كانت مقالة رفع الأستار عن ما ورد في غزو فرنسا للجزائر من أخبار قد تناولت الغزو الفرنسي سنة 1830، والذي انتهى بالمقاومات الشعبية والتي دامت سنوات. 

ولبداية كل حرب علامات كما لنهايتها علامات، بدأت الحرب مع فرنسا بقيادة الملك شارل العاشر، وكانت حروب قبلها مع الإسبان قائمة (1492- 1792) قبل الملك شارل العاشر.

فالغزو الفرنسي كان سنة 1830، وانتهت المقاومات الشعبية بعد تسع سنوات أو أزيد، وثورة التحرير اندلعت في سنة 1954، فبينهما حوالي 115 سنة، وبقيت ثورة التحرير سبع سنوات أي حتى سنة 1962 يوم الاستقلال.

والحرب من أولها إلى آخرها كانت بدايتها بالمقاومة وانتهت بالمقاومة؛ لأن عدد القوات الفرنسية وعُدتها كانت أضعاف مضاعفة للقوات الجزائرية، وإنما خمدت أوقاتًا معلومة ووضعت أوزارها في مراحل معينة، وأن الشعب لم يرض بالمستعمر منذ الاحتلال إلى الاستقلال، فكانت حرب لا هوادة فيها يكافح الشعب بتضحية وفداء، وصارت بعد مرحلة المقاومات الشعبية أي (في مرحلة الاستيطان) مستمرة سياسيًّا بحركات المجتمع الفكرية والأحزاب.

مرحلة الاستيطان الفرنسي

في مرحلة الاستيطان الفرنسي والتعمير كان أبناء الشعب منهم من اندمج مع القوات الفرنسية، ومنهم من اندمج مع المستوطنين، كذلك الأبناء الصغار اندمجوا في التعليم الفرنسي.

ومع مضي الأعوام والسنين، قامت تنظيمات جزائرية في فرنسا وفي الجزائر بعمل سياسي، ومع مرور الوقت تطور إلى عمليات فدائية في الحضر وتنظيم مسلح في الجبال.

كان الكفاح المسلح في تونس والمغرب الأقصى بدأ يعطي ثماره. وقد قدر عدد الجزائريين العاملين بالجيش الفرنسي في تلك السنة بـ160 ألفًا، شارك منهم عشرات الآلاف في حرب الهند الصينية، ورأوا بأنفسهم كيف حققت ثورة وطنية آسيوية نصرًا كاسحًا على الاستعمار الفرنسي. وكانت أوضاع الجزائريين في ظل الاستعمار تزداد سوءًا، بحيث قدرت الإحصائيات الرسمية عدد العاطلين منهم عن العمل ما بين 900 ألف، ومليون ونصف المليون. وكان أكثر من 5 ملايين فدان من أخصب الأراضي الزراعية الجزائرية بيد 21659 مستوطنًا أوروبيًّا، في حين كان 6.3 مليون يعيشون على استثمار 10 ملايين فدان فقط. ولم تكن المدارس لتستوعب أكثر من ثُمن الأطفال الجزائريين الذين هم في سن الدراسة، وما كان يصل منهم إلى المرحلة الثانوية أكثر من العُشر. ولم يترك لأهل البلاد من الوظائف الإدارية سوى 4 آلاف من مجموع 26 ألفًا.

لقد ساعدت التنظيمات السياسية التي كانت على نمو إلى تطور إرادة الشعب إلى العمل المسلح العسكري، مثل حركة نجم شمال إفريقيا الذي ظهرت في سنة 1926 في باريس بقيادة مصالي الحاج، انتقل هذا التنظيم إلى الجزائر سنة 1933- 1935 وتحول إلى حزب الشعب الجزائري سنة 1937، ثم إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية سنة 1946، ثم سنة 1947 أسست داخل الحركة المنظمة الخاصة، وهي منظمة سرية عسكرية مكونة من بعض مناضلي الحزب الأشدّاء هدفها القيام بعمليات عسكرية 1954.

الثورة الجزائرية

قال علي كافي في مذكراته:

كان زيغود يوسف وأعضاء وفد الولاية الثانية، في بو العرور يستعدون للتوجه إلى مؤتمر الصومام، عندما بلغهم خبر التحاق الطلبة الجامعيين بالمنطقة، وكان من أبرز الملتحقين المتطوعين من طلبة جامعة الجزائر:

  1. الأمين خان (طب)
  2. علاوة بن بعطوش (حقوق)
  3. الطبيب فرحات (رياضيات)
  4. الطاهر بن مهيدي (شقيق العربي بن مهيدي)
  5. بابا أحمد عبد الكريم (التحق فيما بعد)

كانوا طلبة في جامعة الجزائر العاصمة. ووافق زيغود عليهم وقرر الاستفادة منهم وتدعيمهم بمجلس المنطقة. فكلف علاوة بتقنين النصوص والقرارات والشؤون الإدارية. والأمين خان بتنظيم الخلايا الأولى التأسيسية لمراكز طبية عبر تراب المنطقة. أما الثلاثة الآخرون فقد كلفهم بكل ما يتعلق بالتحرير (مناشير، رسائل… إلخ) في مجلس القيادة. وكان النظام الصحي الذي أحدثه الأمين خان، يرتكز على أسلوب علمي، وكان التعليم يتم بواسطة كراسات باللغتين الوطنية والفرنسية.

بعد التحضير جاءت مرحلة الانطلاقة؛ فمثلما انطلقت الثورة في أول نوفمبر (تشرين الثاني) 1954، بعدد قليل من الشعب والأسلحة؛ كذلك بالنسبة للقطاع الصحي في الولاية. الإطارات تعد بالأصابع والتكوين بدائي فمهنم من حمل معه ما تعلمه في الكشافة إلى غيرها، حتى إلى إضراب الطلبة التحق عدد كثير منهم بالجيش، لقد كان من بينهم أطباء وجراحون فتعززت بهم صفوف الثورة وأصبحوا نواة القطاع الصحي.

قال أحمد بن بلة في مذكراته:

 

 

في الواقع بدأت الثورة الجزائرية المسلحة بسلاح قليل جدًا: 350 أو 400 قطعة من البنادق الإيطالية وصلت من ليبيا. ولقد وجدت المنظمة الخاصة عنتًا شديدًا في إدخالها إلى الجزائر بطرق ملتوية: من طرابلس إلى غدامس، ومن غدامس إلى بسكرة.

اندلاع الثورة الجزائرية في 1 نوفمبر 1954

لقد حدد على الساعة الصفر ليلة الاثنين من نوفمبر 1954، للبدء بالهجوم في وقت واحد عبر جميع المناطق، وكانت كلمة السر خالد، والإجابة عنها بعقبة.

المهام في جيش التحرير كما يلي:

  1. عباس لغرور التنسيق العام، الاتصال بمصطفى بن بولعيد لنقل الأسلحة وتلقي التعليمات.
  2. أوغيد صلاح جمع الزمر وتنظيمها.
  3. ابن عباس غزالي مهمته الإشراف العام والاتصال بالجنود الذين ينبغي إعلامهم بصورة فردية.
  4. سليم بوبكر وواجبه نقل بقية الأسلحة التي تستخدم في الهجوم، والتي كانت مخزونة في منزله.

تقسيم المناطق

وتمت عملية توزيع الزمر وتحديد أهدافها، وقسمت البلاد إلى خمس مناطق عسكرية وقاعدتين شرقية وغربية للعمليات وهي:

  1. المنطقة الأولى (أوراس النمامشة): بقيادة مصطفى بن بولعيد ونائبه بشير شيهاني.
  2. المنطقة الثانية (قسنطينة): بقيادة مراد ديدوش ونائبه يوسف زيغود.
  3. المنطقة الثالثة (القبائل): بقيادة كريم بلقاسم ونائبه عمر أوعمران.
  4. المنطقة الرابعة (لجزائر): بقيادة العربي رابح بيطاط ونائبه بوجمعة سويداني.
  5. المنطقة الخامسة (وهران): بقيادة العربي بن مهيدي ونائبه عبد الحفيظ بوصوف.
  6. النطقة السادسة (الصحراء): تم تعيين قيادتها لاحقًا.
  7. والقاعدة الشرقية.

بيان أول نوفمبر

بسم الله الرحمن الرحيم نداء إلى الشعب الجزائري

إلى الشعب الجزائري في أول نوفمبر 1954

أيها الشعب الجزائري،

أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية،

أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا -نعني الشعب بصفة عامة، والمناضلون بصفة خاصة- نُعلمُكم أن غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضح لكم الأسباب العميقة التي دفعتنا إلى العمل، بأن نوضح لكم مشروعنا والهدف من عملنا، ومقومات وجهة نظرنا الأساسية التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطني في إطار الشمال الإفريقي، ورغبتنا أيضًا هو أن نجنبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الإمبريالية وعملاؤها الإداريون وبعض محترفي السياسة الانتهازية.

فنحن نعتبر قبل كل شيء أن الحركة الوطنية -بعد مراحل من الكفاح- قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية. فإذا كان هدف أي حركة ثورية -في الواقع- هو خلق جميع الظروف الثورية للقيام بعملية تحريرية، فإننا نعتبر الشعب الجزائري في أوضاعه الداخلية متحدًا حول قضية الاستقلال والعمل، أما في الأوضاع الخارجية فإن الانفراج الدولي مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانوية التي من بينها قضيتنا التي تجد سندها الدبلوماسي، وخاصة من طرف إخواننا العرب والمسلمين.

إن أحداث المغرب وتونس لها دلالتها في هذا الصدد، فهي تمثل بعمق مراحل الكفاح التحرري في شمال إفريقيا. ومما يلاحظ في هذا الميدان أننا منذ مدة طويلة أول الداعين إلى الوحدة في العمل. هذه الوحدة التي لم يتح لها مع الأسف التحقق أبدًا بين الأقطار الثلاثة.

إن كل واحد منها اندفع اليوم في هذا السبيل، أما نحن الذين بقينا في مؤخرة الركب فإننا نتعرض إلى مصير من تجاوزته الأحداث، و هكذا فإن حركتنا الوطنية قد وجدت نفسها محطمة، نتيجة سنوات طويلة من الجمود والروتين، توجيهها سيئ، محرومة من سند الرأي العام الضروري، قد تجاوزتها الأحداث، الأمر الذي جعل الاستعمار يطير فرحًا ظنًّا منه أنه قد أحرز أضخم انتصاراته في كفاحه ضد الطليعة الجزائرية.

إن المرحلة خطيرة.

أمام هذه الوضعية التي يخشى أن يصبح علاجها مستحيلًا، رأت مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين التي جمعت حولها أغلب العناصر التي لا تزال سليمة ومصممة، أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الوطنية من المأزق الذي أوقعها فيه صراع الأشخاص والتأثيرات لدفعها إلى المعركة الحقيقية الثورية إلى جانب إخواننا المغاربة والتونسيين.

وبهذا الصدد، فإننا نوضح بأننا مستقلون عن الطرفين اللذين يتنازعان السلطة، إن حركتنا قد وضعت المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات التافهة والمغلوطة لقضية الأشخاص والسمعة، ولذلك فهي موجهة فقط ضد الاستعمار الذي هو العدو الوحيد الأعمى، الذي رفض أمام وسائل الكفاح السلمية أن يمنح أدنى حرية.

ونظن أن هذه أسباب كافية لجعل حركتنا التجديدية تظهر تحت اسم: جبهة التحرير الوطني.

و هكذا نستخلص من جميع التنازلات المحتملة، ونتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية، وجميع الأحزاب و الحركات الجزائرية أن تنضم إلى الكفاح التحرري دون أدنى اعتبار آخر… إلى آخر البيان.

فاتح نوفمبر 1954 الأمانة الوطنية.

هجوم 20 أوت 1955

يعتبر هجوم 20 أغسطس (أوت) 1955 بمثابة نفس جديد للثورة؛ لأنه أبرز طابعها الشعبي ونفى الادعاءات المغرضة للاستعمار الفرنسي، ودفع الأحزاب إلى الخروج من تحفظها والانضمام إلى جبهة التحرير. إذ عمت الثورة العارمة جميع أجزاء الشمال القسنطيني، واستجاب الشعب تلقائيًّا، بشن عمليات هجومية باسلة استمرت ثلاثة أيام كاملة كلفت تضحيات جسيمة في الأرواح، لكنها برهنت للاستعمار والرأي العالمي بأن جيش التحرير قادر على المبادرة، وأعطت الدليل على مدى تلاحم الشعب بالثوار.

مؤتمر الصومام

كان من أهم النتائج التي تمخض عنها هذا الاجتماع هي توحيد النظام العسكري والسياسي، حيث وضعت رتب عسكرية والعلامات التي ترمز لها، وضع خريطة جديدة للجزائر وفقًا لظروف الحرب آنذاك وتحسين مستوى المبادرة، والتعاون والتنسيق بين مختلف القوى المشاركة في الثورة في ذلك الزمان، وتقرر استبدال تسمية المنطقة باسم الولاية، والناحية بالمنطقة، والقسم بالناحية، إضافة إلى أحداث القسمة، ومنطقة العاصمة المستقلة، واتحاديات جبهة التحرير الوطني في فرنسا والمغرب وتونس.

ولم يمر على الثورة سبع سنوات حتى قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة توصية اللجنة السياسية القاضية بحق الجزائر في الاستقلال، فدفع فرنسا إلى قبول التفاوض مع جبهة التحرير الوطني.

مفاوضات إيفيان

بين 6 و17 رمضان 1382هـ الموافق 10 و17 فبراير (شباط) 1962، التي تعثرت أول الأمر، لكنها أدت في النهاية إلى عقد اتفاقيات إيفيان بين الطرفين قضى بوقف إطلاق النار، وقد جرى إثر ذلك استفتاء أبدى فيه الجزائريون رغبتهم الأكيدة في الاستقلال، فتم إعلان استقلال الجزائر في 27 يونيو (حزيران) 1962، واعترفت الدول به.

انتهت الحرب بإعلان استقلال الجزائر في 5 يوليو (جويلية) 1962، وهو نفس التاريخ الذي أعلن فيه احتلال الجزائر في سنة 1830. وقد تلا إعلان الاستقلال الجنرال شارل ديغول عبر التلفزيون، مخاطبًا الشعب الفرنسي. جاء الاستقلال نتيجة استفتاء تقرير المصير للفاتح من يوليو، المنصوص عليه في اتفاقيات إيفيان في 18 مارس (آذار) 1962، وأعلن على إثره ميلاد الجمهورية الجزائرية في 25 سبتمبر (أيلول) ومغادرة مليون من الفرنسيين المعمّرين بالجزائر منذ سنة 1830.

Embed from Getty Images
وإلى هنا قد انتهيت، وتم بحمد لله ما جمعت، سميتها بالتذكرة لثورة التحرير العَطِرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تاريخ الجزائر من قبل التاريخ إلى غاية الاستقلال
عرض التعليقات
تحميل المزيد