في كل الدول التي تحترم شعبها، تراهن مختلف حكوماتها المتعاقبة على وضع آليات دقيقة وواضحة المعالم، يختارها الشعب بأسلوب ديمقراطي؛ لمراقبة طريقة تسيير الموارد المالية التي توجهها إلى جميع القطاعات، حتى تضفي الشفافية الكاملة على حركة الأموال، ويتم طبعًا إعلامها للرأي العام الوطني أولًا بأول، حتى يطلع عليها ويطمئن على أمواله من أين أتت، وأين وكيف صرفت. و هو طبعًا أمر طبيعي للغاية.

أما في الجزائر، فالأمر مغاير تمامًا؛ فالضبابية والعشوائية والارتجالية وعدم وضوح الرؤية  هي كلها صفات ما فتئت تلازم طريقة تسيير أموال الشعب الجزائري منذ العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة.

ألف مليار دولار هو رقم ضخم درته الجباية البترولية على الخزينة الجزائرية، هذا البترول الذي، وكما كشف عنه أحد أعوان الجمارك سابقًا، كان يسوق في الدول الأوربية بدون رقابة: فلا يعرف حتى مقدار الكمية التي تضخها المحطات، وبالرغم من خطورة القضية، إلا أن العدالة الجزائرية لم تتحرك، و لم تولها أدنى اهتمام، بل على النقيض من ذلك، عمدت إلى مضايقة هذا الجمركي البسيط؛ فتمت إقالته تعسفيًا وتابعته قضائيا وزجت به إلى السجن ظلمًا وبهتانًا، ثم فر بجلده إلى خارج الوطن.

وبالرغم من البحبوحة المالية التي صاحبتها مشاريع إنمائية تم إطلاقها منذ 1999، إلا أنها  أنجبت لنا فضائح مدوية لا نكاد نحصيها، بداية من مشروع الطريق السيار شرق غرب تحت الرعاية السامية  للوزير «عمار غول» هذا الوزير الذي لا يكاد يضع قدمًا في وزارة إلا وترك وراءه فضائح جديدة تنسينا سابقتها؛ ليصل به قطار الفساد إلى مجلس الأمة حتى يتنصل من المساءلة القضائية، على الأقل لمدة 06 سنوات سيقضيها في الغرفة العليا؛ بسبب تمتعه بالحصانة البرلمانية ضمن الثلث الرئاسي، مرورًا  بمسلسل فضائح مسلسل «سوناطراك» الذي أخرج حلقاته وزير الطاقة السابق «شكيب خليل»، و في نهاية المطاف لجأ إلى الزوايا؛ ليكفر عن ذنوبه ويشتري صكوك الغفران من شيوخها.

وهطلت الفضائح تباعًا، الفضيحة تلو الأخرى من «بنما بيبرز» التي كان أبطالها وزراء في الدولة، تواطأ معهم أبنائهم في تهريب الأموال بطريقة مشبوهة إلى الخارج، إلى القنبلة التي فجرها وزير السياحة عبد الوهاب نوري، عندما اتهم مسؤولون كبار بالاعتداء على الجيوب العقارية فيما بات يعرف «بملف الفضاء السياحي دنيا بارك بدالي إبراهيم بالعاصمة».

وأقيمت محاكمات صورية، استبعد منها جميع وزراء هذه القطاعات المنكوبة من المساءلة القضائية، بالرغم من تورطهم في تبديد الأموال العمومية ، فسجن من سجن، و برئ من برئ، من السمكات الصغيرة، أما الحيتان الضخمة فلم يتم سماعهم من طرف العدالة، ولو حتى كمجرد شهود , فحق فيهم قول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الوزراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد