أن تسير على مصاعب الحياة وجلًا، فهذا أمر يعود إلى درجات الوعي الخالصة، أن تغدو فقير الـروح فتلك مرتبة لا يجب أن يناقشها أحد، أن تصعد درجات نحو السموّ والرفعة، فذاك شأنك وحدك، أن تغالي وتجازف بكافة معتقداتك من أجل صلاحك، فذاك نوع من المذلة التي لن يستسيغها أيّ حرّ مهما كانت كلفته المادية والوجودية.

الحياة التي نسايرها اليوم هي ذاتها التي خلقت ووجدت منذ آلاف السنين، هذه الأيـام التي تدور رحاها بلا توقف الآن هي ذات الأيام منذ ما يقلّ عن ملايين السنوات أيضًا، هناك الكثير من الأمور التي يجب الوقوف عليها اليوم، هناك الكثير من المضامين التي يجب على كل فرد عاقل يحمل من التأهيل درجة ما أن يراجعها ويعيد تقييمها كل مرّة؛ لأن الحياة مهما كانت وتكون لـن تبقَ هي ذاتها الحياة التي عرفها السابقون في أعين اللاحقين!

علاقة الإنسان بذاته ملتبسة مهما كان الزمن والعمر والمكان والثقة التي يحملها ذات الفرد، يجب عليه أن يسبر أغوارها ويفكك أجزاءها حتى يتمكن من تسييرها ومسايرتها بالقدر الذي يجعله أقصى وأبهى مما هو فيه، لقد تمّ تداول الأحياء وكأنهم مجردون من الحياة اللائقة، وهذا ما يجعل الكثير من الأفراد يعزلون أنفسهم خوفًا من كافة الأنفس، لقد توفي الجميع في حضن الكل رغبة منهم في اقتطاع أمر لا يكون معتادًا، هذا لا يجعل من أيّ كان موجودًا بالطبع.

منذ ملايين السنين والحياة تتخذ نواصيها جزافًا، منذ آلاف المحطات والدنيــا تلعن ذاتها اضطرارًا، إذ الأصل هو الإحسان والإيمان، وما تبقى هو حواف قوة مدمرة تكسر كل شيء لتضمن عدم قيامه مجددًا، إنّ العلاقات التي تتجدد بين بني البشر تتشابه في كافة الموازين والمرامي. هنا، على الإنسان أن يوقف الفرد حينًـــا، أن يغلق على نفسه من أجل الإحاطة بما للعالم من وجود، هي قدرة على الاستيعاب بدل السلب، لذلك يجب أن يتعلّم الجزائري طرح السؤال أوّلًا، عليه أن يحاول حمل واكتشاف أوّل مفتاح للمعرفة قبل أن يحمله في جيبه، ومن بعد ذلك يحاول استعماله.

كم أعجب من أطفال الجزائريين الصغار الذين يحرمون من السؤال بالنهر والترهيب، إنه لمنظر غريب جدًّا عندما تجد جزائرية على سبيل المثال تعاقب ابنها الصغير أو ابنتها الصغيرة فقط لأنها سألتها سؤالًا «غريبـًا»، ومن بعد ذلك عندما يكبر هذا الطفل يجد نفسه محرومًا من أداة التساؤل، فتجده لا يعرف الطريق إلى الاستفهام أبدًا، إنه لمن سفاهة الأمر ومن غرابة الحياة «الجزائرية» أيضًا أن تكوّن أيامًا بلا أسئلة! إما خوفًا من طرحها، أو معرفة مسبقة بإجاباتها، أو عن دراية بعدم جدواها مهما كانت قوالبها.

أسقف الحياة التي اعتاد الجزائريون على التواجد فيها هي بلا استفهامات، كلّ واحد من الجزائريين يتعرّف إلى العالم إما مما بُرمج عليه، أو من صلب تقنيات هو الوحيد الذي يختبر حضورها ومثواها، لم يعلمه أحد سوى تلك الخطابات الخشبية التي يرددها الإمام والمعلّم من جهة، ومن جهات أخرى تسمعها من أفواه السياسيين والمثقفين، بين كلمات الأغاني والمواويل، بين حوارات الجزائريات في الحمامات، أو تحت قبب البرلمان، أو على طاولات المقاهي التي تمتلئ بمختلف شرائح الجزائريين.

لا أحد يسأل، ولا أحد لديه استعداد للإجابة عن أيّ سؤال، ربما صورة معيشية كهذه قد تجعل ديكارت «فيلسوف النهضة الفرنسية» يثمل بفكره، ثم يلفظه في أوّل الفجر، فهو الذي تصوّر ونظّر للفكر كمقياس للأحياء، سيجد عالمًا بلا فكر، لا يعرف أيّ طريق إلى التساؤل، أوّل مفاتيح التفكير في عالم متكامل يسمى بـ: العالم الجزائري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد