لا يزال الشارع الجزائري مشتعلًا بفعل ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة في الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها في 18 أبريل؛ فالمظاهرات مستمرة في كثير من الولايات الجزائرية بمشاركة كل أطياف المجتمع.

بوتفليقة الذي يمكث في إحدى المستشفيات السويسرية نظرًا لتدهور حالته الصحية يتطلع إلى الحكم لولاية خامسة رغم معارضة شديدة من أحزاب وأطياف متعددة التي أصبحت تعاني من ظروف اقتصادية قاسية وصعبة نظرًا لارتفاع نسبة التضخم والبطالة بسبب انخفاض أسعار البترول إذ أن 95% من إيرادات البلاد تأتي بشكل مباشر أو غير مباشر من قطاع الطاقة، فضلا عن الفساد.

يوم السبت الماضي الموافق 9 مارس (آذار)، قدمت محامية سويسرية التماسًا، باسم مواطنة جزائرية، لمحكمة مختصة تطالب فيه بوضع بوتفليقة تحت الوصاية حفاظا على سلامته الشخصية، وقالت «ساسكيا ديتيشايم» صاحبة الالتماس، إن الوضع «الصحي الهش» لبوتفليقة يجعله عرضة للتلاعب من جانب المقربين منه.

ويضيف الالتماس: «من الواضح أن الرئيس الجزائري غير قادر على التمييز بين الأمور حاليًا في ظل وضع صحي حرج للغاية (…) فهو لا يتخذ قرارات إنما حاشيته السياسية والعائلية» تقوم بذلك، حسب ما نشر على موقع العربي الجديد.

هذا وينص الدستور الجزائري، الذي تم تعديله أكثر من مرة في ظل حكم بوتفليقة، أنه على من يترشح للانتخابات الرئاسية أن يقدم أوراق ترشحه شخصيًا، بيد أن بوتفليقة لم يكن قادرًا على هذه الخطوة ولذا قام مدير حملته الانتخابية الجديد عبد الغني زعلان بتقديم أوراق الترشح نيابة عن بوتفليقة.

وتعهد بيان الترشح، الذي أُعلن، بالدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة بعد عام لا يشارك فيها بوتفليقة، وإعادة دستور جديد يقره الشعب من خلال الاستفتاء والعمل على وضع سياسات «عاجلة كفيلة بإعادة التوزيع العادل للثروات الوطنية والقضاء على كافة أوجه التهميش والاقصاء الاجتماعيين (..) بالإضافة إلى تعبئة وطنية فعلية ضد جميع أشكال الرشوة والفساد».

أعتقد أن المحيطين، أو مراكز القوة، ببوتفليقة هم الذين صاغوا هذا البيان دون مشاركته، من أجل استمالة الشارع ومحاولة تهدئته والالتفاف على المطالب.

أرادت بطانة بوتفليقة من هذا البيان كسب الوقت واستمالة بعض صفوف المعارضة إليها من أجل ترتيب الأوضاع والاتفاق على تقسيم الأدوار والمسؤوليات فيما بينها بعد رحيل بوتفليقة -وهذا متوقع خلال شهور بعد فوزه لولاية خامسة- وتولى بقايا النظام الأمور.

ولذا قدمت المحامية السويسرية فرضية أن بوتفليقة لم يقرر بنفسه تقديم ترشحه لولاية خامسة، وهذا يتسق مع وضعه الصحي الحالي.

لماذا يكتنف وضع بوتفليقة الصحي الغموض رغم أن الشارع يعلم جيدًا أنه لم يعد قادرًا على إدارة البلاد؟ ولماذا يتمسك بوتفليقة بالسلطة حتى آخر نفس وحالته الصحية لم تعد بالفعل تسمح له بمتابعة ما يجري على الساحة وأن البلاد كانت تدار من خلال مراكز القوة مثل الجيش وسعيد بوتفليقة نفسه الرجل القوي في الدولة؟

ولماذا لم يحارب نظام بوتفليقة الفساد من قبل، طالما أنه اعترف الآن بوجود فساد؟ هل كان ينتظر كل هذه المظاهرات حتى يفيق من غفلته؟

والسؤال الذي يطرح نفسه أيضًا، هل ستستمر الاحتجاجات بهذا النمط الحضاري دون وقوع خسائر، خصوصًا بعد وجود تسريبات لمحادثات تمت بين رجال بوتفليقة عبد الملك سلال وعلي حداد تتضمن تهديدًا باستعمال السلاح ضد المتظاهرين؟

رجال بوتفليقة يقولون بكل ثقة إن فوزه بولاية خامسة مسألة حتمية ومحسومة ولا تحتاج إلى نقاش! من أين أتوا بكل هذه الثقة والاحتجاجات تتزايد؟ إلا إذا كانت هناك خططًا تحاك للانقضاض على مطالب الشعب!

ما جاء في مداخلة رئيس الوزراء أحمد أويحي تبعث على القلق حينما قال «إن المسيرات في سوريا أيضًا بدأت بالورود وانتهت بالدم»، في إشارة إلى قيام المتظاهرين في الجزائر بتوزيع الزهور على رجال الأمن وهم يصيحون «سلمية سلمية»، ندعو الله أن تظل سلمية من دون خسائر في الأرواح.

هل ستوافق المحكمة السويسرية بتحديد وصي على بوتفليقة؟ وهل ستنجح الاحتجاجات في الضغط على بوتفليقة من أجل سحب أوراق ترشحه؟ ربما يحدث الأمران وربما لا.. لكن من المؤكد والواضح أن بوتفليقة لم يعد يحكم البلاد منذ فترة.

ففي عام 2017 قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة إلى الجزائر وتجول في الشوارع بمفرده، وعلى خلفية هذا الأمر ثار شباب جزائريون ورفعوا شعار «كفى» إشارة إلى عدم استمرار بوتفليقة في الحكم.

نتمنى للشعب الجزائري الشقيق أن يعبر هذه الأزمة بسلام ويحقق مطالبه المشروعة، كفى الأمة مزيدًا من التشرذم والأزمات.

بوتفليقة في سطور:

– ولد في عام 1937

– انتخب رئيسا للبلاد أربع مرات متتالية منذ عام 1999

– انخرط في صفوف الجيش لمقاومة الفرنسيين في عام 1954

– ألحق بهيئتي قيادة العمليات العسكرية وقيادة الأركان بالغرب ثم بهيئة قيادة الأركان العامة

– بعد الاستقلال عام 1962 اختير عضوا في أول مجلس تأسيسي وطني ثم عضوا باللجنة المركزية

-عين وزير للشباب في عام 1962 ثم للخارجية في عام 1963 حتى عام 1978 بعد وفاة الرئيس هواري بومدين

– غادر الجزائر 1981 بعد وفاة بومدين ثم عاد إليها في عام 1987

-بعد توليه الحكم، أصدر قانون الوئام المدني في 1999 الذي مهد الطريق للعفو عن آلاف المسلحين الذين ينتمي بعضهم إلى “الجيش الإسلامي للإنقاذ” المحسوب على الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

-نجح في تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد بعدما عانت لسنوات من اراقة الدماء

– نجح في تحقيق توازن مع دوائر النفوذ مثل قيادة الأركان وجهاز الاستخبارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد