لم يكن فوز إيمانويل ماكرون بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية مفاجئًا، فمرشح حزب «النهضة»، حاليًا، «الجمهورية إلى الأمام» سابقًا كان الأوفر حظًّا بين المترشحين للنزول في قصر الإليزيه، فبين اليمين المتطرف بقيادة ماريان لوبان، واليسار الراديكالي بزعامة جون لوك ملينشون، جاء خطاب ماكرون الوسطي ليعطي نوعًا من الاطمئنان للفرنسيين الذين يعيشون تحت وطأة أزمة اقتصادية صعبة وارتفاع غير مسبوق في أسعار المحروقات، مما جعل الناخبين يصوتون لماكرون ثقة منهم في وعده وخوفًا من برامج منافسيه التي قد تدخل فرنسا في متاهات كثيرة.

بعد استقلال الجزائر في 5 يوليو (جويلية) 1962، دخلت العلاقات الجزائرية الفرنسية مرحلة التعامل بين دولتين تتمتعان بسيادة كاملة. فزيارة الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان سنة 1975 إلى الجزائر كانت أول زيارة لرئيس فرنسي إلى الجزائر. ثم جاءت زيارة فرانسوا ميتران سنة 1981 إلى الجزائر بعد انتخابه رئيسًا لفرنسا لتؤكد رغبة فرنسا في بناء علاقة متميزة مع الجزائر. وقد صرح حينها ميتران قائلًا: «فرنسا والجزائر قادرتان على التغلب على خلافات الماضي وتجاوزها»،لتتبعها مباشرة سنة 1982 زيارة الرئيس الشاذلي بن جديد زيارة لفرنسا كأول رئيس جزائري يزور فرنسا.

 عرفت العلاقات الجزائرية الفرنسية في تاريخها خلافات كثيرة ساهمت في تصدعها، فالقضايا التاريخية بين البلدين ما زالت العامل الأول في تدهور العلاقات بين البلدين، ففرنسا ترفض الاعتراف والاعتذار عن ماضيها الاستعماري في الجزائر والذي خلف ملايين الشهداء والدمار في الجزائر، بل واصلت إنكارها لذلك الماضي المشين واعتبرته إيجابيًا وأصدرت قانونًا تمجده سنة 2005 في عهد الرئيس جاك شيراك، أما الجزائر فما زالت تؤكد دومًا أن أي تطور في العلاقات بين البلدين لن يكون إلا بحل نهائي لملف الذاكرة يمر عبر الاعتراف والاعتذار.

 تعتبر تصريحات إيمانويل ماكرون في الثاني من أكتوبر 2021 الأخطر في تاريخ العلاقات الفرنسية، فالرئيس الشاب لفرنسا تهجم مباشرة على الجزائر، واعتبرها غير موجودة قبل استعمارها، وأنها بنيت بعد الاستقلال على ريع الذاكرة كرسه نظام سياسي عسكري لمحاولة إخفاء فشله الداخلي، ليأتي الرد الجزائري قويًا، حيث تم استدعاء السفير الجزائري بفرنسا وغلق المجال الجوي أمام الطيران العسكري الفرنسي لدخول ومغادرة منطقة الساحل، حيث تنتشر قواتها في إطار عملية برخان، أمام هذا الرد الجزائري لم يجد ماكرون حلًا إلا أن يطلب التهدئة قائلًا: «أكنّ احترامًا للشعب الجزائري وأقيم علاقات ودية فعلًا مع الرئيس تبون»، وأكد رغبته بتصريح شهير في 16 أكتوبر 2021 حينما اعتبر مجزرة المتظاهرين الجزائريين في فرنسا أنها جرائم لا مبرر لها بالنسبة إلى الجمهورية.

بعيدًا عن ملف الذاكرة، تعتبر العلاقات الاقتصادية بين البلدين قوية ومتينة، فإجمالي التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 10 مليارات يورو، فرنسا تستثمر أكثر من 1.8 مليار يورو في الجزائر مما يجعلها المستثمر الأكبر في الجزائر، وتصدر إلى الجزائر أكثر من 3 مليارات دولار، وتعتبر من أكبر الموردين للقمح للجزائر، بينما تصدر الجزائر أكثر من 6 مليارات يورو لفرنسا، مما يجعل فرنسا تحتل المرتبة الثانية في قائمة زبائن الجزائر، ناهيك عن ذلك تعتبر الجالية الجزائرية الأكبر في فرنسا وهي أكبر جالية جزائرية في الخارج يتجاوز عددها رسميًا أكثر من مليوني مهاجر جزائري مقيم رسميًا في فرنسا، بينما تقول الإحصائيات إن عددهم تجاوز 5 ملايين جزائري، من بينهم أكثر من 25 ألف طالب جامعي يدرس في فرنسا، من جهة أخرى تعتبر اللغة الفرنسية هي اللغة الثانية في الجزائر بل تتجاوز أحيانًا اللغة العربية، أضف إلى ذلك قوة اللوبي الفرونكوفوني في الجزائر الذي يعتبر من كبار صناع القرار في الجزائر. لذلك فإن محاولة أي طرف تجميد أو قطع العلاقات بين البلدين سيلحق مما لا شك فيه ضررًا كبيرًا بالبلدين معًا.

يرى كثير من المراقبين الجزائريين للشأن الجزائري-الفرنسي أن إيجاد أي آليات مشتركة لتطوير العلاقات بين البلدين لن يتم بعيدًا عن حلٍ كليٍ لمشكلة الذاكرة، فالمخيال الجماعي للجزائريين لا يمكنه نسيان أو تناسي الفترة الاستدمارية الفرنسية في الجزائر والتي خلفت ملايين القتلى والمعطوبين ومن تم نفيهم من بلادهم إلى أقاصي الأرض، وأن أي تقدم في العلاقات لن يكون إلا باعتراف صريح واعتذار فرنسي عن أفعالها في الجزائر، بينما يرى الفرنسيون أنه يمكن للعلاقات أن تزدهر بعيدًا عن ملف الذاكرة والاعتذار.
أمام ماكرون بعد انتخابه لولاية ثانية فرصة تاريخية، لترميم العلاقات بين البلدين، خاصة إذا قام بخطوات شجاعة وجريئة لحلحلة ملف الذاكرة، خاصة وأنه يتمتع بعلاقة ودية وصداقة مع رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون كما الطرفان ذلك، لهذا فالعهدة الجديدة لرئيس الفرنسي ستكون مفصلية في تحديد اتجاه سيرورة العلاقات بين البلدينبين الانفراج أو التوتر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد