يمثل الدستور مرآة الدولة وبطاقتها التعريفية بين الأمم والمنظمات والمجتمع الدولي، كما يؤسس لمشروع مجتمع بهويته التاريخية والدينية واللغوية، ومقوماته الثقافية والجغرافية، ويجسد تطلعاته المستقبلية نحو الازدهار ومواكبه التحولات العالمية.

ودَستور هي كلمة «فارسية مركبة من: (دست) بمعنى القاعدة و(وَر ) أي صاحب»(1)، ويرجع البعض أصل كلمة دستور إلى «الكلمة الفارسية «الدستوفار» وتعني: صاحب النظام أو الأمر وهو وزير الملك «كسرى»، ومنه جاءت كلمة «الدستور في العربية».

ويعرف الدستور Constitution في الوضع الاصطلاحي بأنه: «العقد الذي ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم»، وبتفصيل أدق هو: «مجموعة القواعد القانونية التي تنظم شكل الدولة ونظام الحكم، وتبين السلطة السياسية في الدولة من حيث طبيعة العلاقة بين السلطات
واختصاصاتها وإنشائها وتنظيمها،كما يقصد به القواعد القانونية التي تبين حقوق الأفراد وحرياتهم الاساسية، بغض النظر إذا ما كانت مدرجة في الوثيقة الدستورية أو
في وثيقة قانونية أخرى، قواعد قانونية مكتوبة أو غير مكتوبة
».(2)

ويشرف على صياغة الدساتير في العالم خبراء متخصصون ونخب علمية عالية التكوين والدراية، تجمع في كفاءاتها بعد البعد المعرفي والتجربة الميدانية والتشبع بالقيم والروح الوطنية، ويُكوِّنون جميعا ما يصطلح عليه قانونًا بالمؤسس الدستوري، الذي يضع البنية التأسيسية لوثيقة الدستور، لتجري صياغتها وفق الأشكال القانونية المعروفة وبلغة رصينة ذات مبان قليلة ومعان عميقة.

وأود بين يدي هذه المناقشة الهادئة لمسودة الدستور أن أشير إلى أن كتابة الدستور من حيث الشكل والمضمون يُحتكم فيها لمعايير ومرتكزات علمية تستلهم معناها ومبناها من الروافد المعرفية التالية:

1. القواعد العلمية القانونية لاسيما مبادئ القانون الدستوري.

2. القانون المقارن والقانون الإداري، ومختلف فروع القانون الأخرى.

3. أصول الفقه وقواعد التشريع وعلم المقاصد.

4. قواعد اللغة العربية ودلالات الألفاظ (المطلق، المقيد، الخاص العام، الصريح المبهم…).

5. الدراية باللغة القانونية التقنية.

6. كما أن صياغة بعض المواد يحتاج إلى مخصتين في العلوم الأمنية والسياسية، والعلاقات الدولية، والعلوم الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والشرعية، لضبط مفاهيمها ومصطلحاتها العلمية بدقة.

إن القراءة التفسيرية والنقدية للدستور يجب أن تنطلق من الخلفية المعرفية التخصصية، وتتأسس على مرتكز علمي سواء في شرح وتعليل مدلول المواد ومقاصدها، أو في بيان أسبابها والدوافع التي ألجأت إليها، وهو ما يعرف بعرض الأسباب (التسبيب)، أو في نقدها وبيان اختلالاتها، ولا يمكن البتة أن تفسر مواد الدستور بنوايا المؤسس الدستوري أو آرائه الشخصية، أو بالثقة والمرجعية العلمية والوطنية، أو بالرمزية التاريخية لواضعي الدستور، لأن هذه الوثيقة موضوعة للشعب حاضرًا ومستقبلًا، وتخص حياته اليومية والقوانين العامة الناظمة لكيفية إدارة الدولة، ولا ترتبط بالأشخاص ونواياهم، أو بالرؤساء وسياساتهم، وليست موضوعة لظرفية زمنية معينة، بل الأصل في الدستور أن يستغرق مدة زمنية طويلة نسبيًّا، تستوعب التحولات المجتمعية وتستشرف تطلعاتها، ولا يعدل إلا لمامًا، عند كل دورة حضارية أو مجتمعية تفرضها المتغيرات والتطورات الطبيعية للمسيرة الإنسانية، وليس كل خمس سنوات أو أقل أو عقب كل أزمة، أو عند مجيء كل رئيس يعدل الدستور بما يتسع له هواه! فهذا فيه ضرر كبير على الانسجام المجتمعي وفعالية الدولة، والحقوق والحريات المدنية، ويرهن الدولة والشعب معًا بنزوات الحاكمين، كما حصل مع الرئيس بوتفليقة في دساتيره الثلاث سنة: 2002 و2008 و2016. فماذا جنته الجزائر من هكذا تعديل؟

وفي سبيل إثراء النقاش الدائر في الجزائر حول مسودة الدستور(3)، سأحاول تقديم قراءة نقدية لبعض المواد والأحكام التي أثارت جدلًا ونقاشًا واسعًا في المجتمع الجزائري وبين النخب والمتخصصين، وسأعرض الملاحظات متسلسلة ومرقمة عبر حلقات متواصلة، وذلك قصد إنارة الرأي العام، وإضاءة بعض الجوانب المتعلقة بمسائل جوهرية تخص المجتمع في نظامه السياسي، وشكل الدولة وتنظيمها الإداري وطبيعة الحكم والهوية الوطنية والحقوق والحريات المدنية، والمسألة التربوية وغيرها، وهي لا تعدو أن تكون قراءة سياسية وخلاصةً لجملة من القراءات النقدية لبعض المتخصصين في القانون الدستوري الذين هم مرجعية الاحتكام في هذا الشأن المهم.

وتبقى هذه محاولة جهدًا بشريًّا متواضعًا بحاجة إلى مزيد من التأصيل الفكري، والتلاقح المعرفي والتنقيح والنقد العلمي، للوصول إلى رأي عام متبصر ومستنير، تجاه أهم وثيقة تحكم وتنظم مؤسسات الدولة وعلاقات الأفراد.

أولًا: ملاحظات حول تركيبة وإنشاء لجنة صياغة المسودة

1- لقد استعان الرئيس بالفريق نفسه أو الشخصيات المركزية التي أشرفت على صياغة دستور 2016، الذي أوصل البلاد إلى حالة الانسداد، وكاد يفضي بها إلى أزمة حقيقية، وكلفها بصياغة دستور يفترض فيه أن يعلن القطيعة من العهد السابق، ويؤسس لجزائر عريقة بأشخاص وأدوات وأفكار جديدة، وعليه فالمقدمات الخاطئة لا ينتظر منها نتائج صحيحة.

2- من الملاحظات المسجلة حول طبيعة تكوين اللجنة هو غياب «التنوع التخصصي»، حيث لم تتسع اللجنة لخبراء الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلماء الشريعة والسياسة، وكل الاختصاصات التقنية ذات العلاقة، واكتفت بخبراء القانون بفروعه المختلفة، وهو ما نعده خطأ جسيمًا، انعكس أثره السلبي في هذه المسودة صياغةً ولغةً ومضمونًا.

3- صياغة مسودة الدستور جرت بطريقة علوية، ولم تأت عن طريق مسار تصاعدي، بعد مشاورات عميقة لاختيار كفاءات تمثل جميع التوجهات الفكرية، وقد كان من الأجدر أن يكون بناء المشاورات بطريقة هرمية تمتد من القاعدة المحلية، وتشارك فيها المجالس المنتخبة والشخصيات والأحزاب والكفاءات والمؤسسات (مثلًا تنشأ على مستوى كل ولاية لجنة من الخبراء تضم خبراء في شتى التخصصات لاقتراح التعديلات) ثم يجري إنشاء لجنة صياغة المسودة التي تأخذ بكافة المقترحات.

4- من المستغرب ألا تنزل لجنة صياغة الدستور إلى الإعلام حتى تشرح للشعب الجزائري المواد الملتبسة والخلافية.

هذه المآخذ انعكست بوضوح على مخرجات عمل اللجنة ونوعية الوثيقة المقدمة.

ثانيًا: أهم الملاحظات الشكلية والموضوعية حول المسودة

سأحاول من خلال هذه الملاحظات المزاوجة بين الملاحظات الخاصة بالشكل والمضمون مع التركيز على هذا الأخير، لأهميته الموضوعية.

1- لقد حصرت المسودة في ديباجتها المطالب التي نادى بها الحراك في المطالب الاجتماعية «إحداث تحولات اجتماعية عميقة من أجل بناء الجزائر الجديدة». في حين أن الجميع يدرك أن مطالب الحراك هي في المقام الأول سياسية بامتياز وتطالب بتغيير أسس النظام السياسي وأدواته، ولم يجر رفع أي مطلب اجتماعي؟

ولهذا نقول إن دسترة الحراك الشعبي ستبقى في حدودها الرمزية الشكلية إذا لم تصحب بإجراءات تفصيلية تحول المطالب إلى أدوات ومؤسسات وأحكام قانونية نافذة.

2- المسودة لم ترق إلى مطامح الشعب في تغيير النظام السياسي المرتبط أساسًا بمسائل جوهرية تتعلق بـ: الشرعية والمؤسسات السياسية والانتخابات والحريات الفردية والجماعية، وآليات الحكم الراشد، وكيفية توزيع وممارسة السلطة، في حين أن النقاش توجه إلى «نظام الحكم» المحكوم بتطورات تاريخية واجتماعية وسياسية، وهو خلاصة تحولات مجتمعية عميقة، أما المطالب التي نادى بها الحراك فهي سياسية بالدرجة الأولى، وتتوجه لتغيير النظام السياسي بمرتكزاته وقيمه ومؤسساته، التي أضحت عديمة الفعالية.

3- لقد تعهد الرئيس بإجراء تعديلات تمس «نظام الحكم» وتغير جوهره وآلياته، كما صرح بذلك في العديد من المحطات واللقاءات التلفزيونية، وهو ما لا ترقى إليه هذه المسودة بتصريح أعضائها أنفسهم، كما في الصفحة 6 الفقرة 4، عندما أشارت اللجنة إلى النقاش الذي دار حول بعض المقترحات التي تحد من صلاحيات رئيس الجمهورية: «وقد خلصت اللجنة بعد هذا النقاش إلى أن اعتماد مثل هذه القيود سيؤدي إلى تغيير طبيعة النظام السياسي، وهو ما يخرج عن محاور رسالة التكليف». وورد في الصفحة 6 من الفقرة 7 في عرض الأسباب: «وقد اتفق الأعضاء على ضرورة اعتماد نظام شبه رئاسي يبقي على الشكل الحالي للحكم لضمان وحدة السلطة التنفيذية وتجانسها وترشيد نشاطها، وتحرير رئيس الجمهورية من الأعباء المرتبطة بالتسيير الحكومي».  وهنا نساءل: أين هي مطالب الحراك المحتفى به في هذه الديباجة؟

4- أسقطت لجنة إعداد مسودة الدستور مبدأً أساسيًّا في حصر وتنظيم وتوزيع السلطات في الأنظمة الجمهورية وهو: مبدأ السلطات الثلاثة الذي يرتبط بقاعدتين أساسيتين في الحكم وهما:

أ‌- مبدأ الفصل بين السلطات: أي الاستقلالية التامة للسلطة القضائية، والفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، إما فصلًا جامدًا وإما مرنًا.

ب‌- مبدأ السلطة توقف السلطة: وهنا يجري التركيز على صلاحيات كل سلطة، والتي تتيح لها ممارسة دورها الرقابي على باقي السلطات، حفاظًا على التوازن داخل نظام الحكم، وتجنبًا لأي مظهر من مظاهر التسلط والانفراد بالسلطة، أو سوء استغلالها في غير المصلحة الوطنية.

ونلاحظ أن اللجنة أسقطت هذا التقسيم الذي وضعه صاحب كتاب «روح القوانين» مونتيسكو Montesquieu في القرن الثامن عشر الميلادي، والذي درجت عليه كافة الأنظمة السياسية الحديثة وأثبت نجاعته في تطوير وفعالية أداء مؤسسات الدولة، في حين أن اللجنة لم تقدم أي تبرير علمي يكتسي جانبًا من الموضوعية والأهمية لإسقاطها هذا التقسيم – الذي لم يعرف تطبيقًا سليمًا في الجزائر- وتبنيها توجهًا جديدًا في بناء السلطة وتوزيعها، ومصطلحات جديدة كعبارة «عدالة أكثر استقلالية» بدل السلطة القضائية، وهي عبارة لا ترتكز على أساس علمي وتتضمن إقرارًا ضمنيًّا بنسبية مبدأ استقلالية العدالة، الذي يجب ألا يكون محلًّا للمنازعة من السلطة التنفيذية والتشريعية.

ولعل اللجنة فضلت هذا التوجه الذي يقسم السلطة على أساس وظيفي وليس مؤسساتي، لتجد نفسها في أريحية من النقاش الدائر حول استقلالية السلطة القضائية، وتداخل صلاحيات الرئيس معها.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد