شكلت التصريحات الأخيرة التي أدلت بها السيدة نعيمة صالحي، رئيس حزب «العدل والبيان»، والنائبة في المجلس الشعبي الوطني الجزائري، تشويشًا وإحداثًا للاضطراب داخل الرأي العام الجزائري؛ لما تضمنته من ضغائن وأحقاد تجاه منطقة القبائل ورموزها. والتي قدمت النفس والنفيس أثناء ثورة التحرير الكبرى 1954 – 1962، وخلال العشرية السوداء. وكانت ولا تزال منبرًا للتضحية والتحرر والديمقراطية.

كان يمكن التغاضي عما جاء في تصريحات هذه النائبة، والرد عليها بالصمت. لكن هذا الهرج الذي جاء في هذا الوقت بالذات، والذي تزامن من جهة مع ترسيم اللغة الأمازيغية (اللغة الأصلية) والاعتراف بـ«يناير» عطلة مدفوعة الأجر. ومن جهة أخرى المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها الجزائر. ما يجعله دليلًا جديدًا على إفلاس النظام السياسي الجزائري، الذي كان من الأمثل أن يعمل على فض الإشكاليات والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الجزائر، واقتراح مبادرات تخرجه من المأزق السياسي والاقتصادي الذي يزداد يومًا بعد يوم.

لكن النظام السياسي الجزائري عمد إلى تغذية التهريج السياسي لأمثال نعيمة صالحي، والوزير الأول السابق عبد المالك سلال، والرئيس الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعيداني وغيرهم من المهرجين السياسيين.

وتعد ظاهرة التهريج السياسي آفة الساسة وغيرهم من الفاعلين في المجتمع والدولة. وتعبر عن فقدان رؤى واضحة للإصلاح تمكنهم من دحض ما يعتبرونه فكرًا شعبويًا وافتراءات الآخرين. ما يجعل نقاشاتهم وتصريحاتهم ترتكز على جزئيات بسيطة وسطحية أو حدث عابر وطارئ. وأحيانًا المساس بالقضايا الحساسة كالهوية واللغة والدين من منطلق التشويش وبعث الاضطراب والفوضى، ما يضفي على المشهد السياسي نكهة كوميدية لا نراها حتى في الأفلام.

ويقول الكاتب عزمي بشارة في هذا الشأن إنه غالبًا ما يكتسب سياسي ديماغوغي فظ شعبية عند قطاع من الناس لشعورهم أنه يقول الحقيقة في مخالفة للسائد من صور السياسيين المخادعين، على الرغم من أنه يتباهى بنرجسيته إلى درجة التهريج.

والحقيقة أنه لا يقول الحقيقة، بل يكذب ويخدعهم أكثر من غيره.

يتم تحويل انتباه الرأي العام في كثير من دولنا المتخلفة عن القضايا الهامة والتغيرات التي يقررها أصحاب القرار، والوضع المتأزم الذي تعيشه هذه البلدان، عبر إغراق الناس بوابل من المعلومات التافهة وتشتيت اهتماماتهم عن القضايا الجوهرية والمشاكلالاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ما يجعل اهتمامات الناس موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية. وتعرف مثل هذه الخطوة باستراتيجية الإلهاء، فما المقصود بها؟

كشف الكاتب والمعارض الأمريكي ناعوم تشومسكي في مقال حمل عنوان «استراتيجيات التحكم والتوجيه والتضليل العشر»، والذي استند فيه على وثيقة سرية تحمل عنوان «silent weapons for quiet war» أي «الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة» يعود تاريخها إلى عام 1979 وتم العثور عليها سنة 1986. وهي عبارة عن كتاب أو دليل يختزل الطرق التي تستعملها وسائل الإعلام العالمية للسيطرة على الشعوب عبر وسائل الإعلام. وللعود إلى مقال تشومسكي فإن هذا الأخير قد فضح مخططًا محكمًا يعود لبعض دوائر النفوذ العالمي من كبار الساسة والرأسماليين والخبراء من أجل التحكم في الشعوب، وذلك عن طريق عشر استراتيجيات أساسية تمثلت فيما يلي:

1- استراتيجية الإلهاء،  2- ابتكار المشاكل ثم تقديم الحلول، 3- استراتجية التدرج، 4- استراتجية التأجيل، 5- مخاطبة الشعب كمجموعة أطفال صغار، 6- استثارة العاطفة بدل الفكر، 7- إبقاء الشعب في حالة جهل وحماقة، 8 – تشجيع الشعب على استحسان الرداءة، 9- تحويل مشاعر التمرد إلى إحساس بالذنب، 10- معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم.

ومن ضمن هذه الاستراتيجيات التي تتداخل فيما بينها، تعد استراتيجية الإلهاء أبرز الأسلحة التي تعتمدها الأنظمة السياسية من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها الضيقة. ويعبر الإلهاء عن عملية تحويل وإبعاد الرأي العام عن المشاكل والأمور المهمة رغم الحاجة إليها إلى مشاكل أقل أهمية وأكثر صدى. أو محاولة التغطية عن العجز والفشل السياسي والاقتصادي للحكومة، من خلال التهريج السياسي من قبل مسؤولين أو رؤساء أحزاب أو شخصيات محسوبة على النظام لطرح قضايا أخرى للرأي العام، والتغطية على القضايا الجوهرية، من أجل إحداث فوضى وتشويش والمساس باللحمة الاجتماعية. وذلك عن طريق وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة.

إن مثل هذه المزايدات التي جاءت على لسان نعيمة صالحي في حق منطقة القبائل المعروفة بالولاية الثالثة إبان ثورة نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي هي مهد للشجعان من النساء والرجال من أمثال فاطمة نسومر، وعبان رمضان، وكريم بلقاسم، وحسين أيت أحمد، والعقيد عميروش، ومولود معمري، وطاهر جاووت وغيرهم… ما هي إلا تطبيق لاستراتيجية محكمة (تم طبخها داخل دوائر القرار) أرادوا بها خلق التوتر والفوضى، لمحاولة التشتيت على المنطقة المعروفة بالعاصمة السياسية للجزائر، والمكان الأكثر ملاءمة لممارسة النضال السياسي الحقيقي من أجل بناء جزائر ديمقراطية بمؤسسات تحترم سيادة القانون.

إننا اليوم أمام أمرين، إما القول إننا أحوج من أي وقت مضى إلى الاتزان السياسي الأخلاقي منه إلى التهريج السياسي لإنقاذ الساحة السياسية الجزائرية من التعفن، ومن أجل إعادة بعث الأمل في المجتمع. أو التسليم بأننا في زمن الرداءة وللرداءة أهلها كما قال الراحل عبد الحميد مهري، وتسليم مفاتيح السياسة لأهل الرداءة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد