الجزائريون وكراهية الانتقام

في الآونة الأخيرة لاحظتُ بعض الحوارات القصيرة لبعض أفراد النخبة الجزائرية، التي بدت أكثر ذكاءً من النخبة المصرية في عدم تسمية نفسها، فلم تكن سهلة المنال، بل ظهرت أكثر ثِقلًا ودهاءً في عدم الإفصاح عن توجهاتها السياسية والأيديولوجية، فإنها لا تبغي هذا الانقسام المؤدي إلى التشرذم في نهاية الأمر، فقد أوضح المثقفون الجزائريون ألوانًا فكرية متعددة ومختلفة، بدون كلمات ومناقشات سفسطائية، لا طائل من ورائها سوى ضياع الأوقات، فهم يختلفون في اتحاد وترابط لا انفكاك فيه.

ولقد شعرت في خضم تلك الصراعات السياسية بين الدول العربية والثورة الجزائرية بالحزن الشديد على مصر، رغم حبي الكبير للجزائر، بالإضافة إلى أنني لمحت في حديث معظم النخب الجزائرية أشكالًا من اللوم والعتاب الذي يتناول على ألسنتهم بصورة مهذبة وغير مباشرة لنخب الثورة والثوار المصريين، وذلك لكوننا لم نكن حريصين بما يكفي لكي نحافظ على ثورة 25 يناير (كانون الثاني) التي كانت بمثابة بارقة الأمل الوحيدة لتحرير العالم العربي والإسلامي؛ حيث إن الشباب المصري سارع يلهث وراء الإعلام، وذلك بهدف الانتقام، وتكوين اللوحات السوداء، لكن النخبة الجزائرية لا تعرف حقيقة مدى القهر في قلوبنا، بل إنهم لا يعلمون كم الليالي المظلمة التي تمر على أشرف من هم في بلادنا!

لقد أخطأت النخب المصرية بلا شك، وانجرفت إلى الأحاديث الإعلامية، فقد قالت كلمات كثيرة، ولم تطبق مشروعًا ثوريًّا واحدًا، لكن هذا النهج الساذج لم يكن إلا نتيجة لسنوات من القمع والتخلف أصابت المصريين في مقتل.

إن قرون الاستبداد الطويلة صنعت جيلًا من النخب المصرية، مثل الأصنام الجميلة الشكل والمظهر، لكنها خالية من الروح والجوهر، إنها الثقافة السطحية، والنهج المادي الخالي من المضمون.

لقد كان نتيجة ذلك النهج أن صعد بعض الشباب المتعطش للمادة والشهرة، فلم يكن ثوريًّا بقدر ما كان رأسماليًّا، كان هذا غصبًا له وإجبارًا؛ نتيجة لأنظمة شمولية استقصائية، ولهذا فقد سارع إلى تحضير الجداول السوداء لينتقم لنفسه ولأجداده من كل من تسبب في قهره، وسفك دم آبائه، سواء عن قصد أو عن غير قصد.

لا تظلموا ثوار يناير، لقد تحملوا أكثر مما يطيقون، لقد شعر المصريون بالانكسار عندما رأوا بأعينهم احتقار فئة من إخوانهم، فقد قال أحدهم في الخليج العربي: مَنْ هؤلاء الحفاة والفلاحين؟!

لقد احتكر الفرنسيون المصريين في حفر قناة السويس، حيث كانوا يستأجرونهم بالسخرة، وتم حشد الآلاف من المصريين في عمليات الحفر، وقتل منهم أكثر من 120 ألف عامل؛ وذلك نتيجة حتمية للعطش والجوع والأمراض، وأيضًا المعاملة السيئة.

لقد حصل «ديليسبس» على امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عامًا، ولقد استغرق بناء القناة 10 سنوات، ذاق خلالها العمال المصريون المرار والحسرة.

كانت فرنسا في نهاية الأمر دولة غربية محتلة لا تتحدث لغتنا، ولا تشاركنا الحدود والحضارة، أما الجزائر فإنها الشقيقة الأصيلة في وقت السلم والحرب، وأثق أن هذا من قبيل اللوم لنا لا أكثر، إنهم ليسوا محتكرين أو محتقرين (بالقاف)، بل هذا ليس إلا مجرد عتاب.

ربما صدقت بعض النخب الجزائرية في رؤيتهم لما صنعه الثوار من الغل، والغل المقابل، نتيجة لتلك الجداول السوداء، لكنهم لا يعلمون أن هذا لم يكن من فراغ، فقد تم إفقارنا وإذلالنا على مدى سنين طويلة، لم نذق خلالها طعم الكرامة، لقد تم بيع كثير من أراضي الدولة، ومجموعة من المؤسسات العامة والبنوك، بالإضافة إلى خصخصة الشركات، وشواطئ البحرين؛ الأحمر، والمتوسط، لقد استكثر المستبدون الماء والهواء على العامة من المصريين، وكان مجمع التحرير آخر المؤسسات العامة التي شهدت عشوائية الخصخصة الشرسة، وفجأة سطعت شمس الحرية يوم 25 يناير ليتحرك الشعب بكامل قوته ضد المستبدين، إن شباب الثورة لم يتفوه بقول «يسقط حكم العسكر» إلا بعد أعوام من القهر والإذلال العسكري، ولقد لاحظ السفير «معصوم مرزوق» – فك الله أسره -! خطورة وقع تلك الكلمات على آذان ضباط الجيش، وكان يحذر كثيرًا من الانشقاق الذي حدث نتيجة لها، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الجملة لا تعني الجيش بأفراده وشبابه، بقدر ما تعني من يحتكر إدارة الجيش، إنهم هؤلاء الظالمين الطغاة، الذين يحتقرون الشعب ويحتكرون السلطة.

شكرًا للنخبة الجزائرية التي لامتنا فعلّمتنا، والتي أبكتنا فطهرتنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

تاريخ الاحتجاجات في الجزائر قبل حراك 2019
شارك 1
منذ أسبوعين
الربيع العربي
حراك الجزائر.. إلى أين؟
شارك 42
منذ أسبوعين
الربيع العربي
قبل الحراك وبعده.. كنا وأصبحنا!
شارك 60
الربيع العربي
منذ 3 شهور
حتى لا تفشل «ثورة الجزائر»
شارك 73
الربيع العربي
منذ 4 شهور