من طبيعة السياسة أنها لا تُورَّث فيها الأشياء، فالشيء الوحيد الثابت في علم السياسة هو التغيير المستمر، وينطبق هذا الكلام على كامل السياسات العامة التي تضعها الدولة وخاصةً السياسة الخارجية منها، فإذا كان تطبيق السياسة في الداخل عن طريق التوريث؛ إما التوريث في المبادئ الأساسية التي يقوم عليها صنع القرار أو حتى التوريث في طريقة تطبيقه، قد يعرقل تطور الدول، فما بالك بتوريث السياسة الخارجية التي في الأصل هي علاقات مع العالم الخارجي المتكون من عدة دول، ومنظمات تتغير باستمرار في وتيرة جد متسارعة، هنا نكون نحن في ممارستنا لسياسة خارجية قائمةٍ على مبادئ متوارثة من فترة مختلفة تمامًا عما نعيشه حاليًا نحكم على سياستنا الخارجية بالفشل في الوصول للأهداف المسطرة لها.

الجزائر ومنذ أول دساتيرها سنة 1963 وحتى الدستور الحالي وُضعت السياسة الخارجية الجزائرية سواءً في صناعتها أم تطبيقها تحت تصرف السلطة التنفيذية والرئيس حكرًا، ونجد ذلك في اعتبار الدستور الجزائري أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدبلوماسية أيضًا، فدائمًا ما كانت السلطة التنفيذية هي المخولة باتخاذ القرارات وتسيير السياسة الخارجية، وذلك لعدة أسباب أهمها أن السلطة التنفيذية هي من أكثر السلطات استقرارًا، فالخمس سنوات التي تمثل عهد الرئيس كافية أن تحقق الاستقرار المطلوب في العمل الدبلوماسي، كما أنها تملك قنوات تواصل مع الخارج أكثر من غيرها، لكن ارتباط السياسة الخارجية هذا برئيس الجمهورية لا يعني أن السياسة الخارجية الجزائرية ستتغير بتغير كل رئيس، فلسياسة الخارجية الجزائرية مبادئ ورثتها من حرب التحرير الوطنية واستمدتها من بيان أول نوفمبر (تشرين الثاني)، وأيضًا من مبادئ المنظمات الدلية والإقليمية المنتمية لها مثل منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومن أهم المبادئ والثوابت التي تقوم عليها:

-الدعم الدائم لحق الشعوب في تقرير مصيرها.

-ولأن قضية السيادة الوطنية قضية حساسة بالنسبة للجزائر فحرصت هذه الأخيرة على أن يكون مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية مبدأً مترسخًا في سياستها الخارجية.

-التسوية السلمية للنزاعات.

-عدم الانحياز وعدم مشاركة الجيش الجزائري خارج الحدود الجزائرية.

للوهلة الأولى سيشعر القارئ لهذه المبادئ أن من شأنها ان تجعل من الجزائر دولة مستقرة وذات دور الوسيط الساعي لحل التوترات والصراعات السياسة في محيطها الإقليمي دون أن تُقحم نفسها في صراعات أو عداوات من شأنها نقل الخطر الإقليمي الى الداخل الجزائري، لفترةٍ من الزمن كان ذلك صحيحًا؛ فالجزائر وبفضل دبلوماسيتها ساعدت في تحرير العديد من الدول الأفريقية مباشرةً بعد حصولها على الاستقلال سنة 1962، خاصةً دعم الجزائر للحركات التحررية للمستعمرات البرتغالية في أفريقيا (موزمبيق-أنجولا- غينيا بيساو) وغيرها من المستعمرات البريطانية، فالجزائر ومباشرة بعد نيلها استقلالها بدأت في تدريب المقاتلين الأفارقة للدول الخاضعة تحت الاستعمار، بل وتعدى الأمر إلى إقامة معسكرات تدريب داخل المستعمرات البرتغالية لا سيما في موزمبيق وأنجولا، كما قامت الجزائر بفتح مكاتب لحركات التحرر الأفريقية، ورفضت إقامة علاقات دبلوماسية مع البرتغال الى أن تنهي استعمارها للدول الأفريقية، بل وأكدت مرارًا في اجتماعات الأمم المتحدة على حث الدول الأوروبية على وقف مد المساعدات للحكومة البرتغالية، تواصُل ضغط الجزائر ومجموعة من الدول الأفريقية على الأمم المتحدة في قضية الاستعمار البرتغالي، جعل مجلس الأمن يصدر اللائحة رقم 312 الصادرة بتاريخ 4 فبراير (شباط) 1972 والذي جدد فيه دعم مجلس الأمن لأنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو في حقها في تقرير مصيرها والاستقلال، الأمر الذي عزل البرتغال دوليًّا.

الأمر نفسه حدث مع غينيا بيساو التي اعترفت الأمم المتحدة باستقلالها سنة 1973 بعد الدور الفعال الذي لعبته الدبلوماسية الجزائرية من أجل ذلك، أما في القضية الزمبابوية فقد كلفت منظمة الوحدة الأفريقية الجزائر بمسألة الدفاع عن المواقف الأفريقية إزاء القضية الزمبابوية، فصارت الجزائر قِبلة الحركات التحريرية في العالم.

أدركت الجزائر أن الاستقلال السياسي لا يعد استقلالًا؛ إذا لم يُتبع مباشرة باستقلال اقتصادي  وعليه ومنذ حصولها على استقلالها عملت على إيجاد الميكانيزمات الاقتصادية لتنمية القارة الأفريقية وتحريرها اقتصاديًّا، ومن أجل هذا استضافت الجزائر عدة مؤتمرات وندوات اقتصادية لطرح مسألة تحرير أفريقيا من الاستعمار الاقتصادي، كما لعبت الجزائر دورًا أساسيًّا في مجموعة 77 منذ تأسيسها سنة 1964؛ إذ شكلت الجزائر حلفًا مهمته رفع مطالب دول العالم الثالث عامةً، والدول الأفريقية خاصةً للدول المتقدمة، لتستضيف الجزائر مؤتمر مجموعة 77 سنة 1967 مبادرةً منها لتصحيح أسس العلاقات الاقتصادية في العالم.

لم يقتصر نشاط الدبلوماسية الجزائرية على القارة الأفريقية فقط رغم أنها تُعَد المجال الحيوي الأول والأهم للسياسة الخارجية الجزائرية، بل تعدتها لتكون الجزائر وسيطًا في العديد من القضايا العالمية مثل وساطة الجزائر لتحرير الرهائن الأمريكيين في إيران سنة 1981، والتي تعدها الولايات المتحدة الأمريكية «جميلًا لا يُنسى»، والوساطة الجزائرية في النزاع الإريتيري الإثيوبي الذي انتهى باتفاقية الجزائر سنة 2000.

نشاط الدبلوماسية الجزائرية لم يبقَ كسابق عهده منذ دخول الجزائر دوامة العشرية السوداء – الحرب الأهلية الجزائرية – في أواخر القرن العشرين، فدوامة الحرب التي دخلتها الجزائر نهاية الثمانينيات وطيلة تسعينيات القرن العشرين 1989-1999 جعلت الجزائر مرغمة أن تعزل نفسها وتحارب المرتزقة الخارجين عن قانونها وحدها، مما أثر بشكل مباشر على سياستها الخارجية وأحدث شللًا في نشاط بعثاتها الدبلوماسية، وعليه تمت مقاطعة الجزائر دوليًّا، أي مُنعت عنها الزيارات الرسمية لرؤساء الدول والحكومات مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ومُنعت عنها المساعدات من الأسلحة أو الأدوية وغيرها، وعليه كان على الرئيس الذي من شأنه أن يتولى القيادة في هذه المرحلة أن يتحلى بنوع من الكاريزما والشجاعة التي تتماشى والنية التي كانت تبديها الجزائر في العودة للساحة الدولية، وعودة نشاطها الدبلوماسي المعهود، وكان في الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المواصفات التي اكتسبها خلال خبرته في المجال الدبلوماسي عندما كان وزيرًا للخارجية الجزائرية، ونظرًا لحنكته السياسة الكبيرة، وعليه وضع بوتفليقة صوب عينيه منذ أول يومٍ له في المرادية إعادة الاعتبار للجزائر على الساحة الدولية، وبالفعل فقد استرجعت الدبلوماسية الجزائرية جزءًا من بريقها في أول فترتين للرئيس بوتفليقة الذي كان تركيزه أكبر على أفريقيا باعتباره المجال الحيوي للسياسة الخارجية الجزائرية، فقام بإرجاع منصب وزير الشؤون المغاربية الذي ظاهريًّا يعكس الاهتمام الزائد بأفريقيا والمنطقة المغاربية، إلا أنه في الواقع منصب يتضارب ومنصب وزير الخارجية الذي تعد هذه المنطقة من ضمن اهتماماته أيضًا، كما عمل بوتفليقة على التأكيد دائمًا على العمل معًا على مكافحة الإرهاب والعنف والتطرف في العالم وفي القارة الأفريقية خاصةً ومحاولة نشر النموذج الجزائري في مكافحة الإرهاب.

في هذه الأثناء ظهرت جليًّا على السياسية الخارجية الجزائرية الصفة القيادية التي استمدتها من الرئيس الجزائري آنذاك، وهي صفة أخرى تتميز بها السياسية الخارجية الجزائرية أنها ورغم ثبوت مبادئها إلا أن طريقة الأداء السياسي تتلون بلون قائدها، وعليه ونظرًا لمهارة وحنكة الرئيس بوتفليقة فقد رجع سطوع الدبلوماسية الجزائرية في أفريقيا والساحة الدولية عامةً، لكن هذا السطوع لم يدم لينطفئ مرة أخرى في منتصف الفترة الثالثة لبوتفليقة؛ إذ عرفت هذه الفترة مرض الرئيس وإصابته بسكتة دماغية رافقها بداية ثورات الربيع العربي التي كانت انطلاقتها من الجوار الجزائري في تونس، ثم مصر وليبيا، حيث هذه الثورات والتي كانت قريبة جدًّا من الجزائر وشكلت خطرًا حقيقيًّا عليها، وكانت كفيلةً بإظهار تخبط وتقهقر السياسة الخارجية الجزائرية التي كان رد فعلها أمام هذه الأحداث الخطيرة في غاية البرودة بالنسبة لثورات تحدث على الحدود الجزائرية وتصديرها للداخل الجزائري كان أسهل ما يكون.

الأزمة الليبية نموذجًا لتراجع الدبلوماسية الجزائرية

انطلقت أول شرارات الحرب في ليبيا في 17 من فبراير (شباط) 2011، انتقلت بعدها الأحداث من محاولات شعبية لتغيير النظام القائم إلى صراع على السلطة وتشكيل حكومتين مختلفتين تحكمان بلدًا واحدًا، ما جعل من ليبيا دولةً فاشلةً بكل المقاييس، وأدى ذلك بطبيعة الحال إلى انتشار الأسلحة والمقاتلين وجماعات الجريمة المنظمة خاصةً العاملة بالتهريب، والتراخي الأمني على الحدود الليبية بسبب الانفلات الأمني الداخلي.

أبدت الكثير من دول العالم امتعاضها من استعمال العنف ضد المتظاهرين مطالبةً من السلطات الليبية أن تضبط نفسها وتحقن دماء الليبيين وكانت أول الدول العربية قطر البعيدة كل البعد عن ليبيا، بينما كانت ردة فعل الجزائر متأخرة نوعًا ما باعتبارها دولة جارة لليبيا، وكان التصريح عبارة عن تنديد بالوضع وإعلان حالة التأهب القصوى تحسبًا لأي طارئ تسببه أحداث ليبيا، أي أنه لم يعلن عن رفض أو تأييد للأحداث في هذا البلد، وكان الخيار السياسي للدبلوماسية الجزائرية هو الدفع إلى الحلول السلمية والحوارات السياسية بين الفرقاء الليبيين والرفض المطلق والدائم للتدخلات الخارجية في ليبيا، وعليه استطاعت الجزائر عقد عدة اجتماعات على المستوى الأفريقيوالمتوسطي، شارك في بضع هذه الاجتماعات ممثلون عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

انطلقت هذه الخيارات السياسية لمعالجة القضية الليبية انطلاقًا من مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية خاصةً في عدم تدخلها وعدم السماح بأي تدخل أجنبي، لكن تأتي هذه المبادئ في محيط إقليمي شديد الحساسية، وبعيد كل البعد عن المثالية السياسية التي تسير بها الجزائر، ولأن الكعكة الليبية لا يمكن التفريط بها؛ فالدول الأخرى المجاورة لليبيا والواقعة في محيطها الإقليمي اتخذت منحى آخر في التعامل مع القضية الليبية غير الذي اختارته الجزائر، فتدخلت مصر وساندت حفتر وتدخلت تركيا بطلب من الحكومة الشرعية الليبية، وحتى موسكو رأت في ليبيا مكانًا للتموقع وتدخلت هي الأخرى، إضافةً إلى دول أخرى تقليدية كإيطاليا وفرنسا، مما أضعف دور الجزائر وموقعها من القضية الليبية، فأصبح الدور الذي تلعبه هامشيًّا لا يتماشى والتصريحات المتكررة التي يطلقها أصحاب القرار في الجزائر بكونها بوابة أفريقيا والقوة الإقليمية الأفريقية، وأن من يريد دخول أفريقيا عليه أن يمر بالجزائر أولًا، لـتأتي هذه الأزمة وتوضح أنه أصبح كل من يريد أن يدخل أفريقيا يمكنه ذلك وبدون المرور بالجزائر حتى، وذلك بسبب الحروب والصراعات التي تعيشها أفريقيا والتي لعبت فيها الجزائر دورًا ضعيفًا جدًّا، والأزمة الليبية خير مثال، ورغم محاولات السلطة الحاكمة الجديدة في الجزائر إعادة التموضع وإعطاء نفَس جديد للسياسة الخارجية الجزائرية، لكن ما ورثته هذه السلطة من مشكلات عن سابقاتها من سلطات كان أكبر، بينما الأزمة الليبية كانت في آخر منعطفاتها، ويظهر ذلك في مارس (آذار) 2021 عندما تسلمت الحكومة الليبية الجديدة حكم البلاد بعد شهور من وقف إطلاق النار، كانت أولى زيارات عبد الحميد دبيبة رئيس الحكومة الليبية الجديد إلى فرنسا وإيطاليا ومصر وتركيا، أما الجزائر فوزير خارجيتها هو من قام بالزيارة أولًا، وفي العرف الدبلوماسي تعكس الزيارات أهمية الدول لدى الحكومة الجديدة ومن خلال ما قام به رئيس الحكومة الليبي يتضح جيدًا أن الجزائر فقدت كثيرًا من مكانتها في محيطها الإقليمي، ويعود ذلك بالدرجة الأولى الى المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية الجزائرية التي لا تتماشى والتغيرات التي عرفتها الساحة الدولية عامة والعربية–الأفريقية خاصة منذ بداية ثورات الربيع العربي سنة 2011، إذ كان دور الجزائر جد هامشي في هذه المواضيع رغم ما بذلته من جهود من أجل إعادة السلم والأمن في ليبيا، إلا أن الجهد لا يأتي بنتيجة، إذا ما نُفِّذ بطريقة غير صحيحة.

حاول الرئيس الجديد عبد المجيد تبون عبر دستوره الجديد أن يجعل من السياسة الخارجية الجزائرية تتأقلم مع مستجدات الساحة الدولية وذلك من خلال تعديله لمبدأ عدم تدخل الجيش الجزائري في معارك خارج الحدود، وقد حمل التعديل الدستوري الأخير في مادته 91 إمكانية إرسال قوات من الجيش الجزائري إلى خارج الحدود ضمن عمليات حفظ السلام، والذي يشترط حدوثه موافقة ثلثي البرلمان الجزائري بغرفتيه، ورغم أن هذا القرار أثار جدلًا واسعًا في أوساط الخبراء والمختصين، كما هو الحال في الأوساط الشعبيةالجزائرية؛ مخافة أن يتسبب تدخل الجيش الجزائري في انتهاك سيادة الدول، رد الرئيس الجزائري بأن تدخل الجزائر سيكون ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، وأن هذا القرار جاء استنادًا إلى الكثير من التطورات العالمية والإقليمية التي اقتضت أن تغير الجزائر من سياستها الخارجية، ليؤكد هذا القرار أن المبادئ التي مضى عليها أكثر من 50 سنة، والمتوارثة من فترة ما بعد الاستقلال ورغم ما تحمله من إيجابيات لا يمكن استمرار العمل بها في ساحة دولية تُعرف بالديناميكية السريعة وكثرة التغيير.

الصراع في ليبيا ليس الوحيد الذي يمكن من خلاله ملاحظة بداية انطفاء شمعة السياسة الخارجية الجزائرية، هناك أيضًا مشكلة الذاكرة، وفشل الدبلوماسية الجزائرية في إقناع فرنسا الاعتراف بارتكابها جرائم قتل في الجزائر، وذلك لنقص حجج الدبلوماسيين الجزائريين في إقناع المجتمع الدولي بذلك، إضافة إلى أزمات الساحل على رأسهم أزمة مالي التي تعرف تشهد يومًا بعد يوم آخرها الانقلاب العسكري على الحكومة الشرعية، هناك اكتفت الجزائر بالتنديد والاستنكار وعقد الاجتماعات بينما فرنسا بتحركاتها المشبوهة هناك تزيد من الصراع حدَّة، وعليه أصبح إلزاميًّا على السياسة الخارجية الجزائرية في ظل الحكومة الجديدة إعادة النظر في المبادئ المسيرة لها، فممارسات الجزائر الحالية لا تعبر أبدًا عن رغبتها في تبوء منصب القوة الإقليمية الأفريقية، وعلى كل حال، لا يمكن السماح للجزائر بالفشل، يجب على صناع القرار في الجزائر معالجة سياسة الدول الخارجية بشكل لا تمنع انهيارها فحسب، بل تضمن نجاحها في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد