أن تفكر يعني أنك ستفشل، أن تنتقد يعني أنك خائن أو حسود، أن تجدّد يعني أنك متمرد عن القطيع، أن تشك يعني أنك عميل، أن تبحث في التراث الديني يعني أنك ملحد، أن تدافع عن القضية الإسلامية يعني أنك متشدد داعشي، أن تحلم فهذا هراء، أن تدافع عن قضايا المرأة فأنت ديُّوث ورخيص، أن تحاول البحث عن حقائق بلدك فأنت أياد خارجية، أن تحاول الغوص في أعماق الحقائق سيلتهمك الحوت، أن تحاول التغيير.

كفى؛ لن تستطيع فعل شيء، على ممر تاريخ الجزائر الحبيبة، ضمَّت بين أحضانها نخب عالمية لا يستهان بها في جميع المجلات، نخب في مجالات الدينية والسياسية، والفكرية، ومن شتى بحور العلوم، وما زالت تضم نخب فكرية إصلاحية تائهة بين الغياب والتغييب، أو تائهة في أرجاء العالم يستفيد منها آخرون في ظل مأساة هجرة الأدمغة!

تنزع من النخب المثقفة الجزائري (intelligentsia) منها كل الصلاحيات، والمسؤوليات والإمكانيات المادية التي تمكّنها من القيام بمهامها، وتخوض ضدها حروب من قبل الأنظمة ومن قبل مجتمعاتها التي تحطمها. لماذا لم تعتمد مؤسسة مالك بن نبي مثلًا ونفس الشيء بالنسبة لمؤسسة مولود بلقاسم نايت بلقاسم؟ فبماذا يهدد هذان المفكران الجزائريين؟ وهما كانوا سبيل الدفاع عن الأفكار والثقافة والمعارف في الجزائر؟
وللنخبة اليوم سلبيتها؛ لأنها وقعت في الذاتية، وراحت تبحث عن الخبز والملذات، بدل إثبات ذاتها ووجودها بالمعنى الحضاري المتكامل.

النخب المثقفة ( intelligentsia ) في الجزائر على الرغم من تعددها، لم تأخذ حظها ولا مكانتها، وهي أيضًا تتحمل لجزء من المسؤولية؛ لأنها قزمت نفسها، وانسحبت من الميدان، في الوقت الذي كان من المفروض أن تزاحم، وتفرض نفسها في المشهد الثقافي والسياسي. فعند النظر إلى الملتقيات الفكرية والثقافية الكثيرة، نتفاءل بعودة المثقفين، لكن سرعان ما تعود النخبة إلى غيابها عن الحركية الثقافية في سائر الأيام، فلا اتحاد الكتاب الجزائريين، ولا اتحاد المؤرخين، ولا اتحاد التشكيليين أو الفنانين الجزائريين وغيرها من الاتحادات، تلعب دورها المنوط بها وتحسين العلاقات فيما بينها، لأن المثقفين هم من يصنعون دور النخبة في الجزائر.

لقد ساهم هؤلاء في الدور السلبي الذي تظهر عليه النخبة اليوم، فالبعض يرون انتماءهم الحزبي والسياسي أقوى من انتمائهم الثقافي؛ لأن الأول يرفعهم درجات على السلم السياسي والمالي، بينما الثاني لا يعطيهم الشيء، لذا لابد من إعادة النظر في النخبة لكي تعود لتأخذ مقامها وتستعيد مكانتها وتفرض وجودها، وذلك لا يعطى، وإنما يؤخذ بالحكمة والقوة، فالمثقف هو من يفرض نفسه بفكره وأعماله وآرائه.

ومشكلة النخبة، كبيرة وتعيدنا إلى الجامعة، وتفرض علينا أسئلة كثيرة، منها: هل لا زالت الجامعة تخرج النخبة أو تحمل بداخلها النخبة العلمية المثقفة؟ وأين هي النخب الجامعية؟ فنحن لم نعد نؤسس للنخبة، والمثقف يتحمل مسؤولية عدم تأسيس مكانة له وللدور الذي يجب أن يلعبه داخل المجتمع، لتكون كلمته مسموعة ودوره معتبرًا واتجاهه محسوبًا، لذا على الفئة المثقفة أن تلملم شتاتها وأمورها وتبحث عن وجودها في خضم ما يجري على كل المستويات، فالمجتمع في حاجة إلى من يوجهه، والفرصة ما زالت متوفرة، لأن الجزائر مستمرة في طريق الإصلاحات، وعلى المثقف الحقيقي استغلال ذلك والبدء بالإصلاح داخل صفوف النخبة، لإبرازها، حتى تستعيد مكانتها في توجيه المجتمع، مثلما كانت في الماضي، حيث كان المثقف مرهوب الجانب وتخشاه الطبقة السياسية، التي كانت تقترب منه أو تتعمد تهميشه. فعلى النخبة اليوم أن تحرّر نفسها من الذاتية والأنانية حتى لا تبقى لعبة في يد السياسيين الذين يلعبون كل الأدوار.

من هو المثقف؟

كثيرًا ما يتم الخلط عربيًا في تعريف وتحديد من هو المثقف لدرجة من التسطيح والسذاجة، التي تعكس مدى الأزمة التي تعيشها منظومة الثقافة العربية، باعتبار أن الثقافة هي نتاج للمجتمع وليس المجتمع نتاجا لها، بحسب كارل ماركس، ومن ثم كيف لمجتمع غارق في أزمات لا حصر لها، أن ينتج توصيفات وتعريفات دقيقة للأشياء والمعاني؟

ظن الناس، على أن المثقف هو الشخص الذي يمتلك ذاكرة قوية في الحفظ والتكرار لكل ما يقرأ ويسمع، هذا عدا عن تلك الصورة النمطية بعد ذلك، التي غدت مرسومة في أذهان كثيرين ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين لما وصلوا إليه من مكانة وظيفية بحكم ما تحصلوا عليه من شهادات علمية، لا تجعل من حاملها مثقفا بالضرورة، بقدر ما تجعله مصابًا بمرض التَعالُم، كما أسماه مالك بن نبي.

على أنه من المفارقات الغريبة، أن التراث العربي مليء بصور يمكن اقتباسها بوصفها صورًا للمثقف العربي الطليعي وفقًا للمفهوم الذي وضعه نعوم تشومسكي للمثقف باعتباره عدوًا للسلطة، ومعارضا لها، وهي ما تكاد تقترب منها توصيفات إدوارد سعيد للمثقف بأنه ليس صديقًا للسلطة، ومن مفارقتها أيضا هو اتساق مثل هذه التعريفات، مع مقولة جوزيف غوبلز – وزير الدعاية النازية – الشهيرة كلما سمعت كلمة المثقف تحسست مسدسي.

هذا المثقف ليس محبوبًا أيضًا حتى من قبل بعض الشرائح الأصولية في الشعب الجزائري، لذلك يجد ضغوطات من محيطه ومن أبناء بلده أكثر مما يتواجه مع الحكومة، والأمثلة عديدة كمالك بن نبي ومولود فرعون، أحلام مستغانمي، مفدي زكرياء، مصالي الحاج إبان الاستعمار، وكثيرون يعجز قلمي عن كتابتهم كلهم لكثرتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

النخبة الجزائرية بين الغياب و التغيــــيب
ازمة المثقف العربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد