لا يكفي في مجتمعاتنا تعريض الإنتاج الفكري للمثقفين العرب للنقد والمساءلة حتى نكون قد أنجزنا المطلوب من مشروع المراجعة الشاملة التي ندعو إليها لإنتاجهم الفكري ولأدوارهم الاجتماعية، ولكن نحتاج أيضًا إلى نقد أوهامهم وأساطيرهم التي صنعوها حول أنفسهم، وبالأخص تلك القوة الرمزية (الرأسمال المعرفي) التي وفرت لهم مكانًا أصبح يجنح نحو تضخيم الذات إلى المدى الذي فاض عن حدّه، وسنحاول في هذا المقال المقتضب التركيز على أوهام بعض النخب الجزائرية التي أصبحت تحتاج إلى وقفة نقدية ومراجعة شاملة تُشخص أعطابها، وتَكشف أوهامها، وسيكون ذلك من خلال المحاور التالية: أسطورة الدور الإرشادي المثالي، أسطورة الدور الرسولي الذعوي، وأسطورة الدور العلمي الصوفي.

ففي الورطة الأولى يقدّم المثقف الجزائري نفسه للجمهور بوصفه الكائن الحامل لرأسمال مميّز هو المعرفة، يستثمرها في صفقة ضمنية تقتضي بأن يقوم هو بممارسة عملية التفكير والمعرفة نيابة عن أفراد مجتمعه، ثم يقدّم بضاعته إلى هذا المجتمع داخل منطق توزيع الأدوار وفق مقتضيات تضمن حصول فعلي التداول والتصديق، وهنا بالذات يرث المثقف الجزائري وعي أمته في صورة الفقيه أو الشيخ الذي يحمل في صدره أسرارًا تدعو إلى الإصغاء والإجلال، ليضمن تلك الهالة الأسطورية كعارف يستطيع أن يستحصل من الناس مشاعر الرضا والولاء، وهذا يعكس الممانعة النفسية المأزومة، والوهم الإيديولوجي اللذيذ والمديد الذي يعيشه هذا المثقف من خلال الوعي الخاطئ والزائف الذي يرسمه لنفسه ويُصدِّقه ويسعى إلى تسويقه بين النخبة والجمهور قدر الإمكان دون أن ينتبه إلى انهيار الإقطاع المعرفي تحت معاول التقدم والتكنولوجيا التي أطاحت بالحدود الفاصلة بين الناس وبين قدرتهم على تحصيل المعارف، وأعادت المثقف إلى حجمه الطبيعي وأسقطته من عليائه المتخيلة.

أمّا الورطة الثانية فتكمن في أنّ المثقف الجزائري مسكون بهاجس رسالي دعوي يضمن له شرعية أفكاره، حتى المثقفين الذين يناقشون قضايا التنوير والحداثة والعلمانية والإنسان وغيرها من القضايا الفكرية، تجدهم في بعض المواقف يستنجدون بالدين، في حين أنّ الدين لا اعتبار له في كتاباتهم الفكرية والإبداعية، لكنه يضمن لهم فعل التحشيد والتجييش وصناعة الجمهور، جمهور الدعوة، وبهذا يمكن القول أنّ المثقف الجزائري يضطلع بأدوار تبشيرية خلاصية نبوية تمنحه سلطة رمزية زائفة تجعله يستبد بقطاعات الثفافة والمعرفة، وهذه المعرفة في حقيقة الأمر لا تخاطب عقل جمهوره بقدر ما تخاطب وجدانهم ومشاعرهم لأنها مختلطة بالمعطى الديني، وبهذا يمكن القول أنّ خطابه في حقيقة الأمر يجافي المنطق والمعرفة، وينتصر للأيديولوجيا المصلحة الضيقة المتمثلة في الغنيمة.

أمّا الأسطور الثالثة التي يعيش عليها المثقف الجزائري هي انصرافه عن الشأن العام، أو المثقف البرج عاجي بتعبير الفيلسوف الإيطالي غرامشي، وهذا المثقف يمارس فعلي الاستعلاء والاعتكاف بعد شعوره بتخمة ثقافية فائضة يتحول من خلالها إلى عارف على حد تعبير المتصوفة في مقاماتهم، والمثقف العارف في مجتمعنا الجزائري تسقط عنه كل الفرائض فلا يصغي إلى أي نداء يقع خارج الذات العارفة، بل هو غير معني بالمساءلة والمحاسبة، وهذا يعكس انتصاره للفرادنية على حساب الجماعة، وللأيديولوجيا على حساب الموضوعية.

وفي الأخير يمكن القول أنّ نقد المثقف أصبح ضرورة، بل شرط صحي لازم لإعادة بناء عمران الثقافة الذي اهترأت أساساته، ولا يتمّ ذلك إلاّ من خلال تجريد هذا المثقف من كل الهالات الأسطورية التي يرسمها لنفسه ويسوّقها في كتاباته، والعمل على مراجعة الدور النبوي الطليعي الذي ينتدبه لنفسه من خلال الوصاية التي يمارسها على القيم والثقافة والهوية، فضلًا عن احتكار الحقيقة وامتلاك المعنى والأجوبة، ومن هنا بات من الضروري ممارسة النقد على هذا المثقف لأن النقد هو الضامن الوحيد لتحريره من أوهامه النخبوية التي أثبتت فشلها، ودفعت بالمجتمع الجزائري عامة، والجامعة خاصة إلى الجهل والجمود والتفاوت والاستبداد الفكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد