إذا كنت من عشاق الحضارة المصرية بكل عراقتها وتاريخها القديم؛ فيمكنك اقتطاع تذكرة قيمتها 900 دينار جزائري أو ما يقارب ثمانية دولارات فقط! ستجد نفسك سائحًا بين صحاري مصر ساعيًا بخطى شيقة بين أروقة قصور «الأرامست»، تلك المدينة المملكة التي شهدت ازدهارًا عظيمًا على يد الأميرة «مزنا» صاحبة الجمال البارع والعقل الأنثوي الباهر، ستجد نفسك خلف أحد الأسوار متوجسًا مما قد تفعله عصابات الـ«با– نب»، أو منتظرًا لإحدى الحفلات الغنائية أو المسرحيات التي ازدهرت في نواحي مصر القديمة خلال القرن الرابع قبل الميلاد، ستظفر -على كل تقدير- بإعجاب إحدى الجميلات الأرامستيات اللواتي شاع حسنهن حتى طفق الشعراء من بابل حتى اليونان بالتغزل في جمالهن، وطلب ودهن، والرحلة إلى تلك المدينة المملكة للظفر بإحدى حسناواتها.

ليس هذا كل ما في الأمر؛ بل إن رواية «تلمود نرت» للكاتب الروائي الجزائري «ماسينيسا تيبلالي» -وهو الصديق الجديد الذي عرفته في لقاء جميل في مقر دار «الجزائر تقرأ» للنشر والتوزيع- ليست سردًا بسيطًا لتاريخ مصر في حقبة حساسة من عمرها الباذخ الطويل وقت سقوط حكم الفرس الأخمينيين، وبزوغ نجم الحكم المقدوني على يد الإسكندر؛ بل إن هذا النص الروائي الذي توزع على ما يقرب من 540 صفحة من القطع الكبير قد حوى موسوعة فلسفية دينية اجتماعية ناقش من خلالها الكاتب كبريات المسائل الوجودية، وقضايا الدين والحريـة والمرأة بأسلوب من الحكي لا نجده إلا عند من لهم تجربة طويلة في كتابة الروايات، أقول هذا لأن صديقنا ماسينيسا -الذي أضاءت شمعته من مدينة العلم والحضارة بجاية- يعد هذا النص أول عمل روائي له، وهو إنما كان ذا يد طولى في عالم الفن التشكيلي، إذ كانت له عدة مشاركات وجوائز منها العالمية في معارض مدينة الجن والملائكة باريس، فكأن كتابته لهذا النص جاءت على نسق البراعة في رسم لوحاته الفنية الجميلة.

«تلمود نرت» هذا العنوان الغريب الذي لفت انتباه القراء والكتّاب على حد سواء، قد لقي نجاحًا كبيرًا في الطبعة الأخيرة من الصالون الدولي للكتاب في الجزائر العاصمة هذا العام «25 أكتوبر (تشرين الأول)– 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017»، وإذا كان العمل الروائي يحتاج تقييمًا حتى يظفر بمكانته اللازمة بين الأعمال والنصوص؛ فإنه يمكنني القول إن رواية ماسينيسا قد حققت كافة عناصر الكتابة الروائية ومتطلبات السرد الروائي، فالذي يقرأ «تلمود نرت» لن يتمكن من طي الكتاب حين يبدأ الكاتب في وصف إحدى المدن، أو تصوير غرفة الملكة «مزنا» حين كانت منطويةً على نفسها وهي تجري مراجعةً كبيرة لأفكارها من خلال المخطوطات القديمة في مكتبتها القيمة، فهي الملكة الأنثى التي تعتني بجمال جسدها دون أن يشغلها ذلك عن الاعتناء بجمال عقلها وتزيين روحها.

يبدأ الكاتب في وصف الغرفة الملكية وكأن القارئ جالس على إحدى الأرائك يراقب «مزنا» عن كثب: ماذا تفعل؟ وكيف تهرع إلى مرآتيها الصادقة والخادعة، ثم كيف تلحق بالشرفة المطلة على منازل الأرامست، لا يستبعد القارئ أنه يرافق قافلة التجارة السنوية التي يقودها القائد اليوناني أدونيس معشوق مزنا، حتى كأنه على ظهر إحدى النوق المصرية التي لا تعبأ بحرارة الصيف الصحراوي، ولا تنزعج من رياحها الرملية الهائجة. كل ذلك وغيره من المشاهد الكثيرة في رواية «تلمود نرت» تجعلني أعتبر جانب الوصف في هذه الرواية قد نجح الكاتب في ضبطه، وتحقيق أجزائه حتى الغاية، والأكثر عجبًا من ذلك هو نوعية القاموس الذي استعمله ماسينيسا في روايته؛ إذ يكاد يشعر القارئ أنه بصدد قراءة نص عتيق لأحد مؤرخي مصر القديمة، وأن مترجم هذا النص إلى العربية ليس بعيدًا عن تلك العصور أيضًا، وهذا يؤكد أن كاتب الرواية لم يكتب ليؤرخ؛ بل كتب ليسرق أرواحنا ويبثها بين أسوار الأرامست وممفيس عاصمة مصر في تلك العهود الغابرة.

الحوار في رواية «تلمود نرت» كان مناسبًا من جهة النسبة الكميــة، والأروع من ذلك هو تنوع مستويات الحوار بين المستوى العلمي الفلسفي الراقي بين الشخصيات الكبيرة، والحوار العادي اليومي الذي يجعلك تعيش يوميات سكان مصر، وكأنك استيقظت لتوك من قيلولة على صياح أحد الباعة المتجولين، أو بعض متهوري العشاق الذين يلقون قصائدهم الغزلية في أسواق «المدينة الهادئة»، أو الأرامست بلغة قدامى مصر.

كان عليّ بطبيعة الحال ألا أسرد عليكم ملخصًا عن هذه الرواية القيمة؛ لأني أؤمن بأن لكل قارئ تخيلاته الخاصة حين قراءته لها؛ ولكني أضيف بعض رؤوس الأقلام التي شدت انتباهي وأعتبرها إنجازًا ميز عمل الصديق ماسينيسا، فـ«تلمود نرت» هي رواية من أربعة أسفار -كما أصر الكاتب على تسميتها لذوق أدبي فني رائع- كل سفر سمي بأجزاء الإنسان الأربعة: سفر الجسد، سفر القلب، سفر الذاكرة، وأخيرًا سفر الروح، ثم كل سفر منها قد احتوى مجموعة من الفصول حملت أسماءً متداخلة مع عناوين الكتب العالمية المشهورة قديمًا وحديثًا، فعلى سبيل المثال نجد من بين فصول «سفر الجسد» فصولًا ثمانية من بينها: «الغريب» في إشارة إلى رائعة ألبير كامو، و«لسان الميزان بين كفة نوشين وكفة مزنا» في إشارة إلى كتاب «لسان الميزان في نقد الرجال» الذي ألفه الحافظ ابن حجر العسقلاني بالاعتماد على «ميزان الاعتدال» للإمام المؤرخ الذهبي، وفي «سفر القلب» نجد فصولًا أخرى أذكر منها: «طوق الحمام في الملك والملوك» في مقابلة لرائعة الإمام ابن حزم الأندلسي «طوق الحمامة في الألفة والألاف»، كما نجد في الجزء الثالث وهو «سفر الذاكرة» بعض العناوين الإشارية كـ«الفتوحات الملكية» بتلاعب لغوي بارع لكتاب «الفتوحات المكية» للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي المرسي، وكذا في «سفر الروح» نجد عدة فصول منها «التنهيدة»، وهو فصل يداعب به السيرة الذاتية لآن فيليب التي عنونتها بـ«زمن التنهيدة»، ويفاجئنا الكاتب حين يستل من ديوان أبي الطيب المتنبي كلمات خالدةً يعنون بها فصوله كـ«بذا قضت الأيام» وهو مقطع من بيت شهير للمتنبي يقول فيه:

بذا قضت الأيام ما بين أهلها ** مصائب قوم عند قوم فوائد

ربما لن تكفي تدوينة واحدة لقول كلمة جامعة عن هذه الرواية الموسوعية القيمة، وإن كان من شيء ينتقد على هذا النص الذي لن يخلو من بعض التمحيص باعتباره أول تجربة لشاب كان قبل ذلك ولا يزال سارحًا في عالم الفن؛ فإن حجم الرواية قد اضطر الكاتب إلى قليل من السرد التاريخي الذي كان بالإمكان تحويله إلى أسلوب روائي ينتشل القارئ من رتابة التأريخ، كما أن هناك بعض المقاطع الوصفية والحوارية التي هي بالنص المسرحي أليق منها بالنص الروائي، وقد كنت مترددًا في تسجيل ملاحظتي على الإسهاب اللفظي الذي يستعمله ماسينيسا خلال وصف بعض المشاهد، وأن الأجدر تنقيح الرواية من ذلك التكرار والإطناب، إلا أني أظن الأمر مقصودًا أكثر منه ترفًا لغويًّا من الكاتب؛ لأن ذلك قد يكون راجعًا لإضفاء مزيد من «العتاقة» على لغة النص حتى يكون متناسبًا إلى أبعد حد مع زمن الرواية، وحتى مع مكان الأحداث التي اختارها الكاتب لروايته.

«تلمود نرت» أظنها روايةً ستذهب إلى العالمية بكل جدارة، وهذا ليس من خلال الجوائز التي خلفها ألف حساب وحساب؛ وإنما ستنال شهرتها بنفسها دون أن تحتاج إلى كثير من التجميل والتزيين، فجمال الذات يغري كل الناظرين، ولا يحتاج صاحبه إلى الحلي والجواهر، هذا النص جوهرة بحد ذاته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد