بعد سقطاته المتتالية هل سينجح الإعلام الجزائري في مصالحة الجماهير وكسب ثقتهم؟

في سابقة هي الأولى من نوعها، بعد ما يتجاوز العقدين من الزمن، وبتاريخ 22 من فيفيري- فبراير (شُباط)، شهدت العاصمة الجزائر مظاهرات شعبية، ومسيرات حاشدة، وسيولًا بشرية في كافة شوارعها؛ منددة بترشيح الرئيس المنتهية ولايته، لعهدة جديدة، المسيرات أيضًا تزامنت مع خروج الآلاف من المعارضين لهذا الترشّح في أغلب ولايات ومدن البلاد، رافعين شعارات مناهضة لترشح الرئيس، ومعارضين للعهدة الخامسة، ومطالبين السلطة الحاكمة بالعدول عن هذا الإجراء، وكذلك مطالبين بالديمقراطية، والحرية، وضرورة التغيير السياسي، ومبدأ التداول على السلطة.

خرج المتظاهرون رافعين الأعلام الوطنية، ولافتات ضد العهدة الخامسة، وهتفوا بذلك، كما أكّدوا على سلمية المظاهرات وتعبيرهم بشكل حضاري، بعيدًا عن الفوضى والعنف، ورسموا لوحات فنية راقية، حيث لم تشهد المسيرات أعمال عنف أو شغب، رغم العدد الهائل من المواطنين الذين خرجوا للتعبير عن رأيهم، وعرفت المسيرات حضورًا أمنيًّا مكثّفًا؛ لتأطير المسيرات، وتجنب حدوث انزلاقات أمنية -وهو ما لم يحدث-، بل تداولت وسائل التواصل الاجتماعي صورًا إنسانية تعكس الوعي الكبير بين المواطنين، رسمتها صور تبادل الورود بين المواطنين ونظرائهم في قوات الأمن، وكذا قيام المواطنين بتنظيف الشوارع والساحات العامة بعد انتهاء المسيرات؛ عاكسة بذلك الرقي والسلوكات الحضارية والعلاقة المتينة بين الطرفين، ليثني الجميع في الأخير على تصرفات الطرفين؛ المواطنين السلميين الحضاريين، وقوات الأمن التي أطرت المسيرات بشكل مهني واحترافي.

في البداية مظاهرات ومسيرات شعبية حاشدة.. ووسائل الإعلام المحلية الغائب الأكبر!

انطلقت المسيرات لتجوب شوارع العاصمة الجزائر، وكبريات المدن الجزائرية، بل شملت جميع بلديات الوطن، حدث هذا مقابل تجاهل تام لنقل تفاصيل وأحداث هذه المظاهرات، من قِبل القنوات التلفزيونية الخاصة والعمومية، حيث لم تتناقل الأحداث ولا الصور مباشرة من عين المكان، بل لم تشر إليها حتى في شريط الأخبار خاصتها في أسفل الشاشة، بل تعدى الأمر ذلك، وواصلت القنوات حصصها بشكل عادي وكأنّ شيئًا لم يحدث، في عبارة واضحة مفادها أنه لا تغطية من قريب أو من بعيد لمسيرة الشعب السلمية والحضارية، وأن القنوات الخاصة ووسائل الإعلام المحلية قد حسمت توجّهها من قبل، ولبست ثوب الطاعة والولاء للنظام الحاكم والمساند لترشّح الرئيس، وهو عكس ما جاءت به المسيرات والمظاهرات السلمية المعبّرة عن رفضها التام لترشيح هذا الأخير، الجدير بالذكر أن قنوات إقليمية وعالمية سارعت لنقل مجريات الأحداث في الساحة الوطنية والسياسية، بل وفتحت مجالات عديدة للنقاش والحوار، وأقامت حصصًا مع العديد من السياسيين والشخصيات البارزة في الجزائر، وخارجها حول هذه الأحداث.

مواقع التواصل الاجتماعي بدورها عرفت زخمًا غير مسبوق، وكانت الإعلام البديل لتلك القنوات التي عزفت عن تغطية هذه الأحداث، حيث حضر الجميع، وكان الغائب الوحيد الإعلام المحلي، في رسالة واضحة مفادها التبعية والموالاة للنظام الحاكم ولمرشّح السلطة، ضاربين بأخلاقيات المهنة والعمل الصحفي عرض الحائط، وطغى تغليب المصالح الشخصية والتوجهات الموجّهة.

وكالة الأنباء الجزائرية المحسوبة على الإعلام العمومي والسلطة الحاكمة أصدرت بيانًا خاصًا بالأحداث، ونقلت صوت الشعب المنادي بعدم ترشح الرئيس لعهدة جديدة والعدول عن ذلك، رغم أن البيان كان سطحيًّا ولم يعطِ تفاصيل كثيرة، بل ولم يبلور مطالب الحراك الأساسية، إلّا أنه أعطى نوعًا من المصداقية المفقودة ولو نسبيًا، على عكس القنوات التلفزيونية العمومية والخاصة التي لم تتطرّق للموضوع أساسًا، إلّا بعد بيان وكالة الأنباء الجزائرية، والذي أعطى نوعًا من الجرأة لتلك القنوات والتي اكتفت بالتعليق على الموضوع، بأنّه خروج بعض المواطنين في مسيرات سلمية مطالبة بإصلاحات سياسية، لتضرب هذه القنوات مصداقيتها في الحائط في خطوة وصفها كثيرون بالغبية، وغير المدروسة، أو المتعمّدة لخدمة جهات معينة، والتي فضحت السياسات المتّبعة وممارسة التّعتيم والتضليل بامتياز.

الإعلام الجزائري فشل في اختبار أخلاقيات العمل الصحفي ونقل الحقائق.. وأكدّ بصفة نهائية انعدام المصداقية والمهنية

عدم تغطية الإعلام الجزائري للحراك الشعبي في بدايته، أو مواكبة الأحداث أولًا بأول، بل تجاوز الأمر ذلك إلى تضليل الرأي العام، وتشتيت الأفكار، والرسائل التي حملها الشعب إلى السلطة، أدّى إلى حدوث موجة سخط عارمة لدى الشعب الجزائري، الذي اعتبر أنّ الأمر مسيّس، ولا يمت بصلة لأخلاقيات المهنة، والعمل الصحفي، موقف الإعلام الجزائري الأخير خاصة القنوات التلفزيونية جاء ليؤكّد سقطات سابقة، وغياب عن تغطية أحداث أخرى في الساحة الوطنية، حيث تعمّد عدم تسليط الضوء عليها بطريقة تثير الكثير من الشكوك، كما لاحظ الشعب انحيازه إلى أطراف وشخصيات معينة في العديد من المحطات بغض النظر عن الحقائق أو المعطيات في الميدان، لتتراجع بذلك مصداقية الإعلام والقنوات الخاصة بشكل رهيب خلال الأشهر الأخيرة، وكان ذلك نتاجًا لتراكمات كثيرة كرّست هذه النظرة السوداء التي تشكّلت حوله، حيث اتّجه المواطن الجزائري إلى الفضاء الأزرق، وشبكات التواصل الاجتماعي؛ لسدّ النقص الفادح في المصادر والمعلومة الموضوعية، والحقيقة الغائبة عن وسائل الإعلام المحلية والوطنية.

تسارع الأحداث في الساحة الوطنية عاد بالسلب على هذه القنوات التلفزيونية، التي سرعان ما فُضحت سياساتها المحابية لأطراف محسوبة على النظام أو النظام نفسه، والتي كانت الجماهير تطالب برحيله في مسيرات عُدّت بالملايين عبر كامل تراب البلاد، كل هذه المؤشرات والمعطيات فوق الميدان لم تكفِ القنوات التلفزيونية للوقوف مع إرادة الشعب في أول الأمر، بل غابت عنها بصيرة العمل الصحفي واحترافية المهنة، حتى جزمت الجماهير وأعطت الحكم النهائي لها بفقدان الشرعية الإعلامية والأخلاقيات الصحفية، لتسقط هذه القنوات سقطة هي الأكبر لها منذ إنشائها، ولتكرّس تاريخها الحافل بالسقطات والخَرَجات غير المألوفة والغريبة عن عادات وتقاليد وقيم المجتمع الجزائري؛ والنتيجة كانت نقمة الجماهير، وانقطاع الروابط بينهما رغم هشاشتها، إن لم نقل انعدامها حتى قبل بداية المسيرات السلمية، والمظاهرات الرافضة للنظام ورموزه.

بعد الأسبوع الأوّل من المسيرات الشعبية السلمية.. ما الذي تغيّر؟

التفاعل الكبير على شبكات التواصل الاجتماعي في ظل غياب التغطية الإعلامية للقنوات التلفزيونية، كان الحدث الأبرز الذي واكب الأحداث المتسارعة، والمسيرات الشعبية الحاشدة المنددّة بالعهدة الخامسة، والمطالبة برحيل رموز النظام، ومطالب شعبية أبرزها قضايا الفساد والظلم الاجتماعي، ولعلّ نقطة التحوّل كانت خروج آلاف الطلبة في يوم الثلاثاء الموالي للجمعة التاريخية الموافقة لـ 22 فبراير التي كانت بمثابة الانطلاقة الفعلية لكسر حاجز الصمت، وبزوع شمس الحرية في الأفق، الأحداث لم تتوقف هنا لتلتحق مختلف التشكيلات والفئات الاجتماعية والمهنية في هذا الحراك، ليمسّ مطلب الحرية قطاع الإعلام ولو بنسبة ضئيلة لبعض الصحفيين الذين ندّدوا بسياسة تكميم الأفواه، والمضايقات الممارسة عليهم على حدّ تعبيرهم، والتي لم تسمح لهم بتغطية الحراك في بداياته، ونقل الحقائق للمواطن الجزائري.

توالت خَرَجات الإعلام الجزائري في مرحلة تواصل المظاهرات والمسيرات السلمية، فمنها من بدأ بتغطية الحراك بتحفّظ، ومنها من واصل سياسته السابقة بممارسة التعتيم والتظليل المُغرض؛ خدمة للمصالح الضيقة، وخوفًا من نقمة وليّ النعمة الذي يدين بالولاء للنظام الحاكم، المانح لصفقات وامتيازات لهذا الأخير على حساب أخلاقيات المهنة، وفي سبيل تلميع الصورة وتوجيه الرأي العام فيما يخدم المصالح واستمرارية الهيمنة، والإمساك بمفاتيح السلطة، كل هذه المعطيات على الساحة الإعلامية زادت الوضع غموضًا، ورسمت الصراعات الموجودة داخل المنظومة الحاكمة، ليصبح الإعلام في الجزائر بين مطرقة الشارع، والحشود المنددة بسياساته، وسندان النظام الحاكم الطامح إلى احتواء الوضع، ومواصلة السيطرة على مقاليد الحكم.

المؤسسات الإعلامية في الجزائر راقبت الأحداث عن كثب، لترتّب أوراقها من جديد، وتحاول التموقع وسط الجماهير المحتلة للشوارع والساحات العامة، في محاولة يائسة وبائسة لاستعادة نوع من المصداقية المفقودة أصلًا، وفي محاولة لبناء صورة جديدة لها رغم علمها التام أن الفرص لا تمنح كل مرة، وإنما المواقف من تصنع الثقة، وتكسب الرضا، وهو ما لم يتحقق من قبل، حيث أجمع المتتبّعون للشأن السياسي والإعلامي الجزائري أنّ كل منهما قد نخره الفساد، وهوى به في وادٍ سحيق، بعيدًا عن عالم الاحترافية، وصناعة مستقبل الأجيال، والنهوض بالوطن والمساهمة في عملية التنشئة، والبناء الفكري والثقافي الهادف.

الإعلام الجزائري نموذجًا عن باقي القطاعات الأخرى.. لا بد من تحرّره واجتثاث جذور الفساد منه

خَرَجات الإعلام الجزائري بكل أطيافه أعطى صورة عن الوضع المترهّل والمهترئ لقطاع الإعلام والاتصال، وموضوعية العمل الصحفي، ومصداقيته، ونصرته للقضايا العادلة، ونقل المعلومات والحقائق للشعب بكل حيادية وبدون تحريف، وهو ما غاب عنه في أغلب الأحيان إن لم نقل معظمها، في وضع شبيه لأوضاع قطاعات أخرى لا تقل أهمية ومكانة من هذا الأخير، فالمجال السمعي البصري في الجزائر كان له حصة الأسد من الفساد الإداري، والقوانين الوضعية، والسياسات اللامدروسة والعشوائية في التسيير، فسلطة الضبط السمعي البصري لم تحظ بالاستقلالية، ولم تتمكن من أداء عملها بشكل واضح حتى الآن، ولا يزال يُطرح العديد من الإشكالات والتساؤلات حول عمل هذا الجهاز، الذي يمثل أداة للتنظيم والرقابة، وله أهمية بالغة في سير القطاع خاصة في مجال البث التلفزيوني، وإعطاء التراخيص والاعتمادات للراغبين في إنشاء قنوات تلفزيونية، والجدير بالذكر أن الميدان عرف إنشاء عشرات القنوات التلفزيونية أغلبها إن لم نقل جميعها لا تملك اعتمادًا للعمل في هذا المجال، على الرغم من مرور أكثر من 6 سنوات على قرار فتح المجال للخواص في هذا القطاع، وصدور القانون السمعي البصري في تلك السنة، ونخص بالذكر سنة 2012 تحديدًا.

على الرغم من أن عدد القنوات التلفزيونية الخاصة يزداد يومًا بعد يوم، إلا أنّه لا توجد قفزة نوعية في هذا المجال، ولا تزال البرامج والمحتويات الإعلامية بعيدة عن تطلعات المواطن الجزائري، ولا تزال في نظر الكثيرين تبتعد عن الاحترافية والمهنية، وتفتقر للإتقان والإبداع، وذلك مقارنة بقنوات عربية أخرى بلغت مستوى عاليًا في الأداء، وسايرت القنوات الكبرى، ودقّت باب العالمية، وكان لها التأثير الكبير في صناعة وتكوين الرأي العام على جميع الأصعدة؛ ومنه فإن الإعلام الجزائري لا يزال رهينًا لسوء التسيير، واقتحام الغرباء والمتطفّلين من جهة، وللتبعية والتضييق من جهة أخرى، وذلك في غياب أداة واضحة من شأنها رسم الخط والطريق الواضح نحو مواكبة التطور والاحترافية في الأداء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد