هل المهادنة والتعقل في المطالب الشعبية ضرورة مرحلية؟

تثور الشعوب على مر التاريخ مدفوعة بحب التغيير المدفون بين طيات النفس البشرية التواقة دومًا لهدم القديم المتهالك، الشعوب التي تشتم رائحة العجز والانتهاء في كل من يحكمها، الذي يهترئ ويبلى فيعجز عن الحكم ويفسد، وتيأس النفوس التي استكانت وخضعت، لكنها ما تلبث أن تستبسل من أجل التغيير والحراك والقضاء على البالي الفاسد.

في الجزائر التي ضاق شعبها ذرعًا بالعبث والظلامية في تسيير شؤون حكمه، تحرك الشعب في اتجاه الأمام الذي غير وجه وطنه من شعب أثار التعجب في قبوله بحكم صورة لرئيس أثار أيضًا التعجب في سلمية تحركه، وغير في نفسه وواقعه ومستقبله، لكن التغيير الحاصل لا يرضيه، بحكم أن المشكلة معقدة من كل الزوايا، باستمرار نفس الوجوه في الحكم مما أوقع الجيش الذي ساند الشعب في حرج سياسي كبير، فها هو السودان ينفذ قفزة إلى الأمام سترجعه إلى الوراء.

الجيش الجزائري إذا تدخل صراحة ونحى رئيس الدولة، سيحل مجلس الأمة البرلمان وسينصب هيئة رئاسية بصلاحيات محددة لن يرضى عليها الجميع، وسيتهم باختطاف المطالب الشعبية وانقلابه على الشعب، كما فعل جيش السودان.

الحكمة أفضل من أي ثورة، قال هذا سوفوكليس، الكلام لا يحمل أكثر من معنى إلا التعقل المحتم وتحكيم المنطق الذي يدفنه الغضب والعنف والرغبة في الاجتثاث والقطع مع الماضي، ألا نرى البراميل تمطر النار في سوريا؟ ألا نرى الكوليرا تجتاح اليمن؟ ألا نرى دولًا داخل دولة في ليبيا؟ ألا نرى تونس تغرق في الديون والفساد؟ ألا نرى مصر تبيع كلمتها القوية وأرضها من أجل أن تبقى؟ كل تلك الشعوب التي ثارت هل فعلًا مارست كل قواعد اللعبة النارية التي يسميها الحالمون ثورة، أن تعيد ثورة من الممكن لكن من المستحيل أن تعيد وطنًا، ليس للتخويف يجب أن نفكر في هذا، بل للتريث وإعادة التمركز الجيد في التاريخ.

البلاشفة عندما ثاروا ضد القيصر أو العراقيون ضد الملكية أو النازيون ضد الإمبراطور أو الضباط الأحرار ضد فاروق أو الخمينيون ضد الشاه لم يبنوا من عدم بل وجدوا اقتصادًا قويًا وجيوشًا مهيكلة وصناعة وسمعة دولية، فأعادوا المشي على خطا أنظمة ثاروا عليها، وبالكذب والتهويل صار التطور والنمو من صنائعهم، ومنهم من تقدم بعد ثورات داخلية لم تظهر للعيان بل كانت على شاكلة انقلابات ناعمة وإقصاءات مرتبة، ومنها ما حقق نكوصًا شنيعًا، لانها كانت ثورات صوتية جوفاء أعماها الغضب.

الإسلام ثورة حقيقية ضد كل الموجودات البالية في العالم القديم، لكن ألم تبق الرسالة المحمدية 23 سنة وهي تحارب الأفكار والممارسات الجامدة المتزمتة؟، ألم يحرم الخمر على مراحل؟ ألم يناد بالحرية وأقر وقنن العبودية؟، بلى، لأن العنف المباشر والصادم سيكون له أثر عكسي ويقابل بثورة مضادة، خاصة عند فقدان البديل الذي يملأ الفراغ ، وفعل ما أغضب المهاجرين الدين حملوا هده الثورة على رموش أعينهم وبطونهم الخاوية، بأن استرضى رموز الطغيان في القبائل العربية بأن أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الغنائم، لإدماجهم وطمأنتهم على وضعهم بعد التغيير وإرساء النظام الجديد الذي جاء به الإسلام.

ما أشد مرارة من تعبير ساخر لتشارلي شابلن عندما قال يموت أحد الفقراء فيغضب بعض الفقراء فتقوم ثورة تعصف بالاقتصاد يموت فيها باقي الفقراء، القائل من أعظم الكوميديين في التاريخ، وقد صور العبثية التي من الممكن أن تأتي بها الثورات، التي في أحيان كثيرة تقوي النظم التي تنهار ظاهريًا، وتقتات على المهاترات الثورية وانشغال الشعب بزهوة الانتصار والانشغال بتغيير العجلات بجانب الطريق السريع للتاريخ.

الذي ينادي اليوم بالتغيير الشامل لا يطرح أي حل متكامل للأزمة، وهدا ما يجب تغييره في الدستور المقبل إن شاء الله، فالمادة 104 أصبحت هي المشكل، فحتى رئيس الدولة بن صالح ليس بإمكانه فعل أي شيء من شأنه تطمين الشعب بسبب صلاحياته شبه المنعدمة، لدلك يجب إما منح رئيس الدولة المتولي في حالة مثل التي نعيشها صلاحيات تغيير الحكومة أو خلق هيئة رئاسية من مركبات مختلفة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، فهل آن الأوان من أجل الهدنة الضرورية وتأجيل المطالب لكن البدء في الإستعداد الحقيقي من أجل المراقبة المستمرة للحكم القادم والتغيير مرحلة بمرحلة، وأكرر الثورة في المتناول بعد أعوام لكن انهيار الوطن سيستغرق عشرات الأعوام ولن يرجع كما عهدناه من قبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد