بينما تُقلب أخبار بلدك تَتقلب معها بداخلك الأفكار وتتصارع، فمع الأيام نُسقى كؤوسًا من الأخبار العليلة، علة هذا الوطن، الشارب منها ثمل يتمايل بين جدران الوهم والكذب؛ لا يستخلص منها الحقيقة، إلا كمن يُقطر الزهر ليستخلص عطره.

حين تكون في غربة وتُنبئك الهمسات القادمة من أرض الوطن بصفعة من أمام المستشفى الجامعي مصطفى باشا، صاحبها شرطي مهمته أن يحمي الوطن وأهله ويذود عن كرامتهم، لكن الأدوار تتغير ويصبح بدلًا عن ذلك مكلفًا بإهانتهم، فتلك الصفعة كان صداها في داخل كل حر منا يقلبها صعودًا ونزولًا عسى أن يجد لما تنتهجه هذه السلطة مع شعبها من مصوغات أو مبررات؛ مبررات صارت تتساقط من كثرة الصفعات المتتالية على وجه هذا الشعب المسكين كما تتساقط أوراق الخريف من الشجر وتنثرها الرياح بعيدًا تاركة إياها عارية بادية العورات لا تجد ما تخسفه عليها لتستتر.

كل ذلك يحدث ومجتمعنا المدني بكل أحزابه، جمعياته ومؤسساته غارق في الانتخابات التشريعية؛ فبين مؤيد للمشاركة ومعارض لها ضيعوا الشعب ومطالبه، بل ضيعوا حتى أسس الديمقراطية التي يَدَعُونها. فأي ديمقراطية باقية فيك يا وطن ومدير ديوان رئيس الجمهورية، أمين عام ثاني حزب في البلاد، يقول إنه هو من كان وراء قرار منع علي بلحاج من صلاة المسجد والتحرك خارج العاصمة، وأنه سيحرص على تطبيقه هذا القرار، حتى وإن كان ذلك يخالف القانون، أصلًا عن أي قانون نتحدث في ظل حكم الأشخاص وانفرادهم بالقرار ليبقى الشعب من غير ربان، فنفس من حرك تلك اليد لتصفع وجه طالب الصيدلة؛ هو نفسه من حرك غيرها لتكسر رجل علي بلحاج، فمنعته حقيقة عن التحرك من غير حاجة لقرار أو لشرطة.

ثم في خضم كل ذلك تنقلك الهمسات لتسمعك عن أخبار من مدينة العلم والعلماء، تقول إنها ارتعدت أمام تفجير غادر لمركز من مراكز الأمن فيها، إلا أنني وفي خضم كل ذلك لا أدري لماذا يحاول عقلي الذي قارب الجنون بتقليبه لكل هذه الأفكار أن يربط بين هذا الخبر وبين قول مدير ديوان رئيس الجمهورية من جديد حين قال متوعدًا ومهددًا للجميع: بأن هذا النظام إذا سقط فلن يسقط لوحده. نعم سيسحب كل شيء معه، مثل دوامة الإعصار، فهو بذلك القول يذكرنا بما قاله وفعله أفراد من النظام، بعدما أحسوا بخطر يتهددهم في سنوات العشرية السوداء؛ حين أتو على الأخضر واليابس، بل حين صارو يتمثلون في قول ابن بطوطة وهو يصف سقوط الطغيان بأنه ذلك الثور الهائج في وسط معمل الفخار يأتي على كل شيء فيسويه بالأرض كالتراب.

هنا يتبادر للذهن عدة أسئلة، أهمها: هل النظام يتخبط في ضرباته الأخيرة؟ أم أنه صراع داخلي يريد كل طرف فيه أن يعرض عضلاته ويُحذر من يحاول تهديده؟ أم أنها مجرد مسرحية لتغيير الواجهة من غير أن يحس الأهالي؟ وبالرغم من كل هذه التساؤلات، فلا أعتقد أنه يوجد من يمكن أن يجيب عن هذه الأسئلة؛ إلا أن يكون مشروعًا لجثة هامدة أو منغمسًا في النظام حتى أخمص قدميه، ولكن يمكننا أن نتأكد من أن الضحية الوحيدة هي الشعب؛ الذي دفع ولازال يدفع الثمن غاليًا من غير أن يقبض بدل هذا الدفع شيئًا، بل سيدفع من جديد وفي عديد المرات؛ لأنهم أقنعونا أن هذا الدفع واجب تجاه الوطن. للأسف صرنا نتوجس من ظنوننا ونتصارع مع أفكارنا التي سترمينا رفقة كل هذه التقلبات نحو الهلاك أو الجنون من غير أن نفهم إلى أين يقودنا هذا النظام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

كيفية تكوين الجزائري
شارك 1
منذ 4 أسابيع
فلسفة
متشرد جزائري مثقف
شارك 97
عربي
منذ شهر
زمن الأزمة زمن التتويج
شارك 70
رياضة
منذ شهر
حتى لا تفشل «ثورة الجزائر»
شارك 73
الربيع العربي
منذ 4 شهور