الدولة العميقة في فوهة المدفع

ها هو الحراك الشعبي الجزائري يدخل الجمعة الثانية في مرحلته الجديدة بعد ست جمعات من الحراك كانت ترتكز على مطلب واحد غطى على باقي المطالب، وهو رحيل بوتفليقة، وفعلا حدث ذلك بتاريخ 2 أفريل (أبريل) بعد مرحلة من جس النبض واستمرار ضرب المطرقة الشعبية لسندان النظام البوتفليقي تسارعت الأحداث وتغيرت المعطيات وتم تنصيب عبد القادر بن صالح رئيسًا مؤقتًا وفقًا لما ينص عليه الدستور.

خرجت الجماهير الشعبية في الجمعتين الماضيتين رافضة لباءات الثلاثة والمتمثلة في بن صالح وبلعيز وبدوي وحكومته مرددة شعار (يتنحاو ڨاع) معربة عن رفضها التام لتسيير المرحلة من طرفهم، وهو ما يفعل المانع الشرعي لتولي تلك المناصب كون الشعب رافضًا لفكرة تنظيم انتخابات رئاسية.

ترعاها نفس تلك الوجوه التي تورطت في التزوير سواء بالممارسة أو أسلوب التعتيم والتستر، ونستنج من ذالك تصحر الثقة بين الشعب والحكومة الجديدة المهيكلة من طرف الوجوه القديمة بعد هذا الاستهلال المبسط، سأتطرق الآن للتحليل والتنظير المنطقي:

(يتنحاو ڨاع) بالنسبة للمخيال السياسي هو مصطلح شعبوي سريالي يصنف ضمن خانة الأفكار الطوباوية يعتبر ورقة جوكر تلعب عليها الدولة العميقة، ويرى فيه الشعب الحل الأوحد والوحيد لجميع مشاكله بدون النظر لتدعياته ومآلاته، وهذا راجع لتركيبة الأنثروبولوجيا لشعب تم تغييبه سياسيًا وخضع لمقصلة الاستبداد طيلة 20 سنة، حيث في مثل هذه الحالات دائمًا ما تتطلع الشعوب للحل الراديكالي يجب أن نعلم بأن الطبيعة تأبى الفراغ.

فإذا غاب الحق تسلط الباطل وإذا اختفى الضوء ساد الظلام، وإذا فقد العلم ركب الجهل، وفي مثل الحالة التي نمر بها نقول تطبيق شعار (يتنحاو ڨاع) يعني دخول في مرحلة فراغ وحل مؤسسات الدولة، وهو ما تطمح إليه الدولة العميقة للعودة والتمركز في سلطة القرار ولجر البلاد نحو مستنقع الفراغ الدستوري القشة التي تراهن عليها الدولة العميقة لقسمت ظهر المؤسسة العسكرية والالتفاف حول مطالب الشعب والتغزل بكرسي المرادية والتمركز في سلطة القرار وبذلك ستبقى دار لقمان على حالها وتعود ريمة لعادتها القديمة، وستكون فرنسا المستفيد الأكبر من ذالك وقد خرج قائد الأركان الڨايد صالح الأسبوع الماضي ببيان يدل على أن المؤسسة العسكرية مستهدفة.

فبعد أن كانت الدولة العميقة تندد عبر قنواتها الإعلامية وأطرافها المتمثلة في أحزاب وشخصيات سياسية ببيانات الجيش الداعية لتطبيق المادة 102 من الدستور والتي يعتبرها بيادقها خرق للدستور وتدخل في الحياة السياسية حسب قولهم هاهم الآن يلعبون ورقة القضاة في محاولة منهم لمقاطعة الانتخابات، حيث يعتبر القضاة مجرد كراكيز في يد الدولة العميقة التي تحاول تحريك أسطولها للعب على ورقة البروباغاندا الدولية برعاية فرنسا ولخلق الانقسامات وبث سمومهم داخل المؤسسة العسكرية في محاولة منهم لإحداث فجوة بين الجيش وقيادته ومحاولة إرساء دعائم الدولة العميقة من جديد داخل سلطة القرار وتصريحات أحزابها ووالشخصيات المحسوبة عليها  قطعت الشك باليقين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى التخبط الذي يعيشونه فحالهم كحال الذي يتخبطه الشيطان من المس وقد ذكرها الڨايد صالح في بيان المؤسسة العسكرية تحت وصف الأطراف الداخلية التي تتحرك بإيعاز من الأطراف الخارجية التي لها علاقة تاريخية مع الجزائر، وهنا يقصد فرنسا بالدرجة الأولى والأطراف الداخلية يقصد بها بيادق الدولة العميقة. 

 

أهم نقاط بيان المؤسسة العسكرية الذي جاء على لسان الڨايد صالح:

1 – الجيش سيضمن مرافقة المرحلة الانتقالية.

2- سجلنا محاولات لأطراف أجنبية لزعزعة استقرار البلاد.

3 – الأطراف الأجنبية المتورطة لها خلفيات تاريخية مع الجزائر.

4 – الأطراف الأجنبية دفعت بعض الشخصيات لتصدر المشهد وقيادة المرحلة الانتقالية.

5 – العدالة استرجعت الآن كافة صلاحياتها وعليها الشروع في متابعة العصابة المتورطة في الفساد.

6 – العدالة ستشرع في متابعة قضايا فساد سابقًا.

القراءة المتأنية والمعمقة للنقاط التي ذكرها الڨايد صالح في بيان المؤسسة العسكرية:

 أولا هي رسالة طمأنة للشعب بعد الإشاعات الأخيرة التي مفادها زعزعة وقطع أواصر العلاقة المتينة بين الشعب والجيش.

1 – توعية الشعب الجزائري وتنبيهه وتنويهه لما يحاك ضده من محاولات لجعله أداة طيعة في يد الدولة العميقة، وبالتالي توجيهه لضرب مؤسسات الدولة والمؤسسة العسكرية على رأسها. 

2- بعث رسالة ضمان وتعهد لمرافقة الجيش للشعب في المرحلة الانتقالية ومتمسكًا بالشرعية الدستورية والسيادة الشعبية. 

3- تأكيد الڨايد صالح بعدم نيته تولي الرئاسة، وليس لديه أي طموح شخصي لذلك وأن مصلحته الآنية هي السير بالبلاد نحو بر الأمان في إطار الواجبات الدستورية، وهذا تأكيد لموقف المؤسسة العسكرية عامة. 

4- الأطراف الأجنبية التي لها خلفيات تاريخية مع الجزائر، والتي ذكرها في رسالته تتمثل في فرنسا بالدرجة الأولى.

5- الأطراف الداخلية التي دفعتها فرنسا للواجهة ولقيادة المرحلة الانتقالية يقصد بها أحزاب وشخصيات الدولة العميقة. 

 6- الشعارات التعجيزية منها ذالك الشعار (يتنحاو ڨاع) وباقي الشعارات التي تدعو للمرحلة الاسثنائية وتجميد الدستور ورحيل النظام في آن واحد ولحل المؤسسات واستعماله لوصف التعجيزية يقصد بها من غير المعقول أن ندخل البلاد في مرحلة الفراغ الدستوري، والذي سيفكك مؤسسات الدولة ويكون نقطة إيجابية لصالح الأطراف الداخلية والخارجية التي ذكرناهم أعلاه.

7- حث الشعب على عدم الإنجرار وراء المطالب الرامية لزعزعة اقتصاد البلاد مثل الإضرابات والعصيان المدني، مؤكدًا أنها أساليب خبيثة من طرف الأطراف الداخلية وبإيعاز من فرنسا الرامية لشل الحركة الاقتصادية للبلاد، وبالتالي الدخول في مرحلة التشكيك والفوضى الخلاقة.

8- إعطاء الضوء الأخضر للسلطة القضائية لتفعيل مجلس المحاسبة والعمل على ملفات الفساد للطبقة الأولغارشية التي صنعها أخ الرئيس السابق ومؤكدًا على الاسقلالية التامة لجهاز العدالة وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن العدالة كانت تحت رحمة العصابة.

9- ملفات الفساد السابقة يعني بها ملفات أكبر من قضية سونطراك 1و2 وقضية البوشي والخليفة التي ذكرهم على لسانه وأقصد ملفات رجال الدولة العميقة المتكون من جنرالات الديارس التواتي (الجنرال المخ) والجنرال توفيق والجنرال حسان وملف رجل الأعمال ربراب، وهنا المؤسسة العسكرية تعمدت ذكر تلك الملفات لتكون رسالة تحذيرية وورقة ترهيب ضد الدولة العميقة. 

10 – توافق رسالته عن المرحلة الانتقالية التي ذكرها مع رسالة الهيئة الوطنية التي ذكرها بن صالح في خطابه الأول بصفته رئيسًا مؤقتًا والذي لم يذكر الانتخابية بل قال الوطنية يعني نستنتج من خلال الجمع بين الرسالتين أن هناك برنامجًا توافقيًا برعاية المؤسسة العسكرية وفي إطار ما ينص عليه الدستور.

ستلخص من رسالة المؤسسة العسكرية أننا في خضم المرحلة الانتقالية وأن مؤسسات الدولة هي الأعمدة التي تتركز عليها هذه المرحلة للمرور نحو تنظيم الانتخابات الرئاسية تعمل على تسييرها وتنظيمها هيئة وطنية تلقى الإجماع تقتصر مهامها في العمل على تنظيم انتخابات رئاسية نزيهة وشفافة في مدة أقصاها 90 يومًا، صحيح أن الشعب رافض وفاقد الثقة في بن صالح وبلعيز وبدوي في حكومة تصريف (الأهواء) لكن أن نطبق عليهم جملة يتنحاو ڨاع فهذا غير منطقي فتغيير يكون تدريجيًا لا بالهدم بالضربة القاضية والبناء فوق الركام ولا بأس أن نضرب مثالًا لذلك. 

الشخص مثلًا الذي يريد هدم البيت القديم الذي يعيش فيه وبناء بيت جديد وعصري مكانه فمرحلة الهدم تكون تدريجيًا أي غرفة بغرفة مع الإبقاء على غرفة للاحتماء فيها فمن غير الممكن الهدم الكلي للبيت والبقاء في العراء عرضة لتقلبات الجو… كذلك هو التغيير الجذري والديمقراطي لا يجب الخلط بين أدوات الهدم والبناء فلكل مرحلة ألياتها فالعمل الثوري صحيح يسقم الأنظمة لكنه لا يبني الديمقراطية وأن الدولة كحاجر قانوني في النهاية تستمر بقوة القانون. 

يجب العمل على فرض شخصيات وطنية وكفاءة مستقلة من طرف الحراك الشعبي لقيادة تلك الهيئة التي ستشرف على مراقبة وتنظيم الانتخابات الرئاسية بدل من حكومة بدوي ذات الموارد البشرية الضعيفة التي ستكتفي بدور المتفرج وللمحافظة على سيرورة الانتقال الديمقراطي السلبي يجب التحلي بالصبر والمحافظة على زخم الحراك وطابعه السلمي والحضاري والابتعاد عن شعار يتنحاو ڨاع وتجنب النقاشات الفارغة ذات القالب الأيديولوجي وتفعيل ورقة الظغط والإجماع الضروري على اختيار شخصيات وطنية تكون الممثل والصوت المسموع للحراك ويجب شحذ العقول والتحلي بروح المسؤولية وقدرة القيادة والإسراع في تجسيد تلك المقترحات، لأن الحراك الشعبي الآن أمام معركتين لا ثالثة لهما معركة الوقت ومعركة التغيير الديمقراطي، وهو أمام فرصة أخشى أنها لا تعوض على المدى القريب لتصحيح المسار الديمقراطي في الجزائر.

وتحيا الجزائر المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد