يأتي هذا التساؤل بعد استعراض أهم المواد الجديدة المقترحة والتي أثارت جدلًا مجتمعيًا ونخبويًا، وقبل الإجابة عليه سنستكمل آخر محاور هذه الدراسة النقدية لمسودة الدستور والمرتبطة بمسألة الأمازيغية وبعض الملاحظات المتعلقة بالصياغة التركيبية واللغوية للمسودة.

أولًا المسألة الأمازيغية

لقد وقع تسييس مبالغ فيه لهذه المسألة منذ الاستقلال وازداد الأمر خلال العشرين سنة من حكم الرئيس السابق، فالنظام لم يقدم أي خطوة عملية في سبيل تطويرها والارتقاء بها، حيث تم اعتبارها لغة وطنية، ثم تم ترسيمها، والآن يراد جعلها مادة صماء دون الوصول إلى اتفاق قارّ ونهائي حول «اللغة الأمازيغية النموذجية» والخط الذي تكتب به، الأمر الذي يوحي بأن التعامل معها يتم بمنطق سياسي استعجالي ارتجالي مجرد عن الموضوعية والعلمية، وهو ما سيؤدي إلى الوقوع في سجال كبير وتصادم مجتمعي حول المسائل الخلافية داخل دائرة الناطقين بالأمازيغية، خاصة إذا تم اعتماد الحرف اللاتيني في كتابتها، أو غُلِّبَتْ إحدى العائلات اللغوية على غيرها، ونحن هنا لا نعارض هذا المكون الأصيل في المجتمع الجزائري منذ آلاف السنين والحافل بعراقته وتراثه، ولكن نأسف للمزايدات السياسية الممارسة عليه، واتخاذه سجلًا للمماحكات والتوظيفات السلبية، خاصة في الصراعات والخلافات السياسية بين العُصَب المتشاكسة، ولهذا لا أرى شخصيًا أية إضافة للأمازيغية بجعلها مادة صماء؛ لأن العربية والإسلام هما من المواد الصماء منذ الاستقلال ومع وضوح مبادئهما ومعالمهما، إلا أنهما لم يزالا من أكثر المواد ظلمًا وابتذالًا في الواقع الاجتماعي، والسياسي، والإداري، والأخلاقي، واللغوي للمجتمع الجزائري، واللغات الأمازيغية المتباينة حفظت على مر الدهور بسبب كونها لغات محكية يتلقفها الخلف عن السلف، في الريف، والسوق، والبيت، والمسجد، والشارع، ولم تكن حينها لا رسمية ولا وطنية، وعليه أرى أنه لا بد من التعامل بمنطق علمي لا سياسي في معالجة هذا الموضوع من خلال:

أ- تطوير لغة أمازيغية معيارية تجمع بين مختلف لهجاتها المنتشرة في ربوع الوطن من:الميزابية، التارقية، الشاوية، القبايلية، الشنوية، الشليحية… وإن تعذر الأمر فلابد من الاعتراف بها جميعًا كلغات وطنية على الأقل، على قدم المساواة بينها جميعا، دون تغليب أي عائلة لغوية وإعطائها أحقية تمثيل اللغة الأمازيغية المعيارية؛ لأن هذا المسار سيثير فتنة نعرف أولها ولا ندرك نهاياتها.

ب- الفصل في طبيعة الحرف الذي تكتب به، هل هو التيفيناغ أو العربية، أو اللاتينية الفرنسية؟ ومن دون شك أن المقترح الأخير هو مرفوض من قِبل طيف كبير من الجزائريين، وحجة بعض من يقترحه هو لأجل إدخال الأمازيغية إلى العالمية، وهي حجة داحضة، فاللغات تقوى بإنتاجها المعرفي وقدرتها البلاغية والأدبية والعلمية التي تتيح لها إيجاد موطئ قدم في المجتمع اللغوي العالمي، وليس بالتسلق على ظهر لغات الأمم العاملة.

وهنا نتساءل: لماذا لم تسعَ اللجنة إلى ترجمة مسودة الدستور إلى الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وقامت بترجمتها إلى اللغة الفرنسية كلغة ثانية، لا هي وطنية ولا رسمية؟

إننا لن نكون ضد الأمازيغية كتراث احتضن الإسلام فاحتضنه الإسلام وعززه وصار من أبنائه من خدم الإسلام والعربية أكثر من غيرهم، وكانوا يدًا على من سواهم فـ«أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ 10 قرون، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرًا مسلمًا جزائريًا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام».

كما قال الشهيد الرمز عبد الحميد بن باديس رحمه الله، فالنقاش حول إلغائها هو نقاش عدمي مصادم للواقع والتاريخ والأنثربولوجيا والجغرافيا، فقد نختلف في توصيفها باللغة، ولكن لا يمكن أن نختلف حول كونها لسانًا تتجلى فيه آيات الله، الذي أودع الأصوات، واللغات، أفئدةَ البشر، والحيوانات، والكائنات، للتتواصل فيما بينها وتسبح خالقها بما ألهمها به من حسن التعبد والابتهال، «تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا» (الإسراء-44)، وإنما يجب أن ينصرف النقاش في كيفية الحفاظ على هذا التراث وصيانته وانتشاله من أيدي العابثين، والمتاجرين، والمساومين، داخل الوطن وخارجه، حتى لا يُجعل تِكْأَةً يستند عليها المغرضون لِلَمْزِ العربية أو اللعب على وتر الإثنية اللغوية والعرقية، كما حدث في شمال العراق وسوريا وغيرهما، فهذا محذور قد وقع ولا يمكن تجاوزه والتغاضي عنه، وإنما الحكمة تقتضي التصرف وفق منطق: «سلمانُ منا أهلَ البيت».

ثانيًا أهم الأخطاء اللغوية والتركيبية لمسودة الدستور

إن المتصفح لنصوص هذه المسودة يلاحظ أن هناك ركاكة في الأسلوب والصياغة بطريقة لا يمكن تجاوزها، حيث وقعت عدة أخطاء نحوية وتركيبية، وحتى أخرى تتعلق بالسقط لبعض المفردات، ونشير على سبيل المثال لا الحصر:

1- خطأ واضح في المادة 16 التي تنص على: «يمكن القانون أن يخص بعض البلديات بنظام خاص». والصواب: «يمكن للقانون أن يخص».

2- خطأ في المحور الثاني: «إمكانية رئيس الجمهورية من تعيين نائب له». وهذا خطا تركيبي فيه نشاز واضح، والصحيح هو: «إمكانية تعيينِ نائبٍ لرئيس الجمهورية». أو «يمكن لرئيس الجمهورية أن يعين نائبًا له».

3- أثناء عرض الأسباب تكررت عبارة «من أجل البث في دستورية القوانين» كما في الفقرة 06 من الصفحة 10، والصحيح «من أجل البَتِّ في دستورية» أي القطع بدستورية.

4- ورد في ص 12 الفقرة 04 من عرض الأسباب ما نصه: «ومن هذه المنطلقات اقترحت أن تكون مبدأي اللامركزية وعدم التركيز منصوص عليهما بصفة صريحة في الدستور…»، والأصح «أن يكون مبدآ اللامركزية وعدم التركيز».

5- ورد في ص 02 الفقرة 05 من عرض الأسباب عبارة: «… بهدف إثراء النص الدستور حتى يكون منسجمًا مع متطلبات دولة القانون». والأصح «النص الدستوري».

6- ورد في ص 08 الفقرة 06 من عرض الأسباب عند الحديث عن مجلس الأمة: «وهو ما حرم هذا الخير من الاحترافية التي تستلزمها وظيفته». والصحيح «ما حرم هذا الأخير».

7- ورد في ص 11 الفقرة 04 ما نصه: «وقد اهتمت اللجنة بالبحث عن كيفية إدراج في النص الدستوري ضمانات أكثر لحماية الأموال العامة…»، وهو خطأ تركيبي واضح والصحيح أن نقول: «وقد اهتمت اللجنة بالبحث عن كيفية إدراج ضمانات أكثر لحماية الأموال العامة في النص الدستوري».

8- ورد في ص 11 الفقرة 06 كلمة خاطئة تتطلب من القارئ إعادة قراءة العبارة مرارًا لاستخلاص المعنى من السياق، وسأوردها بحرفيتها: «كما اقترحت اللجنة بوجه عامة ألا يحتوي التشريع على أحكامٍ من شأنها أن تؤدي إلى الفساد كالغلو في الشروط القانونية…»، والكلمة الصحيحة هي «ألا يعلو».

وهناك أخطاء كثيرة أخرى يضيق عنها هذا المقام.

ثالثًا أهم الإضافات الجديدة في المسودة

مما قد يحسب لهذه المسودة أنها أضافت بعض المواد والأفكار الجديدة التي تظل بحاجة لمزيد من التنقيح والتفصيل، منها:

1- إنشاء المحكمة الدستورية غير أنها لا تزال بحاجة إلى تعديلات عميقة كي لا تكون نسخة من المجلس الدستوري الفاقد للاستقلالية التامة.

2- تسهيل إجراءات إنشاء الجمعيات والمنظمات مع أنها تبقى مقيدة بالقانون الذي يحدد كيفياتها.

3- إلزام الحكومة بإرفاق «مشاريع القوانين» بالمخطط العملي والنصوص التنظيمية اللازمة لتنفيذها.

4- التمييز في مسألة الحصانة البرلمانية بين الأعمال المرتبطة بممارسة العهدة والخارجة عنها.

5- إلغاء حق التشريع بالأوامر خلال العطل البرلمانية.

6- إبعاد وزير العدل والنائب العام لدى المحكمة العليا من تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء.

7- إضافة مادة جديدة وهي المادة 17 التي تنص على: «تقوم العلاقات بين الدولة والجماعات الإقليمية على مبادئ اللامركزية وعدم التركيز». وهنا نؤكد على ضرورة إسقاط «مبدأ اللامركزية» لعدم تحقق مقوماته في الظرف الحالي، والإبقاء على مبدأ «عدم التركيز»؛ مما يدفع باتجاه تخفيف حدة النظام المركزي ومنح سلطات أوسع للجماعات المحلية، وهنا نتساءل عن سبب استبدال مصطلح الجماعات المحلية بالجماعات الإقليمية؟

8- التعويض عن التوقيف أو الحبس المؤقت التعسفي وذلك في المادة 46: «لكل شخص يكون محل توقيف، أو حبس مؤقت، تعسفيين، أو خطأ قضائي الحق في التعويض». وسابقًا كان التعويض عن الخطأ القضائي فقط.

9- المادة 24: «يتعين على السلطات العمومية في كل الظروف احترام الحكم الراشد وفرض احترامه في تسيير الشؤون العمومية وأن تسهر على أن تضمن القوانين والتنظيمات الشفافية وألا تحتوي أحكامًا من شأنها أن تؤدي إلى الفساد». وهي مادة جديدة وذات محتوى قيّم يحدد مسؤولية السلطات العمومية حول مسألتين:

1-فعل التسيير والرقابة على الشأن العام بما لا يخالف قواعد الحكم الراشد.

2- مسؤوليتها على فعل التشريع والتنظيم بما لا يؤدي إلى الفساد بمختلف صوره.

إلا أن هذه المادة تبقى بحاجة إلى إجراءات عملية واستقلالية السلطة القضائية ومؤسسات شرعية سيادية تسهر على إرساء أسس الحكم الراشد، حتى لا تبقى في إطارها الرمزي كالعديد من المواد.

رابعًا أهم الاستنتاجات حول المسودة

بعد هذه الدراسة النقدية حول المسودة نسجل الاستنتاجات التالية:

1. المسودة لا ترتقي إلى مستوى طموحات الشعب الجزائري التي عبر عنها في حراكه، وسقفها متواضع جدًا.

2. المسودة لا تؤسس لتحول ديمقراطي حقيقي ولا تجسد إصلاحًا عميقًا للنظام السياسي لا سيما في مسائل: الفصل بين السلطات، طبيعة النظام السياسي، استقلالية وعلوية السلطة القضائية، الرقابة القضائية على السلطة التنفيذية والتشريعية، أخلقة العمل البرلماني، إصلاح النظام الانتخابي.

3. المسودة لم تجر أي تعديلات عميقة وجدية فيما تعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية، خاصة في علاقته بالسلطة القضائية.

4. نلاحظ أن هناك توجهًا ضمنيًا لتحييد عناصر الهوية والحد من دورها الإصلاحي والتوعوي خاصة في المؤسسات الرسمية للدولة، كالنص على حياد المؤسسات التربوية وتحييد أماكن العبادة، وفي المقابل تتم المطالبة بدسترة الإتفاقات الدولية التي نعلم جميعًا أنها قد تتضمن ما يخالف صراحة العديد من المسائل المرتبطة بقانون الأسرة، والمرأة، والميراث، وحكم الإعدام، والهوية الإسلامية، مثل اتفاقية سيداو، واليونيسكو، وهذا ملمح خطير جنحت إليه المسودة وأسست له من خلال العديد من المقترحات.

5. الإبهام الكبير في كيفية صياغة بعض المواد الجوهرية؛ مما اضطر البعض إلى تفسيرها بالنوايا والآراء الشخصيات، سواء الناطق باسم الرئاسة أو بعض أعضاء اللجنة.

6. الإغراق في التفاصيل والجزئيات التي يكون محلها القانون العضوي أو العادي والمراسيم التنظيمية، وليس النص الدستوري.

7. هناك إبهام في صياغة بعض المواد الجديدة كمادة «إمكانية تخصيص بعض البلديات بقانون خاص». و«تعزيز مركز رئيس الحكومة» و«حيادية المؤسسات التربوية؟» وهي مواد كلها تستتبع بسؤال الكيف؟ ولهذا لجأ بعض أعضاء اللجنة إلى تفسيرها من منظورهم، وهو ما يفتح المجال واسعًا للتحكم في المعنى، بسبب غياب الضبط اللغوي والتقني لهذه المواد.

8. مسار التأسيس الدستوري غير واضح تمامًا، فطبيعة الاقتراحات والانتقادات التي أرسلت للرئاسة وكيفية معالجتها ومداولتها وتبويبها ومن يقوم على ذلك، كلها مسائل غير واضحة للشعب صاحب السيادة.

وعليه يتعين التريث والتحلي بالتؤدة والعمل على إعادة تشكيل لجنة وطنية جامعة لكافة الأطياف، وفتح نقاش مجتمعي جاد ومسؤول وفعال، لبلورة الأفكار وترشيح المقترحات والمحاور الكبرى لبناء نظام سياسي أكثر رشادة وشفافية، فالهدف ليس إيجاد دستور جديد، وإنما هندسة دستور وطني جامع يؤسس للتغيير المنشود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد