يرى ملاحظون أن الشعب الجزائري لم يثق في «السلطة» منذ «الاستقلال الناقص» الذي تقيده «اتفاقات إيفيان» الموقعة يوم 19 مارس (آذار) 1962 بين الحكومة الجزائرية المؤقتة و«المستعمر الفرنسي»، لا سيما أن تلك «السلطة» انقلبت على الحكومة الجزائرية المؤقتة التي كان يقودها الوطني الوفي للجزائر ابن يوسف بن خدة.

ويرى الملاحظون أيضًا أن «العصب» و«العصابات» التي تألفت منها «السلطة» لم تتآلف في مراحل الحكم، رغم تحذير العلامة الجليل محمد البشير الإبراهيمي في بيانه الجلي غداة الاستقلال وغيره، ويستدل الملاحظون على ذلك بـ«الاغتيالات السياسية» التي شهدتها الجزائر، ولا يزال التاريخ يسجلها اغتيالًا، وزادت حدة تلك الخلافات حول «الزعامة» وليس حول «الوطن».

عام2014 قبل ما يسمى بـ«العهدة الرابعة»، وظهرت الصراعات الشرسة لأجنحة «السلطة»، إضافة للتبعية للأجنبي والإغلاق السياسي والاحتقان الاجتماعي وقمع الآراء الحرة وتنامي الاحتجاجات الفئوية والفساد الإداري والمالي وضعف القدرة الشرائية وهشاشة الاقتصاد الوطني، وغيرها من الأسباب التي عجلت بـ«انتفاضة البسمة» التي كشفت الزيف والوهم، وأظهرت هشاشة «السلطة» التي بدت أهون من بيت العنكبوت.

رفض الشعب الجزائري في جمعة رابعة ناصعة «السلطة» بجميع وجوهها القديمة والجديدة رفضًا قاطعًا بعيدًا عن أي التفاف على «الحراك الشعبي الجزائري السلمي» الذي بزغ فجره ذات جمعة مباركة من شهر فبراير (شباط).

بأعداد غير مسبوقة خرج ملايين الجزائريين في مسيرات مليونية سلمية حاشدة، تزينت بها شوارع المدن جميعها، وهم يرددون شعارات تدعو السلطة إلى التنحي اليوم قبل الغد بعد مهزلة القرارات الارتجالية التي أسقطت السلطة نفسها بها دون وعي، وبعيدًا عن الحكمة والحنكة، ودون أخذ العبرة من دروس الماضي في الجزائر وغيرها.

يقول الجزائريون: «في الوطن وخارجه كفاءات جزائرية شبابية عالية التكوين قادرة على قيادة البلد دون وصاية فرنسية، ودون استعباد واستبداد وإفساد، وبندية متوازنة لا تبعية متواطئة لأي دولة في العالم».

وقادرة على استكمال بناء دولة المؤسسات التي تقوم على العدل، وتحترم الحريات الفردية والجماعية، ويسود حكم القضاء المستقل، ويبنى اقتصاد قوي بسواعد الجزائريين لنهضة البلد في شفافية تامة ورقابة مسؤولة وإعلام أمين.

إن الجزائريين لا يطلبون من السلطة شيئًا إلا التنحي، ويرفضون كل مسرحيات السلطة، والشعب أقدر على تسيير شؤونه لأنه ليس قاصرًا، وغير محجور عليه، وقد ردد الأوفياء للشهداء حقًا: «دماء الشهداء ليست للبيع، الجزائر ليست للبيع.. ارحلوا عنا؛ أنتم الطلقاء».

يردد الجزائريون كل يومٍ وكل جمعة «الجزائر حرة ديمقراطية»، وهي رسالة إلى العالم الحر حقيقة كي لا تتدخل أي دولة في شؤون الشعب الجزائري؛ الشعب الجزائري قادر على تقرير مصيره بنفسه، وقيادة نفسه بنفسه دون الاستعانة بأي أجنبي، مهما يكن الأجنبي.

ويرددون أن فرنسا لا تزال تتآمر بالألوان على الشعب الجزائري وليس على السلطة، وهم يذكرون «ماكرون» بدسائسهم طيلة 132 عامًا، وبعد «الاستقلال الهش»، وفي هذه اللحظة التاريخية تحديدًا، وبداية منها أن الجزائر لا يحكمها إلا الجزائريون؛ وقد انتهى زمن استعباد الشعوب وارتهان الأوطان.

بيد أن مخاض الحراك الشعبي الجزائري السلمي لا يزال عسيرًا جدًا لتجسيد البديل الواقعي للسلطة في هذا الظرف الذي تتآمر فيه فرنسا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها على إرادة الشعب الجزائري الحر، لكن الشعب الجزائري ما يزال قوي الشكيمة لا تزعزعه الأعاصير، ولا تضعف إرادته الأقاويل، ولا تستهلك طاقته الأكاذيب، ولا توجه بوصلته الأراجيف فهو يدرك «التوازن» الواضح مساره، والجلية وسيلته، والناصع هدفه.

ويدرك أيضًا ما يحاك ضده لاختطاف «الحراك الشعبي الجزائري السلمي» وتحريفه عن طريقه مثل ما حرفت «ثورة نوفمبر» و«الاستقلال الوطني» عن مساراتها، و«لا ديغول بعد اليوم في الجزائر».

تظل هواجس تحيط بالأحداث المتسارعة خاصة أن أعداء ثورات الربيع العربي يتحركون لإجهاض حرية الشعب الجزائري في المهد، وقد ظهرت رايات فلسطين الحبيبة في مسيرات كثيرة؛ وهي دلالة أخرى من الشعب الجزائري أن قضية فلسطين تظل قضية محورية للعالمين العربي والإسلامي، وأيضًا الأعلام السورية واليمنية والليبية والمصرية والعراقية والسودانية في إشارة لسلمية مظاهرات كل الشعب العربي الواحد المقسم في تلك البلدان.

وقد منح المحتجون السلطة سانحة تاريخية لن تتكرر لها كي ترحل بهدوء.. والشعب أقدر على حماية الوحدة الوطنية بقيادة رشيدة يختارها بنفسه في الوقت المناسب.

إنه استفتاء شعبي بامتياز على طريقة الجزائريين الذين يفضحون كل لحظة أدعياء الوطنية، ويوقعون بألوان العلم الجزائري بداية أعراس يومية صباحية ومسائية، يشارك فيها أحرار وحرائر الجزائر من أجل غدٍ مشرقٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد