لأول مرة أعجز عن إيجاد ما أفتتح به كلامي في موضوع لطالما أخذ حيزًا كبيرًا من تفكيري «المثقف الجزائري، الى أين؟» توصلت إلى أنه عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب جماعة وليس لحساب أمَّة، يصبح الفرد فيها غير قادر على التضحية من أجل الوطن، ثم ينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة، لا أعلم هل هي هجرة أم هروب للأدمغة؟ هل هو هروب من اليأس أم بحث عن الفرص ومن يُقدر الكفاءات؟

نعم، هي سلسلة أسئلة أغرقتني في تفكيري: ما الذي جعل المثقف الجزائري يعاني الخيبة والإحباط لدرجة اليأس والقنوط؟ ما الذي جعله يتخلى عن دوره العضوي والريادي في قيادة المجتمع والرفع من مستواه الثقافي؟ ما الذي جعله يعاني الخيبة والإحباط، اليأس والقنوط لدرجة الانتحار والهجرة في قارب؟ ولماذا يفشل في إيجاد وتطوير مشروعه العلمي والمعرفي، لتختزل كل طاقاته في نهاية المطاف كموظف في محل أو في وظيفة لم يفكر بها يومًا، بل ربما بعيدة كل البعد عن تخصصه؟

ما الذي جعل من أحلامه الكبيرة راتبًا محدودًا لأربعين عامًًا؟ وما الذي جعله يفقد ذاته وانتمائه في وطنه، ليجد نفسه هناك في بلاد غربية لا تنتمي للغته ولا لتاريخه أو ثقافته وحضارته، وليبدع وينتج في غير مجتمعه؟ ولماذا تفشل المشروعات المعرفية الكبرى في وطننا، لتمهد الطريق لتفريق تلك الأدمغة المجتمعة، فتضيع سدى، ويضيع معها أمل أمة كاملة؟ وهل هي أزمة ثقافة أم أزمة مثقف؟ في حين لو أجرينا دراسة معمقة للمشكلة سنجد أن أصلها يكمن في «سوء استغلال وتسيير الموارد البشرية وعدم تقديرها»، وهذا السوء وعدم التقدير له عاملان:

أولًا: عوامل داخلية: فالمطَّلع على حركة المجتمعات وتطورها، سيلاحظ أن النوابغ في أي مجتمع هم الخامة البشرية الأولى، فالمجتمعات اليوم لا تقاس بما تملكه من ثروات طبيعية فحسب، بل بنوعية النخبة الموجودة فيها، وبرأس المال الفكري وما تملكه من عقول وقوى بشرية متعلمة ومدربة تدريبًا جيدًا وفق مناهج مدروسة، ولذا نجد في الدول المتقدمة والمتطورة اهتمامًا بالغًا بشأن النخبة والعمل على رعايتهم والتكفل بهم، وتجهيزهم للتفرغ التام لمراكز الأبحاث المختلفة والمتنوعة؛ ليبدعوا في مجالهم ولتستثمر طاقتهم على النحو الأمثل، فإذا ما أتينا إلى الوطن الحبيب (الجزائر) ستجد أن إهمال وإهدار الطاقات النخبوية له عدة أسباب:

أ- أزمة الحوار: فالأصل في كل قضية هو تعدد الآراء والتوجهات واختلافها، وهذا ما يؤدي إلى حالة من النقاش الذي يثري المشهد الثقافي ويبث فيه الحياة، إلا أن الملاحظ في وطننا هو أن كل طرف يميل إلى عدم تقبل الآخر والانفراد بالرأي، وهذا ما ساهم في تعسير الانعتاق من ربقة الإيديولوجية بمختلف أشكالها، مما يجعل الفكر غير خلَّاق وغير منتج بل حبيسًا للخلفيات والإيديولوجيات التي توجهه بما يخدم مصالحها وأهدافها.

ب- تكاليف الحياة: مثقف أغرقوه في همومه اليومية ومشكلات متعددة وعراقيل كثيرة، فكيف تريد منه أن يفكر في الإنتاج والإبداع، فضلًا عن القراءة والكتابة، بعد أن غرق في مستنقع متطلبات الحياة الكثيرة والمتشابكة، قوة اللحظة أصبحت سجنًا لهم، صار المثقف أسير اللحظة في حين أن الدين والمنطق أكَّدا حسن استغلال اللحظة للإبداع والتميز، صار المثقف الجزائري يعيش يومه كما هو، أصبح غير قادر على أن يجلس يومًا ليفكر في نفسه فضلًا عن التفكير في غيره، إنها سياسة جماعة إرهابية دمَّرت أمل ومستقبل مجتمع ككل.

ج- التأثير المجتمعي: سنوات من الإرهاب الفكري للسلطة السابقة جعلت المثقف الجزائري في مجتمعنا يعاني أوضاعًا تتفاوت بين العزلة، الرفض، الصراع بل حتى التصفية الجسدية، وهنا نتحدث عن المثقف الاجتماعي الناقد البناء، وليس المثقف الذي يعيش على عقلية «حشيشة طالبة معيشة» وعيشه في لغة الرموز التي لا يفهمها غيره، وأيضًا ليس ذلك «الشيات» ونقصد به مثقف السلطة الذي يدافع عن مصالحها مهما تعارضت مع القيم والمبادئ. المثقف الجزائري صار يعيش العزلة والتهميش بسبب منهجه الأخلاقي والفكري الذي يمتلك، وهي إيديولوجيا المعارضة والنقد لكافة الأخطاء التي يرتكبها المجتمع والسلطة السياسية من خلال انخراطه مع مجتمعه وفضحه جميع أساليب التمويه والخداع، التي تضفيها السلطة السياسية والثقافية والاجتماعية الخاطئة.   

د- الاستغلال الحزبي أو بعبارة أخرى الأنظمة السياسية: إذ يجد المثقف الجزائري نفسه ضمن مشروع جاد، لكن وللأسف كما كثير من المشروعات المعرفية في وطننا مرهونة بمشروع سياسي، وكما هو معروف فإن المشروعات المعرفية الكبرى التي تدعمها الحكومة أو جهة سياسية معينة يكون عمرها عمر الممول السياسي. فلقد تم تمييع الساحة الثقافية حتى فقدت نكهتها، فأصبح الكثير من المفكرين ينحازون إلى الأنظمة السياسية، ويبحثون عن مصالح شخصية ضيقة على حساب المبادئ والقيم، وهذا ما خلق أزمة ثقة في الثقافة عمومًا، وساهم في إبعاد المثقف عن بيئته ومجتمعه، وأصبح هذا الأخير لا يشعر بالحراك الثقافي ولا يحس بأنَّه يمثله ويعبر عن تطلعاته واهتماماته، وربما بعد رحلة اليقظة يجد أن أحلامه قد اغتصبت، وأن آماله تبددت وها هو عمره يمضي في فراغ، و كما هو معلوم أن وجود الفراغ يعني وجود مساحة جاهزة يملأها من شاء بما شاء من قناصي الفرص عديمي الضمير.

هـ- الأزمة البنيوية: هنا نتحدث عن المشكل الموجود على كل المستويات، في المؤسسات والبرامج والأشخاص، فالثقافة تُبنى من خلال المؤسسات وليس الأفراد، ورغم أهمية الإبداع الفردي في الحياة الثقافية، فإنه لا يكفي لخلق حركية ثقافية وبناء بيئة ثقافية خصبة ومنتجة، المؤسسات والعمل المؤسسي هو الكفيل بتحقيق هذا الأمر، وللأسف في الجزائر طغت الفردانية والعمل الفردي، بمعنى أن الوجود الفعلي على أرض الواقع هو للأفراد وليس للمؤسسات، وحتى نقاشاتنا تركز على المثقفين لا على المؤسسات الثقافية، وهنا بيت القصيد، أي إن ترهل هذه المؤسسات وجمودها وتخلفها هو السبب الرئيسي للأزمة وطولها وتعقدها.

ثانيًا: عوامل خارجية: ويتمثل ذلك في «البعثات الخارجية» وهي تمثل الركيزة الثانية في سوء استغلال الموارد البشرية؛ إذ لم يستطع المثقف الجزائري أن يبني لنفسه مشروعًا في وطنه، اللّهم إلا وظيفة يُضيع بها ما تبقى من عمره وتضيع معها كل جهوده، فذهب ليجد نفسه هناك في بلاد غربية، ليبدعوا وينتجوا في أمّة لا ينتمون لها، ليروا هناك المشروعات الجادة والإنماء والتعلم ومجمعات البحوث المختلفة والمتنوعة كما كان يشتهي في يوم من الأيام، وها هو اليوم أمام مفترقات طرق، فإما أن يبقى حيث هاجر لينتج ويبدع بها ولتستيقظ أحلامه التي كانت نائمة في وطنه، وإما أن يعود وهو يحمل لوطنه شهادة فقابلته بالنكران كما فعلت به بالأمس، فلم يزدد بوطنه سوى كفر، ويصير عنده خوف من الخوف، أو كما يُقال خوف مرضي.

حسنًا، و لكي تفهم ملخص كلامي، تكوين وتهيئة بيئة ثقافية يعني بناء مشروع حضاري متكامل؛ فوظيفة المثقف هي حمل قيم الخير والعدل والحرية وغيرها من القيم الإنسانية، والدفاع عنها وكسر القيود الفكرية التي تُكبل العقل والفكر وتعوقه عن التفكير والتحرّر، ومقالي هذا ليس دعوة لليأس أو القنوط والإحباط والتذمر، بل هي دعوة لأصحاب المناصب ورسالة للمؤسسات العلمية والتعليمية، ولأصحاب العمل والمال، الأدمغة تهاجر والجهود تضيع وأنتم المسؤولون أولًا وآخرًا، الأزمة التي يعاني منها المشهد الثقافي عميقة، وهي ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات عديدة وتضافر كثير من العوامل على مراحل زمنية طويلة، لذلك وجب بذل مزيد من الجهد في إطار رؤية واقعية شاملة للخروج منها، والحقيقة أن تحقيق هذا الهدف ليس مستحيلًا، بل سهلًا جدًّا إذا ما توفر الوعي، الرغبة والسعي من أجل الأفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد