بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين أما بعد:

فلمْا كانت الممارسات السياسية عامةً، وتلك التي يشملها التاريخ السياسي للجزائر خاصةً، من الظواهر الإنسانية التي قد يجد فيها الباحث صعوبة* في التحليل كونُه فاعلًا فيها (حاكمًا أو محكومًا) إذ تشُوبُها الذاتية أو يشُوبهُا حُسن التمييز، سَيجد الباحث في أحكام الشريعة الإسلامية مَقاصد ومَنهَجًا قيميًّا لتنظيم حياة البشر، بما فيها الحياة السياسية، فَيَسُود النظام، وتُصان الحقوق والمصالح.

وليُتمْ الله نعَمَه على عباده، استوجب على العبد العاقل بأن يُدرِك مجموعةً من الفواعل التي متى أتاها عقيدةً وعملًا تحققت فيه آية الله في قوله: «والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر».

الإدراك الأول: من العقيدة إلى الشعيرة وليس العكس

وهنا يأتي دور علماء الجزائر ممًن يُشهد لهم بالإخلاص وحُسن السريرة والعلم الشرعي، جاعلين لبنَة خطابهم الديني أو الدَعَوي “«فِقهُ عقيدةِ الإسلام ومَقاصده لحُسن التديُن». ذلك حتى يتخلص المسلم الجزائري من سلوك التديُن النمًطي، والذي قد يَضِل به ويُضِل من يُخالِطُه من الناس، إلى التديًن المُعتقَدي الخالص، والذي استنفذ مقاصد الشريعة الإسلامية كلها في دنيا تتقلب ولا يُبالي بها أصحاب الهِمَمُ العالية.

ذلك أن سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، أدرك في دعوته بمكة بأن قوة الأداء من قوة العقيدة، متى وَرَدَ منها العبد َبانَ أثرُها في حياته من العبادات التي يأتيها يقينًا لا تقليدًا ولا تسليمًا. ومتى أدرك المسلم الجزائري واعتقد بأن الإيمان بالله مَشروط بِطاعته في كل ما أمَر والإنتهاء عمّا نَهى، انشرح صدره وكان لذلك مظاهر عدة في حياته، أبرزها إقامُ الصلاة «حبًّا وشُكرًا وامتِثالًا لله».

ومتى أدرك المسلم الجزائري واعتقد بأن الإحسان هو إدراكٌ مَعية الله الدائمة في كل حال، قَوِيَ إخلاصُه في الدين وكانت أعمالُه كلُها في السر والعَلَن صلاحًا وحُسنًا. ومتى أدرك المسلم الجزائري بأن طاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من طاعة الله وسَلم بذلك، اقتدَى بٍرسوله خُلُقًا وعمَلًا.

ومتى أدرك المسلم الجزائري بحقيقة الموت واليوم الآخر، عمل لدُنياه كأنه يعيش أبدًا ولآخرته كأنه يموت غدا، فَيَسُود بذلك الإخلاص في الأعمال والورَع، وكانت حياته رسالةً إيمانية.

الإدراك الثاني: ما وراء الصلاة

إذا تحقق الإدراك الأول، سيُدرك المسلم الجزائري بأن الصلاة تحملُ في طٍياتها أسرارًا، إذ هي الامتثال، والتكبير، والحمد والتعظيم لشعائر الله، وراحة للنفس ودُعاء ورَجَاء. كما تضمن منهج الله، عز وجل، قاعدةً تخُص الصلاة كونُها شعيرة ما إن جر تعظيمها وأداؤها إخلاصًا وإدراكًا، ظهَر أثُرها في حياة البشر، إذ نلمس هذه القاعدة في قوله تعالى:«إنً الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر».

وبذلك يتحقق البُعد الروحي للمسلم الجزائري المُلازم للذكر والدعاء، فعَاش في مَعية الله حاكمًا أو مَحكومًا وبقيَ أن يُدرك فاعل آخر ألا وهو العمل حتى يكتمل فيه البعد المادي النافع والنابع عن صفاء الروح.

الإدراك الثالث: الإسلام اسمُ وفعل

هكذا وصفَه أمير البيان شكيب أرسلان، إذ لما كانت المعادلة الإلهية في الكون تقتضي أن يكون العبد ساعيًا وراء الأسباب، استوجب أن يكون سعيُه هذا بعد التوكل على الله بالعلم والعمل، فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل.

فكان تقديس الشرع للعمل بأن جعَلَه في مستوى العبادات متى أخلَص صاحبه ذلك لله وحده، كما جَعَل إتقان العمل مما يُحبه الله، فقُضيت المصالح وسادت الجودة في أعمال الجماعة.

وكذلك السياسة والحُكم متى كان وَلي الأمر مُدركًا لكل ذلك، وكانت حاشيتُه من الذين وُصفُوا بالتواصي بالحق والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الإدراك الرابع: التقوى والكفاءة ثم المسؤولية

ذلك أن الله، عز وجل، جعَل من مَخارج الأزمات شرطَ تَقواهُ سابقًا، كما اشترط الإتقان في العمل الذي يتطلب علمًا وكفاءة، فإن تَوَلى مسؤولية ما، كانت لإدراكاته السابقة وجاء له من كل فتنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد