تعلمنا ونحن صغار بأنّ الجزائر بلد متنوع لثقافات والمحطات عبر التاريخ، وهذا صحيح، ويكفي أن تلف على اللهجة الجزائرية؛ لترى مدى أصالة هذه البلاد وتنوع مراجعها الفكرية والدينية المختلفة، يكفي أن تسير على طور ساحلها لتشهد مدى قدرة الجزائري على التأقلم في كافة المواضع والوضعيات؛ إذ ستجد أمامك الكثير من التنوع الذي لا يتيح أيّ مجال أمامك لغير الانبهار بهذا الخير الدفين في هذا الشعب الطيّب.

وكما في أيّ مكان آخر على هذا الكوكب، فإن للجزائر أيضًا عيوبًا كثيرة، لعلّ أبرزها تلك الوضعية الحضارية اليوم، بلاد تغرق في الخيرات الطبيعية من جهة، وفي التخلّف، الفساد والفقر من جهات أخرى، فترى التناقض أمامك صارخًا وواضحًا، وبلا أيّة مجاملات، هذا ما يعطي الكثير من الشرعية على ذاك التنوع الذي أشرنـــا إليه سابقًا.

التنوع يكون ثروة في أيّ بلد، ويمكن أن يكون مصدر فتنة في أيّ مكان أيضًـا، إذ يمكن أن تربح البلاد المتنوعة هذا التنوع من أجل تحويله إلى مكسب رائع يحمل إليها الامتيازات من كافة الزوايـا والنواحي، ويمكن أن يحوّلها إلى قطعة من الجحيم، إذا ما شبّ بين أطرافه بعض نيران الطائفية والعروشية والجهوية؛ لكن في المقابل: لقد عاش الجزائريون منذ زمن بعيد متجاورين، ولم نسمع عن فتنة بينهم، بالرغم من تنوعهم!

فطرة الجزائري هي التسامح والمسامحة، بالرغم من مزاجه المتقلب، الحقد ليس جزائريـًّا، ولهذا فإنّ تنوع الجزائر أصبح ثراء وثروة رائعة جميلة، كالأحجار الكريمة المتنوعة؛ كلّ هذا بالرغم من اجتهاد الطامعين والحاقدين على إذكاء نار التشرذم والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد.

“… وهكذا تتجدد المشكلة، فالاستعمار يدبّر مكائده عن معرفة تامة بالنفسية المسلمة، فهو يعرف النقص الذي يمنع عقولنا من أن تضع بين الوقائع الارتباط المطلوب، الذي يجعلنا نضيعها تحت قاعدة موحدة ونستخلص منها حقيقة عامة…”.

إنّ ما سماه مالك بن نبي بـالاستعمار، أسميه أنا بـالطامعين-الحاقدين، إذ هم دائمًا ما يسخرون كافة الوسائل المتاحة من أجل ضرب الجزائري في هيبته، تلك الناتجة عن التفكير المنطقي – العملي، كلّ هذا من أجل قلب التنوع إلى طوائف متناحرة، بحيث ينزاح من النعمة نحو النقمة.

إن الارتباط الذي أسس له مالك بن نبي في معرض حديثه عن الصراع هو أمر أساسيّ لبلد مثل الجزائر للهروب بها من دائرة الفتن والعشوائية، هذا المعطى يستقي أهميته من قدرة تحويل أيّ بلد متنوع عرقيًا وثقافيًا إلى بلد فاشل حضاريا بزرع شرارات مختلفة بين أبنائه، ويمكن اليوم مشاهدة ما يحدث على أرض “الربيع العربي – الأوبامي” حتى نفهم ما معنى أن يصبح ما هو لك عليك.

الكفاءة هي الفاصل، وهي المعيار لبقاء بلاد تتنوع ثقافيًا وعرقيًا متماسكة إلى النهاية، لماذا أقول الكفاءة؟ لأنّها تنبت من العقل المتزن وتنتهي أفرعها على اختلافها إليه، ولنا نماذج عديدة في هذا الصدد، لعلّ أهمها أوروبا اليوم وقبلها أمريكا بالأمس القريب.

إنّ أعتاب البقاء تخرج من أبولون، وكل الأمور المنتظمة هي تجد طريقها نحو بلوغ مكامن الأبدية عندما تحتكم إلى نظامها عينه، على الجزائري أن يحاول فهم الوقائع كما هي لا أن يحاول فهمها كما يريد هو ذلك، لأنّ مالك بن نبي قد أشار مسبقا إلى سعي القوى المعادية لكل ما هو جزائري إلى فك الارتباط العقلي – العملي بين التنوع ومعناه من احترام وتكافل وتمازج، إنّ هذه النقطة بالذات هي ما يجعلها من القوة بمكان، تلك التي تعطي لها شرعية تنظيم القوالب الثقافية الموروثة والعريقة، إلى جانب إنتاج وتبني قوالب جديدة، وبتراكمها وتنافحها كلها على حد سواء، تعطي جزائر حضارية للغاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمَرَة، دار الفكر للنشر-سورية، الطبعة التاسعة، ص: 55.
عرض التعليقات
تحميل المزيد