خرج الجزائريون تباعًا طيلة خمسة أسابيع، في البداية كان الرفض حول ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة، جمعة تلو أخرى كانت المطالب تزداد، وصولًا إلى الجمعة الأخيرة قبل كتابة هذا المقال ليصبح هناك مطلب واحد ووحيد وهو (تتنحاو قاع) أي أن الشعب الجزائري أصبح يريد رحيل كل الذين هم في السلطة، ليصبح هذا هو المطلب الوحيد لكل الشعب الجزائري برمته، لكن هل هذا ممكن؟ هل من الممكن تحقيق مطلب مثل هذا؟

يجب قبل التفكير في الإجابة عن سؤال جدوى رحيل كل السلطة، يجب معرفة الأوضاع الداخلية، والإقليمية، والتوازنات الدولية، ومعرفة حجم المصالح المختلفة للفاعلين الدوليين، بالنظر في الشأن الداخلي الجزائري نجد أن الجزائر مثلها مثل كل دول العالم قائمة على مؤسسات تقوم بتسيير شؤون البلاد والاستجابة لانشغالات العباد، عبر آليات متعددة مثل الإدارة وأذرعها المتعددة، وهاته المؤسسات بإداراتها المتعددة لدى كل واحدة منها إدارة مركزية تخضع لوزارة معينة خاضعة هي بدورها لخطة عمل مشتركة، وبالتالي فإن انهيار هاته الهرمية لدى المؤسسات تحت (تتنحاو قاع) هذا يعني انهيار نظام بالكامل دون التحضير لبديل حقيقي، سيعد كارثة وسيترتب عليه مشاكل لا حصر لها، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار إمكانية اللعب على وتر العرقية أو الطبقية في الجزائر الشيء الذي سيعجل من انقسام الجزائريين، مما يطرح مشكلة أمنية تطرح بالضرورة إمكانية الانهيار التام للدولة.

كما أن ضعف الشأن الداخلي وتماسك الدولة، مرتبط بالضرورة بإقليمها الخارجي، خاصة مشاكل القرن الأفريقي، ومشاكل على الحدود وحركة السلاح، نتيجة الحرب في ليبيا، مشاكل أخرى قد تطفو للسطح مع نظام المخزن في المغرب، وحركة المخدرات، الشيء الذي لن يسمح لدولة تعاني من مشاكل عديدة وهي على حافة الانهيار، لن يسمح لها بالتعامل كما يجب معها، الشيء الذي يطرح فرضية انهيار الدولة بشكل أسرع وانقسامها.

أما الجانب الدولي، فالجزائر لا تعيش في جزيرة منعزلة، ولن تستطيع، الأمر مرتبط ببعضه، الجزائر شئنا أم أبينا هي خاضعة لا محالة للتوازنات الدولية مثلها مثل كل دول العالم، وهناك مصالح مشتركة بين الدول ومرتبطة بعلاقات متداخلة تتحكم فيها المصلحة، وما زيارة نائب وزير الخاريجة الجزائري، رمطان لعمامرة مع الإبراهيمي، إلى بعض عوامل العالم المؤثرة مثل موسكو وبكين وواشنطن، إلا دليل على ارتباط الداخل الجزائري بالأوضاع الدولية.

زيارة لعمامرة هي لكسب الدعم الخارجي من تلكم العواصم عبر التحدث عن تهديد مصالحهم داخل الجزائر، فمصالح تلك الدول كبيرة في الجزائر ومن دون الدخول في حجم تلك المصالح، يكفي معرفة كيف تفكر تلك الدول نعرف مدى حجم تلكم المصالح، فإذا أتينا للولايات المتحدة الأمريكية فإنها بعد الحرب العالمية الثانية نصبت نفسها شرطي العالم، وتطرح نفسها على أنها الأمة الضرورية للعالم، ويمتدد مجالها الحيوي حيث توجد مصلحتها، والجزائر بوابة القارة الأفريقة وقريبة من منابع النفط في أفريقيا كخط أمن ومصدر ثابت للمحروقات الشيء الذي يجعل حدوث أزمة أمنية في الجزائر يهدد المجال الحيوي والمصالح الأمريكية بشكل كبير، وهذا الذي لن تسمح به الولايات المتحدة الأمريكية بكل سهولة. أيضًا روسيا فهي تنظر للجزائر على أنها سوق مهم للسلاح، كأهم رابع مستورد للسلاح في العالم، وهذا ما أشار إليه السفير الروسي في الجزائر على أن نصف الأسلحة الروسية التي تباع في أفريقيا تباع للجزائر.

أما الصين فهي ترى الجزائر يعيون التاجر، فمنذ 2014 وقت إمضاء الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الصين، والصين ترى أن الجزائر تشكل واحدة من أهم الأسواق في أفريقيا، وقد قامت الدولتان بتجديد الاتفاق للشراكة الاقتصادية الشاملة في خطة خماسية جديدة 2019/ 2023، وقد استثمرت الشركات الصينية في الجزائر في الثماني سنوات الأخيرة أزيد من 20 مليار دولار في قطاعات عدة خاصة البناء والأشغال العمومية.

أما بما يخص فرنسا فهنا حدث ولا حرج، فالعلاقات متداخلة بشكل كبير مما يجعل هناك صعوبة لتمييز الشركات الوطنية من الشركات الفرنسية، وبين الشركات الوهمية منها الحقيقية.

لذا فإن هاته القوى لن تسمح أبدًا بأن يكون هناك نظام بديل يهدد مصالحه ويلغي اتفاقيات متوسطة وطويلة المدى، أعتقد أن لعمامرة قد بين ذلك بشكل جيد، لذا فإنه قد عاد بخارطة طريق ودعم خارجي كبير، ستظهر نتائجها بشكل أكثر وضوحًا في الأيام القادمة، ولن أستبعد أنهم قد يلجؤون إلى تفعيل المادة 102 لكسب الوقت أكثر ثم الالتفاف حول مطالب الشعب.

أنا مع (يتنحاو قاع) لكن الأمر صعب، وصعب جدًا ـــ للمعطيات السابقة الذكر ـــ الأمر صعب ومتداخل، تتحكم فيه مصالح متعددة، محليًّا وإقليميًّا، ولو افترضنا تجاوز كل العقبات المحلية والإقليمية، فإننا مرتبطون بمصالح وتوازنات دولية ستجعل من (يتنحاو قاع) ضرب من ضروب المستحيل، لا فرنسا ولا الولايات المتحدة الأمريكة ولا روسيا ولا الصين، سيسمحون بأن تهدد مصالحم أبدًا وتحت أي ظرف.
ليس من باب التشاؤم ولكن التاريخ يخبر بأن تحقيق المصالح لا تخضع أبدًا لعواطف الشعوب، وأنها ستخدع أو ستداس في سبيل تحقيقها أو الحفاظ عليها.
لكن في الوقت نفسه فإن التاريخ أيضًا يخبرنا بأن ارادة الشعوب أقوى من كل شيء، قد نكون استثناء وقد يتحقق لنا.

«تتنحاو قاع»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد