليه الاتفاقات الدولية كاليونسكو مثلًا أو اتفاقية سيداو؟

هل تسعى التربية لإيجاد مواطن متشبع بقيمه الوطنية، والدينية، والثقافية، ومنفتح على العلوم والمعارف الكونية، أم مواطن بلا انتماء، وبلا هوية، وبلا جذور وفروع؟

علمًا أن القانون التوجيهي للتربية الوطنية 08 – 04 المؤرخ في يناير (كانون الثاني) 2008 الذي حدد أسس المدرسة الجزائرية، وغاياتها وأهدافها ومراميها قد نص في الباب الأول أسس المدرسة الجزائرية، على ما يلي:(01)

المدرسة الجزائرية مطالبة بضمان ترقية القيم ذات العلاقة بالإسلام والعروبة والأمازيغية والمحافظة عليها، بصفتها الحبكة التاريخية للتطور السكاني، والثقافي، والديني، واللساني.

الإسلام كدين وثقافة وحضارة والذي يتعين تعزيز دوره في وحدة الشعب الجزائري وإبراز محتواه الروحي والأخلاقي وإسهامه الحضاري والإنساني.

انطلاقًا من هذه الاعتبارات فإن التربية الإسلامية الممنوحة لأطفالنا تهدف أساسًا، طوال المسار التربوي، إلى الوصول بالتلميذ تدريجيًا إلى الفهم الصحيح والإنساني للإسلام ولتعاليمه الجوهرية. وعليه يجب أن تساهم التربية الإسلامية في تطوير سلوكيات تسمح بالاندماج الاجتماعي وتحسين العلاقات الاجتماعية وتعزيز التماسك الاجتماعي والبيئي. فإلى أين تريد أن تمضي هذه المادة الجديدة بمؤسساتنا التربوية؟

وعليه: هذه المادة بحاجة إلى تحديد دقيق وصياغة صريحة، والتنصيص بدقة على المحاذير، لأن من مهام المدرسة التنشئة السليمة للتلميذ من الناحية النفسية، والأخلاقية، والدينية، والمدنية، والوطنية. فلا بد عن التنصيص على المحاذير التي يجب تحييد المدرسة عنها بعبارات دقيقة وواضحة؟

إن القارئ بعمق لهذه المسودة بما تستلزمه موادها المختلفة من مقتضيات وتوابع، خاصة ما تعلق بموضوع الدين الإسلامي والتربية والتعليم يلاحظ وجود توجّه مُريبٍ لتمييع مسألة الهوية والدين وجعلهما في دائرة النسبية من اهتمامات المؤسس الدستوري، وذلك من خلال الحرص على تغليب البعد العالمي، واختيار بعض المصطلحات المجردة، ووضع الأقلية والأغلبية في مرتبة متساوية إزاء موضوع الهوية والتربية والدين، والتركيز أكثر على أولوية وقيمة المعاهدات الدولية والإقليمية، التي ندرك كلنا أنها تحوي بنودًا وتوصيات مخالفة بشكل صريح للأحكام والقيم الإسلامية والمبادئ التربوية الوطنية للشعب الجزائري، لا سيما ما تعلق منها بقانون العقوبات (عقوبة القصاص) وقانون الأسرة والميراث والقانون المدني… إلخ.

في حين لم يقترح أعضاء اللجنة أية توصيات، أو مواد، أو إجراءات تعزز مكانة القيم الوطنية والإسلامية واللغوية في المجتمع، وتعاقب من يتعرض لها بسوء مواطنًا كان أو مسؤولًا، وبهذا سيبقى الشعب الجزائري مفتقرًا لمشروع مجتمع واضع المعالم، راسخ الجذور، ذي أهداف بيّنة ورؤية مستقبلية جليّة، توحد بين جهود أبنائه في إطار منسجم لبناء دولتهم على أسس جامعة تذكي فيهم روح الإرادة والتضحية.

12- ورد في المادة 51 ما يلي حرية ممارسة العبادات مضمونة وتمارس بدون أي تمييز في إطار احترام القانون. تضمن الدولة حماية أماكن العبادة وحيادها.

إن القارئ لهذه المادة الجديدة يخيّل إليه أن الجزائر توجد بها إثنيات دينية متعددة وملل ونحل متباينة كلبنان مثلًا، وليست بلادًا موحدة يدين 98% من الأهلها بالإسلام وعلى المذهب المالكي كما تعرف في الموسوعات والمراجع العالمية، ونسبة النصارى هي قليلة جدًا، في حين تكاد تنعدم بقية الديانات الأخرى كالبوذية، والهندوسية، واليهود، والزرادشية، والسيخ، والشيعة… إلخ، وهنا نود تسجيل بعض الملاحظات:

1- لا يوجد بالجزائر صراع ديني مقارنة بدول أخرى، ولم نشهد أي نزاع دموي أو فكري بين ديانتين أو أكثر أخذت بعدًا وطنيًا أو محليًا.

2- لم يكن هناك أي مشكل في إقرار حق ممارسة العبادات لغير المسلمين في الجزائر، فقد سعت السلطة عبر وزارة الشؤون الدينية إلى إصدار عدة أوامر ومراسيم تنفيذية لتنظيم شعائر غير المسلمين، ولا تزال سارية المفعول منها:

أولًا: الأمر رقم 06-03 مؤرخ في 29 محرم 1427 الموافق 28 فبراير (شباط) 2006 الذي يحدد شروط وقواعد ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين.

ثانيًا: مرسوم تنفيذي رقم 07-135 مؤرخ في 02 جمادى الأولى 1428 الموافق19 مايو (أيار) 2007 يحدد شروط وكيفيات سير التظاهرات الدينية لغير المسلمين.

ثالثًا: المرسوم التنفيذي رقم 07-158 مؤرخ في 10جمادى الأولى 1428 الموافق27 مايو 2007 الذي يحدد التشكيلة الوطنية للشعائر لغير المسلمين وكيفيات وعملها.

3- مشكلة العبادات لغير المسلمين في الجزائر هي مشكلة تنظيمية بالأساس لا مشكلة حريات، إذ تظل نسبية جدًا في هذا الإطار.

4- الدستور ينص على المواد والأحكام الكلية التي تنظم الشأن العام للأغلبية وتترك التفاصيل الجزئية إلى القوانين العضوية.

وبعد هذا يحق لنا أن نتساءل عن مبررات هذه المادة؛ علمًا أن اللجنة لم تذكر لها أي تبرير في عرض الأسباب:

1- هل حدثت نزاعات دينية هددت الأمن القومي في الجزائر دفعت لدسترة هذه المادة؟

2- هل الغرض من هذه المادة هو تشجيع التنوع الديني وتغيير الخارطة الدينية للجزائر التي رسمت منذ 14 قرنًا؟

3- عبارة في إطار احترام القانون هل يقصد بالقانون: قانون تنظيم الشعائر لغير المسلمين، أم القوانين المدنية العامة. ولماذا لم تقيد هذه المادة بالمادة الثانية من الدستور؟ فبدلا من ذلك نقول في إطار احترام المادة الثانية من الدستور

4- ماذا يقصد بحياد أماكن العبادة؟ فإذا كان حيادها عن التسييس هذا مطلب تُلزم به السلطة والمعارضة على حد سواء، أما الحياد عن الشأن العام فهو مرفوض بالمطلق؛ لأن المسجد في الإسلام ليس دور عبادة فحسب، وليس معبدًا كهنوتيًا كما لدى الملل الأخرى، وإنما هو مؤسسة تضطلع بتنظيم الشأن العام كإبرام عقد الزواج الشرعي، والإصلاح بين المتخاصمين، وإبرام الصلح، والإفتاء والدعوة وجمع وتوزيع الزكاة، فهل هذه المادة ستؤسس لمبدأ فصل الدين عن الدولة؟

5- هل حرية ممارسة العبادات يقصد بها كفالة ممارستها لمعتنقيها؟ أم المجاهرة بها والدعوة إليها؟ ومعلوم أن هذا التوجه فيه خطر كبير على الانسجام المجتمعي، ويزرع بذور الصراع والتصادم.

أخيرًا أعتقد شخصيًا أن هذه المادة بهذه الصياغة ستفتح الباب مشرعا لكل الطوائف والنحل لطلب اعتمادها وحقها في حرية ممارسة طقوسها، كما ستفتح الباب للمنظمات والجمعيات العالمية لخلق بؤر متشرخة في المجتمع وستترتب عليها تداعيات تطال النسيج الاجتماعي والأمن الفكري والديني للمجتمع، الذي يمثل رأسمال الدول وهي تسعى للحفاظ عليه وتعزيزه مع حماية حقوق الأقليات وعدم المساس بها.

13- ذكرت المادة 10: لا يجوز للمؤسسات أن تقوم بما يلي: وذكرت… السلوك المخالف للخلق الإسلامي وقيم ثورة نوفمبر. والأصح حسب رأيي: لمبادئ الدين الإسلامي وقيم بيان أول نوفمبر (تشرين الثاني)؛ لأن مصطلح المبادئ يرتبط بالتشريعات أما الأخلاق فترتبط بالسلوك، والمادة تشير إلى المؤسسات التي تحكمها المبادئ والتشريعات أساسًا، كما أن ثورة نوفمبر هي فعل ثوري ناتج عن مرجعية بيان أول نوفمبر، فقيم ثورة نوفمبر مستمدة من البيان، أما إذا قلنا ثورة نوفمبر: فما هي قيمها؟ ومن يحددها؟ ومن أين نقتبسها؟

علمًا أن المادة لم تبين أي إجراءات أو عقوبات في حق من يخالف الأخلاق أو الأحكام الإسلامية، كما لم توضح ما هي قيم ثورة نوفمبر التي لا تجوز مخالفتها؛ مما يجعلها مادة جوفاء أو استعراضية فقط.

14- لم تتطرق المسودة نهائيا لمسألة تجريم فعل التزوير الانتخابي حال ثبوته بقرائن وأدلة واضحة وصريحة، بالرغم من أهمية المسألة وارتباطها بموضوع الشرعية التي يعاني منها النظام السياسي الجزائري، ولقد رأينا في السنوات الأخيرة عمليات فاضحة لتزوير الانتخابات الموثقة بالتسجيل الصوتي والمرئي ولم تتحرك النيابة لمعاقبة المتورطين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء على الإرادة الشعبية.

وبناء عليه يبقى النقاش حول طبيعة النظام السياسي ونظام الحكم بين رئاسي، أو برلماني، أو بينهما، لا طائلة منه في ظل أزمة الشرعية وغياب التمثيل الحقيقي والمسؤولية أمام الشعب الذي فوض مندوبيه لتسيير شؤونه، فالتزوير الانتخابي يولد أغلبية وهمية ستحكم باسم الشعب في حين لا نجد لشرعيتها أي صدى على أرض الواقع، والحراك الشعبي قد عرى بكل وضوح مزاعم الأغلبية الوهمية التي عجزت حينها حتى على الكلام؟

15- نصت المادة 52 في الفقرة 2 على ما يلي: حرية الاجتماع وحرية التظاهر العمومي مضمونتان وتمارس بمجرد التصريح بذلك. يحدد القانون كيفيات ممارستها. أعتقد أن الإضافة الأخيرة قد أفرغت هذه المادة من محتواها.

16- لم تتطرق المسودة في موضوع الهوية اللغوية والدينية إلى أي إجراءات من شأنها أن تعزز من مكانة اللغة العربية أو الإسلام في الجزائر، وتحميهما من الابتذال والتوظيف السياسي، وتجريم أي فعل معاد لهما، خاصة أننا أصبحنا نسمع ونقرأ للعديد من الكتاب وحتى المسؤولين، بعض التصريحات التي تمس جوهر العقيدة والمعلومَ من الدين بالضرورة، كما أنها لم تشر إلى ضرورة رفع التجميد عن قانون تعميم استعمال العربية الصادر في 1991. ليبقى الإشكال المطروح دومًا هو في أزمة التطبيق لا أزمة التنصيص؟

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد