إن الانفتاح على العالم واستيراد التكنولوجيا، وعصرنة القطاعات أمر لا بد منه يقتضيه زمن السرعة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلا أن هذا التحول يعتبر قاصرًا إن لم يُسبق بإصلاح في الأنظمة التربوية العربية والتي تحتمها الظروف والوقائع والتحديات، وذلك لمحاربة كل قنوات الإرهاب والتطرف الفكري والفساد الأخلاقي والتي قد تكون ضريبة الخَوَاء الروحي والعمى الفكري، كما أن عالم اليوم صار ينزع لاستعمال التكنولوجيا والتطبيقات الرقمية في تسيير شؤونه، وبدأ الاستغناء شيئًا فشيئًا عن اليد العاملة التقليدية، فزاد ذلك من صعوبة مأمورية قطاع التربية التي أضحت ملزمة بتكوين عالٍ ومحترف في عالم لا يعترف بأصحاب المهارات القاعدية أو المتوسطة.

حدد القانون التوجيهي للتربية المؤرخ في: 23 يناير (كانون الثاني) 2008 (وزارة التربية الوطنية الجزائرية) المبادئ التي تُبنى عليها المناهج المدرسية:

1. المستوى القيمي (أكسيولوجي).

2. المستوى الإبستيمولوجي: المعارف المهيكلة للمادة.

3. المستوى المنهجي.

4. المستوى البيداغوجي.

التيار البنيوي الاجتماعي.

المقاربة بالكفاءات.

مجال التحكم في تكنولوجيات الإعلام والاتصال (TICE).

وعند قراءتنا لهذه المبادئ بالتفصيل يتمظهر المشكل جليًا، وينجلي عمق الأزمة التربوية، ليس لسوء في القانون التوجيهي للتربية، بالعكس تمامًا، فطرحه القوي وشموليته وانسجامه مدعاة للفخر، إلا أن الإشكال الحقيقي والمركزي في المنطلقات التي يجب أن يبدأ منها الإصلاح.

فإذا كان المستوى الرابع من المبادئ التي تُبنى عليها المناهج (المستوى البيداغوجي) يستند على التيار البنيوي الاجتماعي «تضع البنيوية الاجتماعية في صدارة الاستراتيجيات التي تُمَكن المتعلمين من بناء معارفهم، ويناقشون مساهماتهم داخل مجموعات الأقران، وبذلك فهم ينتجون بالاشتراك حالات من الواقع المدرك»[1]، فتعليم اليوم يقوم على مسار تشاركي تعاوني جماعي قوامه الحوار والتساؤل النقدي والبحث عن الحقائق، ولا يَتَأَتَى هذا إلا في إطار تحفيزي يفتح شراهة الفكر، ويغري التأمل ويغذي البديهة، ويكسر أسطورة الذكاء الفطري، فترتبط المعرفة بإشكالات حقيقية يتطلب حلها أن تتحول لسلوك واقعي، وهذا ما يُسمى بالمقاربة بالكفاءات.

فاعتماد هذه المقاربة ضرورة حتمية حَتَمها السياق الفكري والذهني في عالم يدعو للتشارك والحرية والديمقراطية والحوار، فانتقلنا من مفهوم البرنامج لمفهوم المنهاج، من مفهوم سلطة المعلم لسلطة المعرفة وحدها، ومن مفهوم التلقين والحفظ، لمفهوم التساؤل والتأمل وحل المشكلات، من مفهوم فردية التعلم لمفهوم التشارك وعمل المجموعات، ومن مفهوم تحقيق الهدف الواحد لمفهوم الكفاءة المستهدفة والكفاءات العرضية وتنمية الشخصية وتحضيرها لسوق الشغل، ومع كل هذه المفاهيم المتماسكة والمنسجمة التي نجدها في المقاربة بالكفاءات والتي تكاد تكون أفلاطونيات إذا لم نجد حلًا للمشاكل الحقيقية على أرض الواقع، ومن أهم المشاكل المحورية:

· عدم إيجاد الحلول لكثير من الإشكالات المتعلقة بالثقافة المجتمعية السائدة (لا نقصد بالثقافة هنا الوعي أو المعرفة، بل القيم والاتجاهات والتفكير الجمعي).

· عدم القدرة على إعادة بعث المفاهيم، وتخطي الموروث الثقافي الذي يجعل من الأستاذ صاحب المعرفة.

· مشكلة الاكتظاظ، وعدد التلاميذ غير الملائم في الصف الدراسي.

· نقص الوسائل المساعدة والمحفزة لكل أنماط التفكير (الحسي – السمعي – البصري).

· انعدام التكوين الجاد والقوي والدائم للأساتذة وكل أعضاء الفريق التربوي والإداري.

وعندما نقف عند هذه الإشكالات الحقيقية، ونطرح على منظومتنا الأسئلة المحرجة والعميقة، ونطرح ساعتها المنطقي والبديهي: من أين يبدأ الإصلاح، المناهج أم المعلم أو كلاهما معًا؟ وبعدها نطبق المفهوم التقليدي «فهم السؤال نصف الجواب» إن لم نقل هو الجواب كله، فساعتها نكتشف الواقع وتنجلي الحقيقة، لنفهم أننا لم نخطئ في الإصلاح وإنما في المنطلق، ونكتشف أننا لم نحترم المراحل المنطقية لتحقيق النتائج المرجوة.

فإصلاح المنهاج مع تكوين ضعيف لمستخدمي القطاع وخاصة الأستاذ يعتبر هدرًا حقيقيًا للوقت والجهد والمال، ونكون بذلك قد ظلمنا أنفسنا والمنظومة ككل، وفي هذا السياق نحتاج لصياغة أدلة تكوينية موحدة، تعالج القضايا
التربوية الحالية، وتعمل على صناعة الاحتراف وتحضير البيئة الملائمة لنجاح أي إصلاح أو عصرنة في القطاع.


[1] اللجنة الوطنية للمناهج: الدليل المنهجي لإعداد المناهج،ص23، مارس 2009، ط 2016،الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، الجزائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد