منذ أكثر من ثلاثة أشهر وللجمعة السابعة عشرة على التوالي يواصل أكثر من 40 مليون جزائري وعبر 48 محافظة عبر ربوع الوطن، حراكهم الشعبي الواسع الذي أبهر العالم بسلميته، تنظيمه، ووعي وثقافة شبابه الذين أرادوها ويريدونها ثورة سلمية حضارية ونهضة إستثنائية تاريخية، متحدين سلطة جثمت فوق الرقاب لأكثر من 20 سنة وأبت إلا أن تزيد قليلًا، حولت البلد إلى خرابة كبيرة كانت أمورها لتكون أفضل لو كان تسييرها وتسيير ثرواتها الكبيرة عادلًا، تزينه نية إصلاح البلاد وتحسين حال العباد، عوض البحث عن مصالحهم الشخصية ومصالح أخرى أجنبية.

وفي الوقت الذي تتواجد فيه العيون والأبصار شاخصة نحو الحراك الشعبي، نتائجه، ومخلفاته التي بدأت تقطف ثمارها تدريجيًا، تخطف كرة القدم الاهتمام مجددا مع استعادة المنتخبات الوطنية الأفريقية لعجلة دوران نشاطها، والشعب الجزائري – كغيره من الشعوب – مدمن على هذه الرياضة عاشق لها حد النخاع، ودائمًا ما كانت الأفيون الأكثر تأثيرًا عليه، وبكل ما لها من سلبية لها بعض الإيجابية فهي التي كانت يومًا ما مدرجاتها الفتيل الذي أوقد نار الثورة، والتي كانت منابر لإسماع صوت الحق، حين كانت كل المنابر للاحتجاج على حال الوطن مغلقة، فلم تكن ولا تزال تترك أي فرصة كانت لمحاولة علاج قضايا الوطن الداخلية سياسية كانت، أو اجتماعية أو ثقافية وغيرهما، تعطي انتقادها للسلطة عن الواقع المعاش ومحاولة تحسين الأوضاع والمناداة بالتغيير.

ترمي الآن ومجددًا قليل النظرات لكتيبة جمال بلماضي قائد النخبة الوطنية التي ستحمل الراية الجزائرية في كأس الأمم الأفريقية بين جنبات دولة مصر وملاعبها لكرة القدم في المحفل القاري الأبرز الذي يجمع المنتخبات الوطنية الأقوى في القارة، والتي تبحث عن المجد القاري لترصع الصدور بالميداليات وتنقش الأسماء من ذهب في تاريخ القارة ومسابقتها.

يعتبر المنتخب الوطني الجزائري مصدر سعادة حينًا وتعاسة حينًا آخر لكل الجزائريين بحسب النتائج المحققة إن كانت حسنة أو سيئة، وفي الوقت الذي يهتم فيه البعض فقط بكرة القدم الجزائرية دون الآخر عمومًا، يهتم الكل دون استثناء بأمور المنتخب الوطني خصوصًا، سواءً الصغير أو الكبير أو حتى غير الشغوف بالكرة يسأل عن نتائجه لمجرد السؤال فقط، وما أحداث السنوات العشر الأخيرة إلا مثال عن ذلك، سنوات خرج فيها الشعب أفرادًا وجماعات بالملايين فرحين ومهللين بتأهلين لكأس عالمية، فرحة كانت منقوصة دائما حين كان الكثير يبكي لوقائع تلي ذلك أكثر أهمية من الجلد المنفوخ فينسي الهم والغم ما كان من فرح وسعادة قبل حين.

أمور الفريق الوطني الجزائري بقيادة الناخب جمال بلماضي وقبل الكأس الأفريقية بأيام فقط تسير بشكل حسن مع بعض المخلفات السلبية فقط، والتي لن تكون ذات أهمية كبيرة وستكون نسيًا منسيًا حين تقرع الطبول بين الأهرامات فتأذن للجميع ببداية الصراع الكروي، فيكون لكل مجتهد فيه نصيب حينها. صراع ستكون خلاله الافناك محفزة للتتويج ومحاولة إعطاء البعض من جرعات السعادة المؤقتة لملايين ضاقت بهم الدنيا في هذا الوطن، ملايين يريدونها فرحة إنجاز وإعجاز تسمى بعد حين بـ«تتويج الثورة والنهضة»، وتمتزج نسمات الحرية التي تحرك الأعلام الوطنية عبر ربوعه بفرحة التتويج وتسيد القارة وعودة الهيبة الكروية للجزائر والتي ينتظر أبناؤها عودة هيبتهم، شرفهم وحقهم المسلوب داخلها، ستكون فرحة لملايين يريدون رؤية الأعلام الوطنية مرفوقة بكأس تجوب شوارع الوطن مهللة بأهازيج انتصار ينسي ما كان من انكسار، ربما ستكون أمور الوطن حينها أحسن، وجراحه الغائرة قريبة الشفاء، وتجعلنا نتذوق طعم التتويج كما هو دون نقصان، ودون عصابة تؤرق أي جزائري كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد