المتابع للشأن الجزائري اليوم، سيلاحظ حتمًا ذلك الركود والخواء الذي يسود كل المؤسسات الجزائرية؛ وهذا بسبب المشكلات التي تمنع هذا الوطن من التقدم من بيروقراطية، ورشوة، ومصالح شخصية وغيرها من المركبات المفسدة للمجتمع. بينما على صعيد آخر، نجد أن هنالك نموًّا وتطورًا كبيرين في المجال الرياضي، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمنتخب الوطني الجزائري، فبعد النجاح الذي حققه في كأس أفريقيا، والفوز بالكأس، أصبح المنتخب الوطني بمثابة النقطة الوحيدة المضيئة في هذا الوطن الغامض.
إذن.. فما جملة الأسباب التي أدت إلى هذا التطور؟ وهل باستطاعتنا محاكاة هذا النموذج على باقي القطاعات؟
بادئ ذي بدء، أود أن أنوه إلى نقطة مهمة، ألا وهي حب الشيء والاهتمام به والالتفاف حوله، فلقد لوحظ في السنوات القليلة الماضية، أن هناك التفافًا كبيرًا للشعب الجزائري حول المنتخب الوطن.
منذ سنوات خلت، كان هذا الأخير يغوص في القاع، فلم نكن نهتم بمبارياته ولا بنتائجها ولا بالمستوى الذي يقدمه، لكن هذا الإهمال تحول بعدها إلى شوق واهتمام بكل ما يخص الكرة والمنتخب الوطني، فأصبح الواحد منا محبًّا لهذا المنتخب، يسأل ويبحث عن أخباره، بل أخذنا هذا الاهتمام إلى متابعة لاعبي المنتخب في نواديهم ـ محترفين كانوا أم محليين ـ فأصبحنا اليوم نتابع أخبارهم، انتقالاتهم، إصاباتهم وغيرها.
هذا الالتفاف حول المنتخب الوطني، جعل المنتخب الوطني يوضع تحت المجهر، فأًصبح الاهتمام به واجبًا، لأن كل الشعب الجزائري، وبكامل أطرافه أضحى اليوم محبًّا لهذا الفريق، لدرجة أن المدرب البوسني، وحيد حليلوزيتش ـ المدرب الذي تمكن من التأهل إلى الدور الثاني في كأس العالم ـ قال عن الشعب الجزائري: «لقد وجدت أربعين مليون مدربًا جزائريًّا»، فلقد كان في كل مرة يجول في الشوارع الجزائرية إلا ويلتقي بأشخاص يسألونه عن التشكيلة، وعن سبب تفضيله لبعض اللاعبين، بل وصل الأمر إلى إعطائه بعض المقترحات عن التشكيلة وعن بعض اللاعبين، لدرجة أنه كان يتعجب ويبدى إعجابه كل مرة بهذا الاهتمام.
لذلك حب المنتخب هو من سمح بتطور المنتخب، ولكي نحقق النجاح نفسه، يجب أن نجعل من أنفسنا أربعين مليون جزائري محب لوطنه، فخور بانتمائه، غيور ثائر عندما يتعلق الأمر ببلده.
السياسة الثانية، والتي أدت إلى نجاح المنتخب، «هي سياسة الشخص المناسب في المكان المناسب». فبعدما كان الفريق الوطني مهترئًا بسبب الصراعات الداخلية التي كانت تنخره، والتدخلات الخارجية من أطراف سيادية عليا عبر الهاتف للتدخل في الأمور الداخلية، وفرض وجود بعض اللاعبين في التشكيلة الأساسية، غاص هذا المنتخب في دوامة من الفشل وأصبح في طي النسيان.
جمال بلماضي، المدرب الجزائري المحبوب، يطبق بكل بساطة هذه السياسة، فهو يعمد إلى اختيار الأشخاص المناسبين ـ لاعبين كانوا أم إداريين ـ على حسب الكفاءات، دون الالتفات إلى أي مصالح أخرى قد تعود بالفريق إلى أدنى المراتب.
فأصبح المنتخب اليوم، فريقًا لا يهتم بالمحاباة «والعرف»، بل العكس تمامًا، كل من يملك الكفاءات المميزة التي تسمح له بخدمة وطنه يكون موجودًا وجاهزًا، بل مستعدًّا للتضحية بنفسه من أجل هذا المنتخب. هذه السياسة سمحت «لبوداوي» اللاعب القادم من الجنوب بأن يوجد في المنتخب، بعدما كان المنتخب حكرًا على المحترفين، والرقعة الجغرافية الساحلية.
إذا جرى تطبيق هذه السياسة على باقي القطاعات، فسنلاحظ تطورًا ملحوظًا على مستوى كل المؤسسات التربوية والإعلامية والثقافية والقضائية وغيرها. فبهذا سنتمكن من إثراء كل الأسلاك بأشخاص يملكون من الكفاءة ما يسمح لهم بالمساهمة في تطور هذا الوطن، الذي طال سباته.
السياسة الأخيرة التي فرضها جمال بلماضي، وقبله وحيد حليلوزيتش هي سياسة النظام واحترام القانون الداخلي، فبعدما كان الفريق الوطني حظيرة من العشوائية والفوضى المقرضة، أصبح اليوم بمثابة ثكنة، وجب على الجميع احترام قانونها الداخلي، ثكنة يكون فيها الجميع تحت هذا القانون، ومثال على ذلك، نذكر القصة التي سردها جمال بلماضي مع النجم الجزائري المحبوب والمفضل رياض محرز ، بعدما تأخر عن موعد الحافلة بمدة ثلاثين ثانية، فأمر الكوتش جمال بلماضي سائق الحافلة بالإقلاع دون انتظاره، وهذا ما أدى برياض محرز إلى الذهاب إلى التدريبات في سيارة أجرة لكي يلتحق بالتدريبات، لكن بعد وصوله، نهره المدرب جمال بلماضي أمام الجميع، وأمره باحترام زملائه، ثم منعه أخيرًا من التدريبات.
يقول جمال بلماضي في هذا السياق: «وبرغم العلاقة الطيبة التي تربطني برياض محرز، لكن القانون الداخلي يجب أن يحترم، ولا يجب للعلاقات أن تؤثر في القانون الداخلي».
لنسقط هذا النموذج على باقي القطاعات، حينها سنجد أن الجميع أضحى اليوم تحت القانون ـ كائنًا من يكن ـ دون الالتفات إلى مركزه، أو مهنته أو علاقاته. بهذه الاستراتجية، سنتوصل إلى نتائج مبهرة ستلقى بظلالها على كل أطياف المجتمع.
ولحد الساعة، ما زال هذا الفريق يمثل النقطة المضيئة في هذا الوطن المظلم، فلقد ألف قلوب الجزائريين على حب الوطن، بعدما كان المجتمع متهرئًا، خاويًا، بائسًا، لا يملك الحق حتى في الفرحة والشغف.
هذه التجربة الناجحة، أوجبت علينا احترامها، والأكثر من هذا، تحليلها والتساؤل عن أسبابها ونتائجها، والوصول أخيرًا إلى استخراج نموذج يمكن تطبيقه ومحاكاته على باقي القطاعات والأسلاك، لكي ننهض بهذا الوطن الذي طال انتظاره. والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد