الأغنية السياسية تواكب المسيرات السلمية في الجزائر

الأغنية السياسية هي لسان حال الشعب في التعبير عن الموقف الرافض أو الغاضب أو الحماسي، هي تمرد فني على السجن، السجن الواقعي أو السجن الإيديولوجي أو سجن الأوضاع الراهنة، لذلك يُرجع الباحثون أن الانطلاقة الأولى لهذا النوع من الأغاني كان من ركح المسارح باستخدام اللحن والكلمة لتعزيز إيصال الفكرة للجمهور، كما يتفقون على أن المد اليساري في الوطن العربي خلال السبعينيات شكل فترة مزدهرة للأغنية السياسية، لما حمله من روح عالية في المقاومة، ثم ما لبثت أن خبت بعد ذلك ودخلت في سبات يتماشى مع رتابة الأوضاع، غير أن هذا النوع من الأغاني لا يلبث أن يستعيد نشاطه مع كل حراك شعبي للانتصار لرأي جمعي أو قضية معينة، والأغنية السياسية هي أغنية تختلف عن الأغاني الوطنية في أنها غير موجّهة ولا مؤدلجة، هي أغنية حرّة تعبر عن واقع مشترك أو رؤية مشتركة تجاه ما يحدث.

وقد شهدت الأغنية السياسية منذ بدء الحراك الشعبي المعارض للعهدة الخامسة للرئيس الحالي والمطالبة بالتغيير في الجزائر، انتعاشًا غير مسبوق، حيث رافقت الحراك أغانٍ عديدة، عادة ما يتم إطلاقها على شبكة «يوتيوب» تزامنا مع خروج المسيرات الكبرى أيام الجمعة، وسرعان ما تحقق الأغاني نسب مشاهدة قياسية على موقع يوتوب وتنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي.

فنانو برج منايل يحاكون رائعة جوليا بطرس

الأغنية الثورية الخالدة للثلاثي جوليا بطرس وأمل عرفة وسوسن الحمامي، التي كانت مواكبة للانتفاضة الفلسطينية سنة 1987 وبقيت خالدة بعد ذلك «وين الملايين»، تمت محاكاتها على الطريقة الجزائرية من طرف مجموعة من الفنانين ببلدة برج المنايل التابعة لولاية بومرداس، تعرضوا خلالها للوضع السياسي في الجزائر، موجهين انتقادات لاذعة لنظام الحكم بعد أن «خلف الاحتلال باسم الشرعية الثورية» وأنه لم يكن في مستوى من قدموا أرواحهم فداء للوطن، مطالبين إياه بالرحيل ومؤكدين على سلطة الشعب وسيادته في وطنه، وقد حققت الأغنية نسب مشاهدة معتبرة على مواقع يوتيوب وفيسبوك منذ إطلاقها في الفاتح من الشهر الحالي تزامنا مع مسيرة الجمعة الثانية، وقد رافقت الأغنية صورًا تبرز مراحل في تاريخ الجزائر، وظواهر اجتماعية أبرزها «الحرقة» (مصطلح يستخدم للتعبير عن الهجرة غير الشرعية).

رجاء مزيان في مكالمة عاجلة مع النظام

أغنية أخرى للفنانة الجزائرية رجاء مزيان، تضمنّها فيديو كليب يظهر في بدايته المغنية وهي تجري مكالمة عاجلة مع السلطة الحاكمة عبر هاتف عمومي، غير أن السلطة لا تسمع، فتحذرها رجاء مزيان من «الطوفان» القادم وخروج الشعب وحراك الفقراء في مسيرات كبيرة، مستعملة رمزية «موح مول الطابلة» الذي خرج مع رفاقه من الطبقة الكادحة لمطالبة النظام بالرحيل، والمقصود «بالطابلة» هي البديل الأدنى للخروج من شبح البطالة وتجنب «الحرقة» إلى ما وراء البحار للبحث عن مورد رزق، حيث عادة ما يلجأ الشباب العاطل في الجزائر إلى بيع السجائر والمكسرات والحلوى على طاولة في الشارع، وتعرضت الفنانة في مكالمتها مع النظام إلى «الفشل الذريع» في كل المجالات، الثقافة، التربية والاقتصاد الوطني.. وإلى الفساد المستشري في البلاد، وأن الشعب قد حسم كلمته في الخروج لتخليص البلاد من كل هذا، وأن حراكه سيكون سلميًا وهادئًا لتحقيق مبادئ سامية كالحرية والديموقراطية وأمل العيش في واقع أجمل، وقد حققت الأغنية تجاوبًا كبيرًا مع إيقاعها الخفيف والحماسي، ونسب مشاهدة قياسية في ظرف وجيز.

مغنون وممثلون يهتفون «اليوم الشعب يحرر الجزائر»

إلى ذلك قدم مجموعة من الممثلين والمغنين الجزائريين أغنية مصورة بعنوان «اليوم الشعب يحرر الجزائر»، بلحن هادئ يحاكي الأمل في الغد المنشود وفي تحقيق أهداف المسيرات السلمية، وفي النية الطيبة لشباب الجزائر في رؤية وطن مزدهر وتمسكهم بسلمية المطالب بعيدًا عن التكسير والتخريب، وأن انتفاضتهم كانت بالورد والياسمين ولم تكن بوسائل العنف والهدف منها هو أن ينجلي ليل طويل على الجزائر، وأن تتعزز فيها الحريات وروح الانتماء واحترام الآخر مهما كانت توجهاته، وقد اقترح البعض أن تكون هذه الأغنية بمعانيها الجميلة هي الأغنية الرسمية للحراك الشعبي في الجزائر.

وعلى الرغم من وجود أغانٍ أخرى تزامنت مع ظهور المسيرات الشعبية في الجزائر إلا أن هذه الأغاني الثلاثة حققت نجاحًا معتبرًا بعد ظهورها منذ أقل من ثلاثة أسابيع، علمًا بأن الملاعب الجزائرية كانت وما تزال منذ سنوات فضاء للتعبير السياسي بالتهكم والسخط على الوضع وعلى صعوبة الظروف الاجتماعية، من خلال الأهازيج والأغاني التي يرددها المناصرون خلال المقابلات الرياضية ومن هذه الأغاني ما وجد طريقه للتسجيل والانتشار وتحقيق نجاح كبير وشهرة للفرق التي تؤديها، وأغلبها فرق شعبية تتخذ من الشارع والملعب مكانًا لنشر إبداعاها الفني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد