نواصل بقية الملاحظات حول مسودة تعديل الدستور الجزائري:

17-نصت المسودة على «إمكانية اعتراف المشرع لبعض البلديات بنظام قانوني خاص»، وهي مادة أثارت نقاشًا عميقًا يعود إلى طبيعة صياغتها التي تحتمل عدة دلالات ويمكن إسقاطها على عدة نماذج للتقسيم الإداري.

وبالرجوع إلى عرض الأسباب بررت اللجنة هذا التوجه، من خلال السعي إلى إعطاء صلاحيات أوسع للتسيير المحلي، حيث أشارت إلى «ضرورة دسترة مبدأي: اللامركزية وعدم التركيز» و«ضرورة إعادة النظر في التنظيم الإداري للدولة… بمنح الجماعات الإقليمية، لا سيما البلديات مركزًا قانونيًا يأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها بهدف منحها الإمكانات الضرورية والمناسبة».

قبل مناقشة هذه المادة الجديدة نود – بإيجاز – إيراد تعريف كلٍّ من اللامركزية وعدم التركيز، وهما مبدآن معروفان في التنظيم الإداري للدولة، ولهما فلسفتهما الرامية إلى إعطاء صلاحيات أوسع للجماعات المحلية، وترسيخ نموذج الديمقراطية التشاركية.

1-تعريف اللامركزية:

«هي تحويل السُّلطة إلى الأقاليم، والولايات، وجَعْلها تَتمتَّعُ باستقْلاليَّةٍ في تَسييرِ شُؤونها الخاصَّة عكس المركزيَّة».[1] وبحسب صندوق النقد الدولي: «اللامركزية تعني إسناد مهام جمع الضرائب ومهام الإدارة السياسية إلى مستويات حكومية أقل، وهو مفهوم يتم استخدامه في مختلف أنحاء العالم على مستويات مختلفة ولأسباب مختلفة وبوسائل مختلفة»[2].

فمبدأ اللامركزية باختصار هو أن تتمتع الأقاليم داخل البلد الواحد، باستقلالية في الجانب التنظيمي والمالي، أي يكون لها تنظيم خاص يشمل كل الشؤون العامة في التعليم، والصحة، والنقل، والاقتصاد، والتنمية، والإدارة المحلية، كما تتمتع باستقلالية في تسيير ميزانيتها ومواردها الطبيعية والمالية.

2- تعريف عدم التركيز:

وهو مبدأ جاء لتهذيب بعض الحِدَّة الموجودة في النظام المركزي، فهو يمثل: «المركزية المعتدلة أو المخففة، ومقتضاها هو: تخفيف العبء عن الحكومة والإدارة المركزية، بتخويل بعض الموظفين في الأقاليم المختلفة سلطة البت في بعض الأمور ذات الطابع المحلي دون الحاجة للرجوع للوزير المختص في العاصمة. إلا أن هذه الصورة من المركزية لا تعني استقلال هؤلاء الموظفين عن الإدارة المركزية، فهم خاضعون لسلطتها الرئاسية ولها أن تصدر إليهم القرارات الملزمة ولها أن تعدلها أو تلغيها، وكل ما في الأمر أن عدم التركيز الإداري يخفف من العبء على الوزارات والإدارات المركزية من خلال بعض القرارات الإدارية التي يمكن أن تُتخذ من ممثلي الوزراء في الأقاليم، بدلًا عن أن تُتخذ من الوزراء أنفسهم، ومن ثَمَّ يختلف عدم التركيز الإداري عن اللامركزية الإدارية إذ تتعدد السلطات الإدارية في اللامركزية الإدارية نظرًا لتعدد الشخصيات المعنوية، وتختص كل سلطة بجانب من الوظيفة الإِدارية في الدولة…ومن أبرز وسائل تحقيق عدم التركيز الإداري نظام تفويض الاختصاص»[3].

فمبدأ عدم التركيز يهدف إلى تخفيف الأعباء الإدارية عن الحكومة، دون استقلالية الأقاليم من حيث التنظيم والميزانية، أو إعطائها صفة الشخصية المعنوية، وقد يمثل هذا المبدأ مرحلة أولية للتوجه نحو النظام اللامركزي.

أما اللامركزية فهي تعطي للأقاليم داخل الدولة «شخصية معنوية مستقلة»، وهي تمثل إستراتيجية شاملة لإعادة هيكلة وتقسيم النظام الداخلي للدولة، ولها عدة أهداف ومزايا، كما لها محاذير كثيرة تتعلق بوحدة النسيج المجتمعي ومبدأ التوازن والعدالة التوزيعية بين مختلف الأقاليم والولايات، خاصة إذا طبقت في غير بيئتها السياسية والإدارية والمجتمعية الملائمة، ولهذا فإن من أكبر عوامل نجاح هذا المبدأ هو وجود وعي مجتمعي شامل وتماسك قوي، ومستوى عالٍ من الممارسة الديمقراطية على المستوى الوطني والمحلي، ونظام تعليمي رائد، ومؤسسات رقابية وقضائية مستقلة وذات سلطة وصلاحيات واسعة، ومنظماتِ مجتمعٍ مدنيٍ فاعلة ونشطة ومستقلة.

فهذه هي البيئة الأنسب لنجاح هذا المبدأ المهم في التسيير الإداري، فهو بحاجة إلى تهيِئَةٍ سابقة وظروف ملازمة، خاصة في بلد كالجزائر في شساعة أراضيه وأقاليمه، أين نُقِرُّ من ناحية بإخفاق السياسات المتبعة في تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة بين كافة الولايات؛ إذ من العجيب أن نجد ولايات وبلديات غنية تعاني الفقر والحرمان، وولايات وبلديات أخرى لا تملك موارد وثروات وتحظى بامتيازات كبيرة وتنمية متفوقة!

غير أنه من خلال التجربة لاحظنا كيف أن التسرع في تطبيق نماذج إصلاحية دون تهيئة ظروفها، سيؤدي إلى الفشل الملازم والدوري، وسيعرض ثروات البلد بل ووحدته الترابية إلى الابتزاز والإستنزاف، ولهذا فإن أغلب المشاريع الإصلاحية التي تم استنساخها من تجارب عالمية تختلف عنا في طبيعتها المجتمعية، والسياسية، والإدارية، والأخلاقية، والتاريخية، وكثير منها طُبّقَ على مستوى قطاع التربية أو الجامعات أو غيرها من القطاعات الحساسة كان مآلها الفشل وغياب الفعالية.

وبالعودة إلى نص المادة من مسودة الدستور المقترحة تثور في أذهاننا مجموعة من التساؤلات حول كيفية صياغة هذه المادة وسياقاتها وأهدافها فنقول:

1-لماذا لم توضح اللجنة الدوافع المفصلة والمتغيرات التي حدثت في المجتمع؛ودفعتها لاقتراح هذه المادة؟

2-ما هي المعايير التي تتيح تخصيص بعض البلديات بمركز قانوني خاص؟

3-وردت في المادة عبارة: «يأخذُ بعين الاعتبار خصوصيتها»؛ ما نوع هذه الخصوصية؟ ومن يحددها؟ وعلى أي أساس تحدد؟

4-ما أثر هذه المادة على مبدأ التوازن الإقليمي والمساواة بين جميع الجهات وفئات الشعب؟ (الوحدة الوطنية).

5-وهنا نتساءل أيضًا: لقد قامت السلطة السابقة بترقية بعض الدوائر إلى ولايات منتدبة مع عدم التنصيص على ذلك في الدستور، فهل مجال هذا الاختصاص هو التنظيم أو التشريع؟ وإذا كان هذا الأخير؛ فهل نعتبر الإجراء غير دستوري على غرار مرسوم محافظة الجزائر الكبرى الذي ألغاه المجلس الدستوري؟

6-إذا كانت اللجنة قد اقترحت دسترة مبدأ «اللامركزية» فما الجدوى من اقتراح دسترة مبدأ «عدم التركيز» الذي يندرج ضمن «النظام المركزي» فالنظام اللامركزي يتسع لمبدأ عدم التركيز وأكثر!

ونحن إذ ننتقد هذه المادة لا نهدف إلى التشكيك في نوايا أصحابها ومقاصدهم منها، ولكننا نحذر من أن هذه المادة قد تحمل في طياتها بذور انقسام مجتمعي وترابي للبلاد، خصوصًا أن الجزائر مهددة في وحدتها الترابية من خلال بعض التوجهات الانفصالية في الداخل التي تغذيها أطراف خارجية، فالدستور موضوع للمستقبل، وليس للحاضر فقط، وحتى لو وثق البعض في المسار السياسي الحالي، فلا أحد بإمكانه أن يضمن السيناريوهات المستقبلية، خاصة أن المادة تنص صراحة على دسترة مبدأ «اللامركزية» و«إمكانية وضع قانون خاص لبعض البلديات لخصوصيتها»، وهو ما يمثل ذريعة صريحة «لفدرلة الجمهورية» أو تقسيمها على أسس عرقية أو إثنية تحت غطاء تنموي، علمًا أن هناك نخبة تدافع عن هذا التوجه منذ زمن وتمتلك أجندات خاصة لا تخدم المصلحة الوطنية.

ولتخفيف حدة التبعية بين السلطة المركزية والجماعات المحلية فالأفضل الاقتصار على مبدأ عدم التركيز في إطار النظام المركزي، مع ترك المجال للقانون العضوي لوضع القوانين الكفيلة بتفويض أو إنابة بعض الصلاحيات التي تقتضيها الضرورات التنموية في إطار التوازن الإقليمي والعدالة التوزيعية.

18-في موضوع توسيع الصلاحيات التشريعية للبرلمان وتعزيز سلطة المعارضة في المراقبة، بالرغم من أن اللجنة أقرت في عرض الأسباب بصعوبة الفصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية في ظل نظام الأغلبية، إلا أنني أعتقد أن هذا النقاش سيظل عقيمًا وغير ذي جدوى في ظل «أزمة شرعية المجالس المنتخبة» و«شرعية العملية الانتخابية أساسًا»وغياب التمثيل الحقيقي للشعب بسبب اختلال النظام الانتخابي، وهو الموضوع الذي لم تتطرق إليه المسودة ولم يقع منها اهتمام كبير بهذا الجانب، ولهذا نؤكد على ضرورة دسترة «تجريم فعل التزوير الانتخابي»، ووضع الآليات والإجراءات العملية لتحقيق التمثيل الشعبي الحقيقي وفق انتخابات تعكس بصدق الإرادة الشعبية، ليأتي بعد ذلك الحديث عن صلاحيات المعارضة والأغلبية والآليات الرقابية الممنوحة للبرلمان؛ لأن وجود برلمان مزور أو نواب وصلوا إلى البرلمان بالمال الفاسد، سيجعل العمل البرلماني عقيمًا، وليس ذي جدوى، وحينها سيكون الحديث عن صلاحيات رقابية أو تشريعية لغوًا من القول، فما استقام الظل والعود أعوج!

19-وفيما يخص مجلس الأمة الذي أنشئ في سياق سياسي خاص لم تعد مبرراته قائمة اليوم، فبالرغم من اعتراف اللجنة بأنه تم واقعيًا إفراغ الغرفة الثانية من مهمتها، إلا أنها بررت مسألة الإبقاء عليها بما نصه: «… غير أن اللجنة تعتقد بأنه تماشيًا مع الاتجاه العالمي في هذا الشأن يتعين الإبقاء على مجلس الأمة لتدعيم التمثيل وتوازن المؤسسات ودوام الدولة؟» ونرى بأنه تبرير سياسي غير علمي ولا موضوعي.

أعتقد شخصيًا أن هذه الغرفة أصبحت عبئًا على الدولة، ولا تقدم أي إضافة سوى تعزيز هيمنة السلطة التنفيذية عبر الثلث الرئاسي وأغلبيتها النيابية.

20-لقد أطنبت المسودة في إيراد بعض المواد التفصيلية والعبارات القيمية التي كان من المفترض أن يكون مجالها القانون (العضوي أو العادي)، أو التنظيم لا التشريع مثل المواد: 20، 24، 26، 27، 67… إلخ، وهو ما أدى إلى ارتفاع عدد المواد إلى 240 وقلل من الأهمية الرمزية والقانونية للدستور باعتباره أسمى وثيقة تنظم العلاقات بين المجتمع، من ذلك:

1-تعزيز دور الدولة في إطار حماية البيئة والماء الصالح للشرب وتحسين نوعية الحياة.

2-الحق في الحصول على الماء الصالح للشرب مضمون.

3-الإدارة في خدمة المواطن.

4-التزام الدولة بضمان جودة العلاج واستمرارية الخدمات الصحية.

5-وفي المادة 26 تكررت عبارة لها معنى واحد وهي: الفقرة 2 «يضمن القانون عدم تحيز الإدارة». وفي الفقيرة 4 من نفس المادة» تتعامل الإدارة بكل حياد مع الجمهور في إطار احترام الشرعية وأداء الخدمة بدون تماطل». وهذه تكفي.

فكل هذه الحقوق متضمنة في حقوق ومواد كلية وعامة، وهي بحاجة إلى تقنين إجرائي وعملي، وهل بقي في القرن 21 من يتحدث عن ضمان حق الشرب والعلاج والدراسة؟

21-أما مسألة إقرار تدخل الجيش خارج حدود البلاد، فأعتقد أن مرد هذا التحول في العقيدة الأمنية للجيش الجزائري جاء استجابة لتطور مفهوم التهديد الذي تبعه لزاما تطورٌ في مفهوم الأمن واتساع دوائره وآلياته مع تعدد الفواعل الدولية والإقليمية، وتغير السياقات الجيو – إستراتيجية والأمنية للدول عما كانت عليه إبان العقود السابقة.

إلا أن ربط مهمة حفظ السلام بالمنظمات الإقليمية والدولية، أثار نقاشًا وتخوفًا كبيرًا بين المختصين لما تنطوي عليه من محاذير تتعلق بالانخراط في مساعي وأجندات القوى العظمى التي تتحكم في سياسات وتوجهات المنظمات الدولية والإقليمية، إذ إن ما نشب من الحروب تحت ذريعة تحقيق السلام وحماية الديمقراطية ومحاربة الإرهاب تسبب في تشريد العديد من الشعوب والتدخل في سياسات الدول وتحطيمها، مثلما نشاهد ذلك في أفريقيا الوسطى، ومالي، واليمن، وسوريا، وأفغانستان، وليبيا… إلخ.

ولهذا أرى أن يتم استبقاء هذا المبدأ، ولكن مع تعديل الصياغة بما يمنح القرار الجزائري مزيدًا من الاستقلالية والقدرة على المناورة المشروعة بما يخدم مصلحة الجزائر وأمنها القومي وعمقها الإستراتيجي، ويعفيها من المساءلة الدولية، وذلك باستبدال مادة التدخل المباشر بتوسيع صلاحيات الجيش وإضافة الصلاحية التالية:

يضطلع الجيش بحماية الأمن القومي والمجال الجيو – إستراتيجي للجزائر والمشاركة في حفظ السلام في إطار مبادئ الجزائر وأهدافها.

لا يمكن أن يتم ذلك إلا بعد اتفاق المجلس الأعلى للأمن وموافقة ثلثي أعضاء البرلمان».

فمفهوم الأمن القومي والمجال الجيو – إستراتيجي للدول يتعدى الحدود السياسية ويُقدَّر بحسب مصالح الدول وعلاقاتها الخارجية الإستراتيجية، ولهذا يكون إرسال وحدات من الجيش مرتبط بهذا الهدف، ولا يتم إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للأمن الذي يملك صلاحية الاجتهاد في تكييف طبيعة العمليات ومدى مواءمتها مع أهداف الجزائر ومبادئها، ولا يصبح الأمر نافذًا، إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، الأمر الذي يجعل الجزائر في مأمن عن أي ضغوط خارجية، أو ارتهان لمنظمات دولية أو إقليمية.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد