كثيرا مايبدو النظام الجزائري غامضًا وعسيرًا على الفهم للمتتبع العربي وتبدو أحيانا تصرفاته متناقضة فيلجأ الكثيرون إلى الاختصارات المخلة والتعميمات الخاطئة فتارة يصفونه بنظام الجنرالات الاستئصاليين وتارة يصفون رئيسه الحالي بالدكتاتور المتحالف مع الإسلاميين لقمع الحريات وأسلمة الدولة.

 

الحقيقة أن هذا النظام وليد لحظة تاريخية معينة هي حرب الاستقلال، ولا يمكننا فهم تصرفاته وخياراته السياسية دون معرفة ظروف نشأته وخلفية مؤسسيه وإدراكهم لمحيطهم الدولي ومدى تأثرهم بالأفكار السائدة في عصرهم.

 

الآباء المؤسسون
طوال سنة 1954 مر حزب الشعب الجزائري بأزمة عميقة بين قائده وزعيمه التاريخي مصالي الحاج وبين كوادر الصف الأول متمثلين في اللجنة المركزية للحزب، ظاهر الخلاف كان الاستمرار في المشاركة السياسية في ظل النظام الاستعماري، فبعد إصلاحات 1947 صار صوت الناخب الجزائري معادلًا لصوت الناخب الأوروبي لكن الاستعمار برع في التزوير المنهجي والمفضوح لكل المواعيد الانتخابية التي تلت هذه الإصلاحات أو تبنى أساليب أخرى في المواجهة كالعمل المسلح. اما الجانب الآخر للصراع فكان رغبة الكادر في التخلص من الظل الثقيل للزعيم الكبير الذي ظل من منفاه يريد الإمساك بخيوط الحزب.

 

لا يمكن وصف حزب الشعب بالوطنية الأليفة، فهو لم يكن حزب البرجوازية بل كان حزب الجماهير والشباب منهم تحديدًا، فخاض العديد من المواجهات الدامية مع النظام الاستعماري كان آخرها محاولة الانتفاضة الفاشلة في مايو 1945 والتي قمعها الجيش الفرنسي في وادٍ من الدماء. ومضي علي إثرها رئيس الحزب معظم حياته بين المنافي والسجون.

 

في وسط هذا الخلاف البيزنطي وبعد جولات مكوكية للإصلاح بين الطرفين، وصلت مجموعة من قيادات الصف الثاني – معظمهم من قدامى التنظيم الخاص الذي أوكلت إليه مهمة الإعداد للعمل المسلح، إلى أنه لا جدوى من هذه المساعي، وأن المخرج هو المضي قدمًا في العمل المسلح ووضع الطرفين في الحزب وفي كل الساحة الوطنية أمام الأمر الواقع.

 

كان عددهم 22 رجلًا معظمهم في بداية الثلاثينات من العمر من ذوي التعليم المتواضع، لكن لهم ثقافة نضالية واسعة، كلهم جربوا السجن أو الإبعاد، أغلبهم شارك في الحرب العالمية الثانية سواء في البداية لما شهدوا هزيمة فرنسا النكراء أمام ألمانيا أو في النهاية، شاركوا في التحرير، شارك الكثيرون منهم في معركة مونتي كاسينو الشهيرة في إيطاليا وحازوا أوسمة الشرف.

 

من مختلف أنحاء الوطن قدِموا وقرروا الشروع في العمل المسلح بعد أن رفض كل القادة الكبار من الفريقين إعطاءهم أي غطاء أو مباركة .

 

كلفوا ستة منهم بتشكيل لجنة عمل ومتابعة وأسسوا حزبا جديدا اسمه جبهة التحرير الوطني.

 

اغتيال الوالد
ميدانيًا توجهت أسلحة التنظيم الجديد إلى المستعمر والفئات الجزائرية الموغلة في التعاون معه لكن سريعًا اصطدمت في المدن أو القرى والجبال أو المهاجر مع جماهير المريدين الأوفياء للأب الزعيم الروحي للحركة الوطنية مصالي الحاج.

 

كان في تصور التنطيم الناشئ أنه بمجرد الشروع في العمل المسلح ستلتحق بهم قواعد حزب الشعب وكوادره وشبكات دعمه. الواقع لم يكن بالبساطة التي تصورها هؤلاء الشباب، بدأ الأمر باحتكاكات بين العناصر ثم تحول إلى مواجهة مفتوحة بين الطرفين في اجتماع ضم كل قيادات جبهة التحرير في الداخل تقرر إنهاء أي وجود مسلح خارج الجبهة وتحديدًا تنظيم مصالي الحاج الذي كان على عناصره إما ترك السلاح وإما الانظمام كأفراد لجبهة التحرير.

 

بطريقة تشبه كثيرا ما تقوم به داعش الآن في سوريا والعراق، اندلعت مواجهات شرسة بين الفريقين، ولأكتر من مرة حاولت جبهة التحرير التخلص من مصالي الحاج في إقامته الجبرية في ريف باريس.

 

تم تعقب المصاليين في القرى والجبال والمدن الكبرى وحتى فرنسا التي كانت تعرف تواجد جالية جزائرية كبيرة، اندلعت المواجهات بين الفريقين بالأسلحة الخفيفة والثقيلة والبيضاء وبأسلاك الكهرباء التي كان يخنق بها المصاليون تفاديًا لظهور أي زعيم ذي نزعة فردية، أو قطع رأس التنظيم سيكون القرار السياسي في المستقبل جماعيًا عبر كل مراحل الثورة وحتى في الإعداد لها وفي كل القرارات الحساسة.

 

وبالبحث فعلا نجد شخصًا كان محرضًا ومحركًا، لكن دخول القرار حيز التنفيذ لا يكون إلا بالإجماع، في بداية الثورة كان الأمر بيد كل من بن مهيدي عبان رمضان وكريم بلقاسم ثم في نهايتها آل إلى الباءات الثلاثة بوصوف بن طوبال وبلقاسم.

 

هذه الصيغة الجماعية للحكم ستبقى ملازمة للنظام الجزائري إلى يومنا هذا، صحيح يبقى لرئيس البلاد أهميته في السياسة الداخلية وأولويته في تمثيل البلاد في الخارج، لكن القرار في جوهره يبقى جماعيًا بين ممثلي مختلف مراكز القوى في الدولة.

لم تعرف الجزائر الحاكم أبو الشعب مثل ما كان عبد الناصر أو حافظ الأسد حتى بومدين الذي ينظر له الكثيرون كنسخة معدلة من هؤلاء رغم جرأة مواقفه في السياسة الدولية لم يكن في الداخل وعند الجماهير يظهر بمظهر الزعيم ويؤكد على جماعية القيادة.

 

في فترة حكم الشاذلي بن جديد ستتوزع السلطة داخل الحزب و مختلف تياراته

 

بعد انقلاب 1992 سيحط الانقلابيون عمدًا من مركز الرئاسة عبر إفراغها من صلاحياتها وجعلها عرضة لألسنة الصحافة، تصرف الانقلابيين أنفسهم هو استمرارية لهذا المنطق إذ رفضوا تعيين قائد لهم وأبقوا على جماعية القرار حتى في فترة حكمهم المباشر.

منذ وصول عبد العزيز بوتفليقة للحكم كان معظم جهده منصبًا على استعادة صلاحيات الرئاسة، بعد خمس عشر سنة من العمل الدؤوب أصبح القرار بين ثلاث مراكز هي الجيش والرئاسة والمخابرات، مع أولوية للرئاسة على الفريقين الآخرين.

بعد أن كان الهدف من جماعية القرار هو استمرار الثورة في حال اعتقال أحد القادة، تحول بعد الاستقلال إلى وسيلة تمنع من طغيان غياب رأس للنظام يتركز عليه غضب الجماهير، وكون منصب الرئيس في مرمى السخرية الشعبية والصحفية يخفف كثيرًا من أي احتقان يمكن أن يحدث أو حراك شعبي يطالب برحيل الرئيس.

 

في الحلقة القادمة سنتناول موقف النظام من الإيديولوجيا والقوى الدولية المحيطة به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد