مقدمة

يرى بهجت قرني أن التحديد الدقيق لماهية السياسة الخارجية يمثل نقطة البدء في التحليل، فهل تعني هذه الأخيرة أهدافًا عامة أم أفعالًا محددة أم هي قرارات واختيارات صعبة؟
إضافة إلى أن ما يميز السياسة الخارجية هو تعدد محدداتها والجهات التي تصنع قراراتها وترسم توجهاتها، وأكثر من ذلك فهي توجه نحو بيئة ثابتة فيها هو التغير المستمر.
هذا وقد قدم حامد ربيع تعريفًا آخر للساسة الخارجية، يراعي فيه مسألة المجال الذي تختص به السياسة الخارجية، حيث يرى بأنها جميع صور النشاط حتى ولو لم تصدر عن الدولة كحقيقة نظامية، إن نشاط الجماعة كوجود حضاري أو التعبرات الذاتية كصور فردية للحركة الخارجية تنطوي وتندرج تحت هذا الباب الواسع الذي يطلق عليه اسم السياسة الخارجية.

 إن السياسة الخارجية هي صيانة وصناعة مجموعة سلوكيات للدولة تجاه عالمها الخارجي
بناءا على تحديد ووصف مسبق ودقيق لمجموعة من الأهداف والأولويات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على فاعلية السياسة الخارجية وتعمل على توجيهها.

إن الجزائر كدولة سعت منذ استقلالها إلى تبني سياسة خارجية تتسم بالاعتدال والوسطية عبر دبلوماسية تحكمها المبادئ(1)والأهداف الواردة في مختلف المواثيق والدساتير الوطنية الجزائرية والتي تعد في مجملها امتدادًا لمبادئ ثورتها التحريرية(2)للعام 1954. أين تمكنت من خلالها أن تحقق لصالحها ولصالح البلدان النامية بشكل خاص حصيلة معتبرة من الإنجازات في شتى المجالات السياسية منها والاقتصادية وحتى الثقافية(3)بحسب الظروف والمعطيات التي تفرضها في كل مرة البيئتين الداخلية والدولية عليها كدولة، وتكون بذلك بمثابة عوامل أو محددات في توجيه سياستها الخارجية؛ مما لا شك فيه أن السياسة الخارجية للدولة انطلاقًا من تعبيرها عن سلوكها الخارجي تتأثر بالحالة أو الوضعية التي هي عليها البيئة الدولية أو النسق الدولي، الذي تتفاعل فيه الدولة مع غيرها من الدول وتتحدد الصورة التاريخية لهذا النسق الدولي تبعًا لعنصرين أساسيين: بنية النسق وذلك من حيث عدد أعضائه وعدد قواه القطبية، ونمط التفاعلات السائدة في إطار هذا النسق والتي تتمثل في القواعد السلوكية التي تحكم العلاقات بين أعضائه.  أضف إلى ذلك المتطلبات التي تفرضها ظروف البيئة الدولية ومتغيراتها المتواصلة عبر المراحل الزمنية المتعاقبة، والجزائر دولة ليست بمعزل عن المتطلبات التي تفرضها عليها هذه البيئة، والتي تشكل محددًا من محددات سياستها الخارجية ضمن علاقة ثنائية ومتبادلة التفاعل ترتكز على عنصري التأثير والتأثر. وبالتالي كان لزامًا عليها إرساء محاولات مناسبة للتماشي مع هذه المتطلبات وفقًا لما تقتضيها مصالحها وأهدافها في هذا المجال.

كما استوعبت الجزائر في إطار هذا الصراع وانقسام العالم إلى معسكرين متصارعين دون دخولهما في مواجهة شاملة بسبب موازنة الرعب والفناء، أهمية تكتل دول العالم الثالث وضرورة تحركها المنسق المتضامن. فقامت لهذا الغرض بعملية تنقيح جاد لأجواء الجوار بإنعاش التعاون في جميع المجالات مع البلدان المحيطة بها.(4)

بعد أن مرت بمحنة كبيرة طوال سنوات التسعينات من القرن الماضي، وغيابها عن الساحتين الدولية والإقليمية عرفت الجزائر متغيرات داخلية وخارجية كثيرة ساهمت في تجاوزها بشكل مستمر  لمحنة الإرهاب الوحشي الذي عرفته طوال العشرية السوداء ولهذا الغياب. وموقف العالم منها أصبح في تحسن مستمر بحيث كان طول صمودها أمام العنف الذي أخذ يكتسح المعمورة، جعل باقي الدول تدرك أن الظاهرة ليست خاصة بالجزائر، ولا هي نتيجة نظامها المؤسساتي، بل أنها ظاهرة عالمية تتقمص مبادئ دينية هنا وأيديولوجية هناك، لضرب استقرار الأنظمة القائمة والاستحواذ على الساحة الدولية. من أجل بلوغ أغراض أرضية ومصالح مغرضة لأطراف انشغالهم الوحيد تحقيق المنفعة الآنية.( 5)

فعلى الصعيد القاري مثلًا عادت الجزائر بقوة في أواخر التسعينات، لاسيما مع تنظيمها لقمة منظمة الوحدة الأفريقية في يويليو (تموز) 1999، والتي كانت تمهيدًا لهجموها الدبلوماسي في القارة بقصد إعادة التأكيد على دورها القيادي قاريًا، وقد تجسدت الأهمية التي أولتها الجزائر لسياستها الأفريقية في استحداث ولأول مرة منذ الاستقلال منصبًا وزاريًا للشؤون الأفريقية. 

وقاريًا دائمًا تمكنت الجزائر من إحراز انتصار جديد في مجال وقوفها مع القضايا العادلة في العالم، لاسيما تلك التي لها صلة بالقارة الأفريقية، ومن مثل ذلك نجاحها في إقناع العديد من الدول بالاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وبالأخص الاعتراف الذي صدر من طرف جنوب أفريقيا في سبتمبر (أيلول) 2005، هذا الأخير الذي يأتي في سياق تعميق العلاقات بين الجزائر وجنوب أفريقيا. وعملهما سويًا كفاعلين أساسين في مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية أفريقيا، (النيباد)( 6)وفي تمثيل أفريقيا لدى مجموعة الدول الثماني. وعلى صعيد آخر كان للجزائر علاقة بالحوار الأطلسي – المتوسطي، شكل الاتفاق الأمني بين الجزائر والحلف نقلة نوعية في علاقات الجزائر بهذا الحلف، وكانت هذه العلاقات قد بلغت أعلى مستوياتها في الفترة التي تلت أحداث الحادي من سبتمبر 2001. حيث زار الرئيس بوتفليقة مقر الحلف في بروكسل مرتين في ظرف سنة في20 ديسمبر (كانون الأول) 2001، و10 ديسمبر 2002. وعليه فإن الاتفاق الأمني يعد تتويجًا لتحسن العلاقات الجزائرية – الأمريكية والجزائرية – الأطلسية التي تطورت منذ بداية الألفية الثالثة.([ 7])

   وإلى جانب التحديات التي تفرضها البيئة الداخلية على الأداء السياسي الخارجي للجزائر، فهناك تحديات أخرى تفرضها البيئة الخارجية لها، لاسيما ما تعلق منها بالجانب الأمني، لاسيما بعد التطورات الأخيرة التي عرفتها المنطقة العربية بشكل خاص، والتي تم التشهير لها تحت مسمى الثورات العربية، أو الربيع العربي(8)وكذا التطورات الخطيرة التي شهدتها منطقة الساحل الأفريقي والأزمة الليبية، والتي جسدتها بشكل كبير أزمة المالي الحالية وبالأخص بعد التدخل الأجنبي لحلها والتدخل الفرنسي منه بشكل خاص.

الخلاصة

شهدت الجزائر العديد من الظروف والمتغيرات الداخلية التي ساهمت بشكل أو بآخر في التأثير على دورها ومكانتها الإقليمية والدولية، كتلك الظروف التي اقترنت بالأزمة الداخلية التي ألمت بها سنوات التسعينات بفعل ظاهرة العنف والإرهاب؛ فتدهورت سمعتها بالخارج، وأصبح ينظر إليها على أنها بلد الأمن والإرهاب.

وعلى الرغم من دعواتها المستمرة في مختلف المحافل الدولية إلى أن ما يحدث بداخلها لا يمكن استبعاد وقوعه في منطقة أخرى من هذا العالم، وأنه على المجتمع الدولي أن يتفطن لذلك ويساهم في مكافحته، إلا أن كل دعواتها لم تلق الرد الإيجابي عليها حتى بدأ ظهور بوادر الانفراج بالتدريج مع مطلع الألفية الثالثة؛ حيث شهد العالم العديد من المتغيرات والأحداث التي غيرت الكثير من الرؤى تجاه عديد القضايا والظواهر، وبشكل خاص ما تعلق منها بظاهرة الإرهاب، وهذا بعد هجومات الحادي عشر من سبتمبر 2001، فأصبح ينظر إلى الظاهرة على أنها لا تشكل فقط تهديدًا للأمن الداخلي للدول، بل على الأمن الدولي بأكمله.

فاكتسبت الجزائر بذلك اعترافًا دوليًا بأحقية ما كانت تدعو إليه في السابق، وأصبحت تستشار ويؤخذ برأيها في هذا المجال على اعتبارها رائدة فيه؛ مما أتاح لها الفرصة للبروز والمرافعة في مجالات وقضايا عديدة أخرى، خصوصًا وأن ذلك تزامن مع متغيرات داخلية جديدة اقترنت بشكل كبير بتقلد رئاسة جديدة للسلطة عام 1999 تمثلت أساسًا في شخص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي جسد الدور الوظيفي لشخصية القائد السياسي المؤثرة والبارزة، وهذا بحكم خبرته الواسعة وإدراكه للشؤون الجزائرية، حيث حاول هذا الأخير تحقيق ثلاثة طموحات أو أهداف أساسية تمثلت في استعادة السلم والأمن الداخلي، عبر تبني مشاريع للوئام والمصالحة الوطنية، وتحقيق تنمية شاملة في شتى المجالات، عبر إقرار برامج ومشاريع تنموية مختلفة، بالإضافة إلى إعادة الاعتبار للدور الريادي ومكانة الجزائر في العالم، وهذا بالسعي إلى تحسين صورتها الخارجية.

وطيلة أكثر من عشرية كاملة أعيد خلالها انتخاب عبد العزيز بوتفليقة لثلاث عهد رئاسية متوالية، كان السعي وراء تحقيق هذه الأهداف يتم بشكل تدريجي بحيث تمكنت الجزائر طيلة هذه الفترة من استعادة نسبية لأمنها واستقرارها الداخلي؛ مما أسهم هو الآخر في تفعيل حراكها الخارجي. بحيث حققت سياستها الخارجية عبر دبلوماسيتها النشطة مجموعة من الإنجازات الهامة التي تضاف إلى سجل إنجازاتها التاريخية السابقة، لاسيما على المستوى القاري، وبحكم أنها دولة تتوفر على إمكانات ومقدرات كبيرة، وبالأخص الطبيعية منها كموارد الطاقة والنفط تحديدًا، وبحكم أيضًا أن هذه الموارد تشكل عاملًا داخليًا أساسيًا في التأثير على السياسات الخارجية للدول. فقد كان للارتفاعات المستمرة لأسعار النفط في الأسواق العالمية خلال نفس الفترة، دورًا كبيرًا في انتعاش حركية الجزائر الداخلية وحتى الخارجية على اعتبارها دولة ريعية؛ تعتمد منذ استقلالها في تمويل سياساتها التنموية المختلفة على عائدات صادراتها من هذه الموارد. وهذا في ظل استمرار بعض المعوقات الداخلية وحتى الخارجية التي تشكل تحديًا ورهانًا كبيرًا على توجيه السياسة الخارجية الجزائرية وتفرض بذلك أخذها بعين الاعتبار. ضمانًا لمواجهتها بما يتلاءم وطبيعتها، وكذا درجة تأثيرها على الأداء السياسي الخارجي للجزائر بشكل خاص. وبالتالي فإن أهم ما تخلص إليه من نتائج هو:

أن السياسة الخارجية الجزائرية، على غرار أي سياسة خارجية لدولة أخرى، لم تكن بمعزل عن التأثر بمختلف المتغيرات والأحداث، التي كانت تفرضها عليها بيئتها الداخلية طوال مراحلها التاريخية التطورية كدولة، وهذه المتغيرات تجسدت في شكل مححدات داخلية أساسية، طبعتها بشكل كبير، قيم المجتمع الجزائري وتماسكه الفريد في كل الظروف.

بالإضافة إلى إدراك واضع القرار السياسي الخارجي للجزائر لمدى أهمية هذه القيم وأهمية هذا التماسك الداخلي. الذي يشكل محددًا أساسيًا في الأداء الخارجي للجزائر بشكل عام،  ومحددًا أساسيًا في هذا المجال عبر شخصيته وإدراكه المتميزين لمختلف الشؤون الداخلية والخارجية للجزائر.

ناهيك عن مساهمة البيئة الدولية بمتغيراتها المختلفة التي شكلت في كثير من الأحيان ضمن علاقة تأثير وتأثر متبادلة مع البيئة الداخلية للجزائر، محددات أساسية في ترجمة سلوكها ودورها الخارجي، كالواقع الإيجابي الذي أحدثته أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 على المعطى الأمني الجزائر. وبفضل مقدراتها المكتسبة من موارد الطاقة بشكل خاص، فقد كان للارتفاعات المستمرة لأسعار النفط في الأسواق العالمية مساهمتها المباشرة في تحسن نوعي للوضع الاقتصادي للجزائر، وإعطاؤها بذلك فرصًا كبيرة للمفاوض الجزائري للقيام بأداء خارجي أنسب ومريح على مستويات عدة.

وبالتالي فقد كان هناك نوع من التداخل بين مختلف محددات السياسة الخارجية الجزائرية، ويبقى تحديد مدى درجة تأثير كل من هذه المحددات، ومدى حاجة الجزائر في الاعتماد عليها من أجل مباشرة سلوكها الخارجي في كل مرة متوقفًا على ما ستفرزه المتغيرات المختلفة لكل من البيئتين الداخلية والخارجية للجزائر مستقبلًا، وهذا ما يبعث على ضرورة مواصلة إجراء بحوث ودراسات أخرى مستقبلية أكثر توسعًا وتخصصًا حول هذا الموضوع، يمكن أن تسهم في إعطاء إضافات أكبر وأفضل في توجيه السياسة الخارجية الجزائرية في ظل تنامي الأزمات الاقليمية وبروز تهديدات أمنية جديدة.

—————————-

[1]– انظر الملحق رقم واحد المعد المتعلق بالفصل السابع من دستور الجزائر 1976، والفصل الثالث من دستور 1996، في المواد:26 .27 28 المتعلقين بمبادئ السياسة الخارجية الجزائرية، وهي المبادئ التي تم التأكيد عليها في المواثيق والدساتير الجزائرية الأخرى.

[2]-تحتل الثورة الجزائرية مكانة بارزة في سجل الثورات الكبرى في القرن العشرين، فقد اعتبرت عملية تحول وتفاعل عميقة وضعت حدا لحالة الضياع التي كان يعيشها الجزائريون، وحالت دون التصفية الحضارية التي كان يتعرض لها الشعب الجزائري. مما يجعلها تعبيرًا صادقًا عن إرادة مجموعة وطنية تريد الحياة وإستجابة موفقة للتحدي الاستعماري.(للاطلاع أكثر انظر كتاب: سعيدوني ناصر الدين، الجزائر منطلقات وأفاق:مقاربات للواقع الجزائري من خلال قضايا ومفاهيم تاريخية، الجزائر: عالم المعرفة،الطبعة الثانية،2009، ص325 – 326.

[3] – بن القبي صالح، الدبلوماسية الجزائرية بين الأمس واليوم ومحاضرات أخرى، منشورات ANEP، د. س. ن. ص20.

[ 4]-جعبوب محمد، تأثير المتغير القيادي في السياسة الخارجية، صياغة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لسياسة الجزائر الخارجية خلال الفترة 1999 – 2009، مذكرة ماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية تخصص الدبلوماسية والتعاون الدولي، جامعة الجزائر (3)، 2011، ص229 – 230.

[ 5]-بوعشة محمد، الدبلوماسية الجزائرية وصراع القوى الصغرى في القرن الأفريقي، مرجع سابق، ص 42 – 43.

[ 6]– إن فكرة المبادرة الجديدة من أجل التنمية في أفريقيا النيباد، انبثقت عن حتمية اعتماد الأفارقة على أنفسهم للخروج من التخلف والتهميش، في ظرف يتميز بعولمة مسارات إنتاج السلع والخدمات، وتيارات التبادلات، وحركات رؤوس الأموال… ويرى التصور الذي دعت إليه النيباد في التنمية مسارًا شاملًا يدمج كليًا متطلبات الديمقراطية ودولة القانون والحكامة. من نص: رسالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى قمة اللجنة المكلفة بتوجيه النيباد (ملابو،غينيا الاستوائية الأربعاء 29 يونيو 2011،مديرية الصحافة والاتصال، رئاسة الجمهورية، الجزائر، مارس2012. ص77 – 78.

[ 7]–السياسة الخارجية الجزائرية، عنوان محاضرة ألقيت يوم 13 يونيو 2012،بمقر وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، من قبل السيد، بوقادوم: مدير المديرية العامة لأمريكا بالوزارة. تم حضورها.

[ 8]-للاطلاع على وجهة نظر السلطات الجزائرية حول هذه التطورات، انظر: تصريحات وزير الخارجية الجزائرية الأسبق -مراد مدلسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد