«حميد قرين» و«فاطمة بتول كايا» فصلان من حكايتين مختلفتين لم تتشابه فيهما إلا مهامهما باعتبارهما وزيرين؛ الأول للجزائر والأخيرة لتركيا. ففي شهر أكتوبر من سنة 2015 تم تفتيش الوزير الجزائري في مطار أورلي بباريس بشكل دقيق كما وصفته الصحف الجزائرية؛ وما يقصد بالدقيق في تلك الصحف هي تلك الأصابع التي امتدت إلى نخاع السيد «قرين» وزير الاتصال الجزائري ففتشت ظاهره كما فتشت باطنه، وكأنهم أرادوا أن يحققوا له الاتصال الذي فشل في أن يوفره لشعبه، يومها لم يصدر من النظام الجزائري ولا ردة فعل إلا ما بدر منه على استحياء في شكل احتجاج شفوي توجه به وزير الخارجية السيد «رمطان لعمامرة» لدى نظيره الفرنسي «لوران فابيوس»، مع أن المعروف عن السياسة الخارجية الجزائرية قوتها ولكن في الغالب تتوقف هذه القوة عند أبواب الإليزي. لم تكن قصة «قرين» هي الإهانة الأولى لشخص بمكانة وزير في الدولة الجزائرية التي تحدث في مطار فرنسي، وأكاد أجزم أنها لن تكون الأخيرة؛ فقد سبق «قرينًا» كل من وزير السكن «عبد المجيد تبون» ووزير الصناعة «عبد السلام بوشوارب» فلم يسلما هما الآخران من التفتيش.

أمام هذا الرد المحتشم من السلطات الرسمية في الجزائر على فعل يعتبر إهانة للدولة قبل أن يكون إهانة للأشخاص، وحتى الرد الإعلامي الذي لم يختلف كثيرًا سواء في القطاع الخاص أو العام؛ فهو لم يتعدَ كونه بضعة أسطر في بعض الجرائد أو مجرد خبر مر مرور الكرام في إحدى نشرات الأخبار، لم يبقَ لنا بعد هذا سوى أن نلتفت إلى الرد الصادر من الشعب؛ الذي لم يجد له من مجال كي يعبر عن آرائه سوى في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يكون الفيسبوك هو من حَصَّل نصيب الأسد من تلك الردود والتي تمثل أغلبها في تعليقات غاضبة وساخرة؛ غاضبة مما وصلت إليه مكانة الجزائر في مواجهة دولة أقل ما يقال عنها إنها عدو الأمس وغريم اليوم، وساخرة من وزرائنا والحالة التي أوصلوا أنفسهم إليها من ذل وهوان. ففي تلك الأيام أذكر جيدًا تلك التعليقات المتناثرة في تويتر والفيسبوك والتي لم يسلم فيها «قرين» و«حكومة سلال» من أن يكونوا مجرد حكايات تطير لمختلف بقاع العالم من غير أن تفوت حط الرحال بمطار الأورلي لتمررهم عبر أصابع تفتيش أدق من تفتيش السكانير.

بعد هذه المشاهد من حكايتنا الأولى في الجزائر تنقلنا الحروف على عجل حتى تكاد تتعثر لتروي لنا مشاهد من حكايتنا الثانية ولكن هذه المرة في تركيا؛ حيث إن وزير العائلة السيدة «فاطمة بتول كايا» – بنت 36 ربيعًا – أُوقفت ومُنعت من الوصول إلى سفارة بلدها في روتردام وذلك بعد أن قَدِمت من ألمانيا برًا، متحدية تحذيرات الحكومة الهولاندية لها بمنعها من لقاء الجالية التركية في حال قدومها إلى هولندا، ويُظهر الفيديو توقيف الشرطة لها مع إحضار مترجم لغة تركية مع أنها تجيد الإنجليزية وبطلاقة، لإخبارها بأن لديهم أوامر من رئيس الوزراء الهولندي بإرجاعها من حيث أتت. رغم كل ذلك ظلت كايا تناقش في الشرطة وتصر على حقها في الوصول إلى سفارة بلدها. انتهى الأمر في الأخير بإرجاع الوزيرة الشابة إلى ألمانيا لتطير من ثَمًّ إلى تركيا، مخلفة وراءها أزمة ديبلوماسية ما بين البلدين، وواضعة هولندا في موقف حرج بداية من أول تغريدة لها بعد الأزمة على تويتر حين قالت «أتمنى أن تعود هولندا وأوروبا في أقرب وقت إلى قيم الديمقراطية، التي يقولون إنهم يدافعون عنها».

مباشرة وخلال هذه الأزمة انفجر كل من رئيس الجمهورية التركية «رجب طيب أردوغان» ورئيس وزرائه «بن علي يلدرم» في وجه الحكومة الهولندية وتصرفاتها واصفين إياها باللاديمقراطية، بل تعدوا ذلك بكثير حين وصف أردوغان الحكومة الهولندية ببقايا الفاشية والنازية في أوروبا بالرغم من علمه بوقوف الاتحاد الأوروبي في صف هولندا؛ وهو ما تُرجم في تصريحات المستشارة الألمانية «أنغيلا ميركل» حين طلبت من أردوغان الهدوء والتعقل في تصريحاته، إلا أن هذا الأخير لم يأبه وتوالت ردود أفعاله؛ فطلب من السفير الهولندي الذي كان في إجازة عدم الرجوع إلى وقت غير معلوم وأغلق كل الشوارع المؤدية إلى السفارة والقنصليات الهولندية محتجًا بدواعٍ أمنية. يومها المعارضة والحكومة كانوا صفًا واحدًا لأن تركيا قبل كل شيء.

ثم يلفت انتباهنا ذلك الرد المميز من الصحافة سواء الموالية للحكومة أو المعارضة؛ فلم تتوقف لما يقرب الأسبوع من خلال لقاءات خاصة ونشرات إخبارية عن تحليل القضية، وأسباب الأزمة وما هو الرد المناسب الذي يجب أن تتخذه حكومتهم على تصرفات كهذه، هذا كله من غير ذكر ما خصصته الصحافة المكتوبة من صفحات ولأيام فيما يتعلق بهذه الأزمة. أما على مستوى الشعب فإنه تخطى بكثير وسائل التواصل الاجتماعي ليكون ردًا غاضبًا ولكن مفتخرًا؛ غاضبًا عبر عدة مظاهرات أمام كل من السفارة والقنصليات الهولندية في مختلف مدن تركيا، متزامنة مع مظاهرات الجالية التركية في هولندا التي لم تنجح الحكومة الهولندية في تفريقها إلا باستعمال الخيل والمياه الساخنة، وفي نفس الوقت مفتخرًا بقرارات حكومته وبأنهم استطاعوا خلق قلق للأوروبيين بما حققوه من تطور اقتصادي وبما يريدون تحقيقه.

بعد أن اكتملت جولتنا في مشاهد الحكايتين من الجزائر إلى فرنسا ومن تركيا إلى هولندا يمكننا أن ننسج خيوطًا تربط نقاط القوة الداخلية التي تساهم في تكوين سياسة خارجية حكيمة وقوية لأي دولة وكيف يمكن لهذه القوة أن تنتقل عموديًا حتى يتبناها المعارض قبل الحاكم ويسندها الإعلام ليتلقفها الشعب:

* أولًا العلاقة ما بين الشعب والحكومة علاقة مترابطة في الاتجاهين؛ فالشعب لا يتلقف إلا ما جاء منه فإذا كان هو من اختار الحكومة ووزراءها فسيدعمهم لأقصى الحدود ويتبنى مواقفهم، وفي نفس الوقت الحكومة إذا كانت تعرف أن الشعب هو المقرر الأول والأخير في من سيكون في الحكومة القادمة فإنه يستحيل أن تخذله في مواقف مماثلة؛ لذلك فإن الحكومة تستمد القوة من الشعب، وليس من حسابات معينة يمكن في ليلة أن تُوَليك وزارة في الحكومة أو تُقِيلك منها.

* ثانيًا إذا ضمنت انتخابات نزيهة فإنك ستوفر دعم الأحزاب والمجتمع المدني في الأزمات حتى من المعارضة، لأن الغالبية العظمى من الشعب والأحزاب متفقة على أن السبيل الوحيد لتغيير السياسات والحكومات يكون عبر صناديق الاقتراع، لذلك فصعب على أي من كان التخلي عن هذا القدر من الحرية التي ينعم بها في ظل حكم الأغلبية واحتمال تغيير الكفة ليصبح رأيه هو رأي الأغلبية.

* ثالثًا الاستقلالية السياسية والاقتصادية وهي ما تعتمد على النقطة الأولى بالإضافة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية الأولية من خلال دعم الفلاحين وسن القوانين لحمايتهم من جشع السماسرة، مع بناء اقتصاد وطني قوي ومستقر، على الأقل كبداية الصناعات الصغيرة وتسهيل الاستثمار في الصناعات المتطورة لشركات أجنبية كبرى حتى تُكتسب منها الخبرة تدريجيًا، وذلك للتخلص ولو جزئيًا من التبعية الاقتصادية التي أصبحت قيودًا تستغلها القوى الكبرى.

* رابعًا تقديم شباب متمكنين ومتفوقين لقيادة البلاد مع توفير الاحتكاك بالجيل السابق؛ وهنا أعلق بما قاله ماك بن نبي وهو يتكلم عن القابلية للاستعمار بأن الجيل الذي عاش خلال الحقبة الاستعمارية سيكون من الصعب عليه أن يتخلص من هذه الخاصية ومن الشعور الدائم بالنقص والتبعية لمستعمِر الأمس؛ وهذا بما يتلخص في بعض العلاقات الضبابية ما بين أشخاص في السلطة وبين مستعمِر الأمس.

* خامسًا توفير الحرية للصحافة والجو المناسب للعمل الصحفي مما يسمح بظهور التنافس فيما يخص المعلومات والمصداقية فبذلك تصفى الساحة الإعلامية تدريجيًا للحصول على إعلام معارض أو مؤيد همه الوحيد مصلحة البلاد ولو من نظرة مخالفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد