من عمق النفس هناك ما يحرك حسًّا، يطوف بأرجاء الروح؛ فيأخذ عن ملكات العمق أريجه العريق، يسبح بداخل الفرد كقدرة تائهة، ثم ينساق باتجاه السماوات ليصبح نورًا مسروقًا من فلك الأفكار والأخبار معًا، ربما! هي لغة تدري بأنها أشد الألغاز إحكامًا، حين يفيق الفرد كل يوم على هوس الوجود، يسارع إلى اقتطاع بعض الزهور من حدائق المسالك كلها، ثم يعمد إلى إتاحة الفرص للذات حتى تتمكن من أن تزهر من جديد، هي علاقة تتخذ سوابق عديدة بين مستلزمات كافة أنواع الجرَدِ العجيب، إنه لسان الأيام حين يحكي.

ما أبهى أناقة المعروف حين يتحوّل إلى رحيق يعمّ المكان، وما أصلب الإنسان حين يشاهد نفسه المسلوبة تتحدى المعالم كافة بسيف الزمان، هي الحياة تتبدّل وتتحوّل على أثر تخلى عن كل شيء، لكنه أبقى على لحظات مفاجآته السليمة التي تسترسل على الدوام طلبًا للعفة والشرف، هي مقبّلات العالم على طبق العقل والمنطق والتنظيم.

حين تلتحف الروح فأنت مقاتل تعتمد الفكرة على أرض المعركة، وعندما تساعد نفسك على البقاء فأنت المنتصر الذي لن يعود أبدًا إلى باقة العروش والبروج ما لم تنفك هي عنه بعيدًا عن كلّ غوغاء؛ إنه القَدَر مصاحبًا لبقائه الناعم فوق صدور الأقارب من بني الإنسان، هو المكان الذي أختلف كثيرًا عن ما سبقه من علاقات الأرض ببقية الأكوان.

لن يكون الشاعر حيًّا، وهو يسترسل أمام جادة البطولات بالحروف؛ لأنه لن يموت، وهو يسقي الأبدية بنور الكلمات، وما أغرب المعاني عندما ترتصف أمام آراء الجميع مبهمة، لتزداد غموضًا وهي تسري في عروق التاريخ بلا تراجيديا، ربما هي أبقى من العلاقة بين الكلّ والجميع بطريقة أقرب إلى البهلوان من بني الإنسان.

أن تملك الحق في إنقاذ نفسك فذاك هو النصر الحقيقي، أن تحمل في نفسك عزّة تعتبر من أهم ما يحمله الإنسان من عطايا فتلك هي القوّة الذاتيـة، هي الوجود الحيوي الذي يحمي الفرد من الاندثار، إذ يبقى للإنسان الحق المقدّس في الدفاع عن نفسه دائمًـا، لأنّ معطيات الفرد تختلف، وبقايا الاختلاف إنما هي الأقدر على تفسير أحداث الأيام مهما كان وضعها.

ما أجمل الإنسان عندما يبتسم! وما أرقى الفهم الإنساني حين يعبّر عن نفسه ذاتيًا! فلا يمكن للعالم أن يفهم ذاته سوى إن ما أبحر فيها بمكتسباته الغزيرة، لهذا من المألوف أن يعتاد الإنسان على حياته، لأنها الملكية الوحيدة الخاصة به، أين يمكنه أن يرتاح ويريح ذاته بالعمق ذاته عندما يشتهي عمقه بكل اقتدار؛ أن تبقى محافظًا على فطرتك، فتلك أزمة تحتل صدارة تفكيرك في لحظات السموّ، وأن تحارب من أجل سعادتك، فتلك أجلّ المواضيع وأقدس المهمات على الإطلاق، لأنّ الإنسانية تستقي صعوبتها من هذا، فهي ترفع المغامرة شعارًا يكون أثمن ما تملكه الحياة بأمانة.

على قدر أهل التواجد تحضر في الذهن الفكرة بتداعياتها، لا يمكن لفرد إنساني أن يعيش بلا أفكار تخرج من عمقه كما تخرج أنفاسه بين الفينة والأخرى، الأفكار بالنسبة للوجود الموجود هي مثل الهواء بالنسبة للأحياء، إذ تستحيل الحياة بدونها، لا يمكن للقيم أن تنتصر إن لم تتجدد على الدوام، ولا يمكن للإنسان أن يستمر بلا إبداع، بل الإبداع ذاته هو ما يبقيه قادرًا على الوصول إلى أطراف الحياة بلا كلل أو تعب، إنه الثمن الغالي للمعيش الذي يتذوق لذته النادرون من البشر؛ عندما تعزف الأرواح ألحانها فهي تغرّد تعبيرات عن مكانتها بين الموجودات، هي تعلن عن نفسها وتكشف خباياها المغمورة، لهذا لا تلوموا شخصًا هفت ذاته نحو المجد بالعرق والدمع والصفحات من الكلمات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد