كانت الجزائر من بين البلدان التي انفتحت على التعددية الإعلامية في نهاية ثمانينات القرن الماضي بفعل أحداث 5 أكتوبر 1988 وقدمت بذلك تجربة كبيرة في المهنية والجدية بفضل مجهودات قدمها عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين الذين راحوا فيما بعد ضحايا لأحداث العنف التي رافقت فترة التسعينيات الدامية من القرن الماضي، وتدل شهادة سابقة قدمها الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي دليلاً كبيرًا على دور الصحافة الجزائرية إقليميًا في الوقوف إلى جانب عدد كبير من المناضلين السياسيين الجزائريين والتونسيين في وقت كانت كل المؤسسات الإعلامية في المنطقة مغلقة في وجه مناضلي القضايا العادلة في قمة بطش نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وبعد مرور ما سمي بعشرية الدم السوداء بكل مخلفاتها المأساوية على الأسرة الإعلامية الجزائرية وهي التي عرفت هجرة واغتيال مئات الصحفيين بفعل عمليات إرهابية منظمة استهدفتهم في كل مكان، تحسنت الظروف الاقتصادية العامة للبلاد وتطور المشهد الإعلامي على المستوى العالمي والعربي والمغاربي مع الدخول في عالم القرن الواحد والعشرين الذي عرف بدوره تطورات مذهلة في التقنيات التكنولوجية في عالم الاتصالات والإنترنت وفضاءات التواصل الاجتماعي.

لكن اليوم يتساءل كثير من المهنيين والمراقبين لشؤون الإعلام في الجزائر عن وضعية قطاع الإعلام والاتصال في ظل الفوضى الذي يشهده وانعدام النية لدى الحكومة لاتخاذ تدابير إجرائية في تنظيمه وترتيب بيت الصحفيين الداخلي خاصة مع بروز القنوات الفضائية الخاصة.

 

ويمكن تحديد بعض النقاط التي نراها تمس بأبجديات العمل الإعلامي في الجزائر من دون وجود نية صادقة لدى السلطات لوضع حد لفوضاها الواضحة:

  • إهمال إعادة الاعتبار للمجلس الأعلى للإعلام رغم التنصيص عليه في أول قانون للإعلام تعددي لسنة 1990 باعتباره سلطة إدارية مستقلة ضابطة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي تعمل على السهر على أحكام القانون.
  • أين هي سلطة ضبط الصحافة المكتوبة التي نص عليها قانون الإعلام لسنة 2012؟ بالرغم من أننا نجزم بأن المشكل ليس في القوانين ولكن في التطبيق ليس إلا.
  • ما موقع سلطة ضبط السمعي البصري باعتبارها سلطة مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي؟ وبما أن هذا “الجهاز” يبقى أحد أهم أدوات السلطة الفعلية في مراقبة وحتى “مشاكسة” القنوات الفضائية التي تتبنى خطـًا تحريريًا معارضًا لتوجهات السلطة القائمة.
  • ثم لماذا يبقى الأعضاء التسعة لهذه السلطة الرقابية معينين من طرف السلطة السياسية الفعلية، بما فيها رئيسها الذي يختاره رئيس الجمهورية وباقي الأعضاء يعينون بالقسمة من طرف رئيسي غرفتي البرلمان السفلى والعليا، أليس هذا برهانـًا كافيًا للقول إن هذه السلطة أداة من أدوات النظام القائم للتحكم في الإعلام الجديد كسلطة رابعة؟ هذا من دون الحديث على عدم التعيين الرئاسي لحد الساعة لمن يخلف رئيس السلطة السابق مولود شرفي الملتحق بالثلث الرئاسي في مجلس الأمة.

ومع كل هذا وجب القول إن تحرير قطاع السمعي البصري جاء مفروضًا على السلطة بفعل موجات التغيير العنيفة التي مست بلدان المشرق والمغرب وبالرغم من التأخر الذي عرفته بلادنا في هذا المجال الحساس مع كل الكفاءات التي تشهدها الجزائر ومباشرة إصلاحات جذرية إلا أنه تنعدم الإرادة الواضحة لدى حكومة الوزير الأول عبد المالك سلال لترتيب هذه القنوات ومنحها كامل الفرص للنشاط من داخل الجزائر باحترام القانون سواء الإعلام أم المتعلق بالنشاط السمعي البصري، هذا الانفتاح “الارتجالي” إن صح التعبير عكره قرار الغلق والتشميع الذي مس قناتين فضائيتين كانتا تشغلان عددًا معتبرًا من الصحفيين والتقنيين هما قناتا “الأطلس” و”الوطن” بقرارين قضائيين لمجرد مواقف سياسية كانت تعاكس توجهات حكم الرئيس بوتفليقة وتساير جماعة المعارضة المناوئة لنظامه القائم مع أنهما لم يكن يعترف بهما قانونيًا؛ لأن القاعدة العجيبة التي فرضتها وزارة الاتصال هي “قناة أجنبية برأسمال مالي وبشري وطني تخضع للقانون الجزائري”.

كما لا يجب إغفال واقع ما يجري داخل بعض هذه المؤسسات من هضم لأبسط حقوق الصحفيين في الضمان الاجتماعي والتأمين والأجرة المحترمة وحقوق العطل إلى غير ذلك، وتدل شهادات كثير من الصحفيين الذين هضمت حقوقهم ولم يجدوا بابًا واحدًا لقرعه وإسماع انشغالاتهم، إضافة إلى حقيقة التكوين الغائب، بالرغم من أن القانون يفرض تخصيص نسبة معتبرة من عائدات المؤسسة في تكوين الصحفيين.

وفي الوقت الذي تبقى فيه بعض الصحف التي تعد على أصابع اليد الواحدة كأعمدة للديمقراطية وحرية التعبير بالنظر لاعتمادها على خبرتها الكبيرة في العمل الصحفي والمستمدة من جذور التحول الديمقراطي الذي شهدته الجزائر مع انهيار معالم الحزب الواحد نهاية الثمانينات الماضية يستخدم الإشهار في وجهها كورقة ضغط من طرف السلطة لخنق ما تبقى في المشهد الإعلامي من وجود مهني حقيقي، وكأننا لا نأبه بالتغييرات والمستجدات التي تمس عالم الميديا في العالم، آخرها قرار الصحيفة البريطانية “ذي إندبندنت” بوقف نسختها الورقية، هذا لم يحرك “أباطرة” كومات الصحف والجرائد عندنا ليفهموا أن مستقبل الإعلام المكتوب أضحى في خبر كان، ومواصلة التوهم أنه بمص ضرع الوكالة الوطنية للنشر والإشهار سيحققون الثروة فإنهم واهمون لأن حقائق التاريخ لا ترحم.

وبما أن الكفاءات الإعلامية الجزائرية هاجرت في التسعينات بدعوى الظروف الأمنية القاهرة وتواصل مسلسل اغتيال الصحفيين، فإنه اليوم بماذا سيفسر رحيل أي صحفي وهجرته خارج البلاد في ظل حديث السلطة وأذنابها عن إصلاحات سياسية ودستورية؟ نعتقد أن واقع الإعلام الجزائري يفرض نظرة جديدة سواء من المهنيين أم الصحفيين الذين بيدهم سلطة التأثير لتغيير المنحى الحاصل واتخاذ جملة من الإصلاحات وميثاق شرف مهني لمنع أي ضرب في مصداقية الإعلام الوطني داخليًا أو خارجيًا؛ ولأن الإعلام اليوم تؤكده المنافسة الإقليمية فإن المعادلة المنطقية تقول إذا لا تؤثر في الداخل فإنك لن تؤثر في الخارج، بعيدًا عن نظرة السلطة الضيقة لهذا الأمر التي كشف عنها رئيس سلطة ضبط السمعي البصري السابق مولود شرفي بقوله في أكثر من مرة “إنه من بين مزايا القنوات التلفزيونية الخاصة أنها أوقفت مشاهدة القنوات العدائية للجزائر..”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد