بعدما عرضنا في المقال السابق خلفية الآباء المؤسسين ودورها في النمط الجماعي للقيادة الذي يتبعه النظام الجزائري نحاول في هذه الحلقة الاستمرار على نفس المنوال لشرح موقف النظام من مختلف الإيديولوجيات المعاصرة.

 

جملة واحدة ستقودنا خلال هذا المقال تختصر في قصرها تصور الآباء المؤسسين لإيديولجية الدولة المنشودة.

ما جاء في بيان أول نوفمبر الذي يعتبر أكثر من كل الدساتير التي توالت على البلاد أهم وثيقة سياسية تستمد منها السياسة مرجعيتها تحديدًا للهدف الأول من حرب الاستقلال: إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية

 

الإسلام والثورة
منذ دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر كان الإسلام أهم عناصر المقاومة ضده وكل الانتفاضات المسلحة كانت تقوم باسمه ولإخراج الكفار من أرض المسلمين إضافة إلى هذا كان الإسلام ولا يزال إلى يومنا هذا أقوى رابط يمكنه أن يجمع بين مختلف أعراق الشعب الجزائري.

 

هذه الحقيقة وعاها الآباء المؤسسون جيدا ووضعوا الإسلام في الصلب من حراكهم ومنذ البداية تبنوا المصطلحات الإسلامية في التعبير عن حركتهم، تم تحديد صيحة الانطلاق الله أكبر، وكان العمل الذي يقومون به جهادًا ضد المستعمر (ليس قتالًا أو نضالًا عكس التعابير التي استعملتها حركات تحرر عربية أخرى) وكان العناصر مجاهدون وكان لسان حال الحزب الناشئ هو جريدة المجاهد وكان من يموت في هذه الحرب يسمى شهيدًا.

 

كما قامت جبهة التحرير طيلة حرب الاستقلال باستهداف أوكار الرذيلة وتجار الخمور الجزائريين.

 

لم تكن هذه الصبغة الإسلامية اعتباطية أو وليدة لحظة معينة بل كانت ثمرة جهد حركة الإصلاح الإسلامي التي مثلتها في الجزائر جمعية علماء المسلمين وكان معظم الآباء المؤسسين خريجي معاهدها الأهلية، إضافة إلى تعليم أساسيات الفقه والعقيدة الصحيحة ومحاربة الشرك والشعوذة، كان تعليم اللغة العربية من أهم نشاطات هذه المعاهد.

 

تعليم اللغة كان ينظر إليه كأهم وسيلة لحفظ هوية الشعب وربطه بتراثه العريق والتأكيد على تمايزه عن العنصر الأوروبي، في المقابل كانت الدعاية الاستعمارية تركز على أن أرض الشمال الافريقي هي أرض توالى عليها الغزاة ليس لديها هوية أو انتماء محدد وأن الغزو الفرنسي هو في النهاية رد الأمور لنصابها بربط المنطقة مجددًا بالحضارة اللاتينية بعد فاصل إسلامي دام بضع قرون.

 

رغم تفاوت التزامهم الديني على المستوى الشخصي طوال سنوات حرب الاستقلال الثمانية وما بعدها لم يجادل أحد داخل الصف الوطني عن مكانة الإسلام أو انتقصه كعنصر تخلف بالعكس كان هناك إجماع على أهمية الدين في مواجهة المستعمر والنهوض بالمجتمع من الآفات التي تنتشر فيه كالجهل والشعوذة.

 

لم يكن هناك أي صدام بين الوطنية والدين، كان كل الجزائريين مسلمين وتحرير الجزائر هو رفعة للإسلام، لكن في المقابل لم يكن في كل تراث جمعية العلماء المسلمين أي كلام عن الحاكمية أو شيء اسمه الدولة الإسلامية أو اعتبار التناقض بين الدولة الحديثة والإسلام.

 

المورد الغربي
لم يكن الإسلام هو المورد الفكري الوحيد للحركة الوطنية فكان أول حزب سياسي تأسس في الجزائر هو حزب نجم الشمال الأفريقي أسسه مصالي الحاج بعد احتكاكه بالحركة العمالية الفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى في المهجر.

 

كانت زوجته إيميل بوسكانت مناضلة نقابية أناركية قريبة من التروتسكيين وسيبقى معظم خطاب مصالي الحاج حتى أواسط الثلاثينات متمحورًا حول الاستقلال والعدالة الاجتماعية واكتست كل الأحزاب التي أسسها بعد ذلك صفة اليسار الشعبوي مطعمًا بالهوية الإسلامية العربية. لم يكن مصالي الحاج ماركسيا لكن كان يصدر عن ملاحظة بسيطة وهي حالة الفقر المدقع التي كان يعيشها تسع أعشار الشعب الجزائري وقتها.

 

في أواسط الخمسينات انشق معظم من كان من الجزائريين في الحزب الشيوعي الفرنسي بعد البيان الشهير القائل أن مصير الطبقة العاملة في الجزائر مرهون بانتصار شقيقتها في فرنسا ولذا فإن الدعوة لاستقلال الجزائر هو مضيعة وقت، إلى جانب هذا فإن طول فترة الحكم الفرنسية وتوزيعها بأسها بالتساوي على مختلف مناطق الجزائر عزز من شعور الناس بالمصير المشترك، يمكن القول هنا أنه لولا الاستعمار لما كانت هناك وطنية جزائرية.

 

هذا التأثر بالنموذج الفرنسي لمحاربته باستخدام ألفاظه ومفاهيمه كالحرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير وأكثر من ذلك تبني نموذج الدولة المركزية كان مسيطرًا عند الآباء المؤسسين ويبقى أكثر الموارد الغربية تأثيرًا في النظام الجزائري.

 

التوازن الصعب
بعد الاستقلال استمرت الدولة الناشئة على هذا المنوال وتم استيعاب معظم كوادر جمعية العلماء في وزارة التربية ووزارة الأوقاف فتم عبرهم تعريب التعليم ونشر المدارس والمساجد عبر أراضي الوطن واستدراك النقص الفادح الموروث من الفترة الاستعمارية.

 

إلى جانب هذا تبنت الدولة النموذج الاشتراكي السوفياتي في الاقتصاد فأممت الأراضي الزراعية والمحروقات كما قامت بإنشاء قطاع صناعي حكومي كما أقرت إجبارية التعليم ومجانيته والتأمين الصحي. لم يكن يوجد أي تناقض عند النظام الجزائري بين تبني النهج الاشتراكي اقتصاديا مع الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للبلد كان ينبغي أن تأتي الملاحظة من الخارج.

 

لما تكلم بومدين في افتتاح لمؤتمر الفكر الإسلامي عن اشتراكية الإسلام فاستدرك عليه الإمام أبو زهرة هذا المصطلح وحدث تبادل أقر بعده الرئيس للعالم بالأحقية، سيستمر الرئيس الشاذلي على نفس النهج وسيكثر من الظهور جنب مشاهير العلماء في العالم الإسلامي مع الاستمرار في نفس المسار السياسي والاقتصادي، انفرط عقد هذا التوازن الصعب خريف 1988 مع أحداث أكتوبر وما أعقبها من انقلاب عسكري بعد ثلاث سنوات ودخول البلاد نفق الحرب الأهلية ومنذ وصوله للحكم يحاول بوتفليقة البحث عن هذا التوازن المفقود بصيغة مختلفة.

 

أزمة أجيال
من الطريف أن نلاحظ أن (الصحوة) لم تكن ممكنة في الجزائر لولا انتشار التعريب الذي كانت تشرف عليه الدولة. بالإضافة لظهور الإسلام السياسي إلى الساحة متأثرًا بأفكار الإخوان المسلمين، في نفس الوقت نشأ جيل من اليسار معظم ثقافته فرنسية يلوك دون فهم مقولة الدين أفيون الشعوب وصار يبحث في أغوار التاريخ ما ينسيه الانتماء العربي الإسلامي.

 

هذا الانشقاق داخل نخب جيل الاستقلال سيكون الدافع الأساسي في فشل إصلاحات الربيع الجزائري نهاية الثمانينات ودخول البلاد دوامة الحرب الأهلية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد