يعيش المجتمع داخل الدولة في إطار علاقة تعاقدية بينه وبين المحكوم حسب ما تتفق عليه الأدبيات السيسية الغربية والاسلامية على حد سواء، بحيث يتنازل المحكوم على جزء من سلطته للحاكم لقاء أن يوفر له هذا الأخير الحد الأدنى من أمنه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري.

هكذا الشعب الجزائري عاش فترة طويلة من حالة استنزاف قصوى لحقوقه السياسية والضغوط الاقتصادية والترهيب الاجتماعي قبل وبعد الاستقلال، نتيجة مصادرة السلطة لكل وسائل القوة واستئثارها بمصادر النفوذ، بذرائع مختلفة سياسية أيام الحزب الواحد، أمنية في فترة العشرية الدموية، وشرعية وظيفية منذ سنة 2000 إلى يومنا كسبيل للتثشبت بالسلطة بهدف بناء الاقتصاد الوطني دون جدوى منه وهو من دواعي الحراك ولو كان ثانويًا.

سبق الربيع الجزائري الوجة العربية بحوالي 23 سنة حين امتلأ الشارع بأصوات الشعب التي صدحت بصوتها لتبلغ عنان السلطة في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988، مطالبًا بانفتاح سياسي وإصلاح اقتصادي ليتوج بها الشعب بدستور 1989 يضمن لهم فضاء ممارسة الحريات السياسية والمبادرات الاقتصادية الفردية ويرفع بذلك غطاء الكولونيالية الموروثة.

لكن ما لبث التتويج مدة حتى تصادر حريته نتيجة رفض النخبة الحاكمة الفعلية للديمقراطية التي هددت مصالحهم ومصالح القوى الغربية التي يخضعون لهان وعليه عاد الشعب إلى ملاجئهم ليدفع ثمن مطالبته بالديمقراطية مؤجلين الديمقراطية لإشعار غير مسمى.

أتت موجة الربيع العربي مماثلة للأحداث السابقة للجزائر سنة 2011 تطالب فيها الشعوب العربية رحيل الانظمة التي صادرت حرياتها بمنهجية قمع استعمارية بحتة (تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن) وانطلقت بالموازاة مع الثورة الشعبية ثورات مضادة لارادة الشعوب فنجحت في مصر وهي تنشط في ليبيا وتفشل في تونس وتقاوم في اليمن، وبذلك أعطت دروسًا قيمة لتصحيح مسار الثورات العربية مستقبلًا الآمنة بالتحرر من الهيمنة الاستعمارية التقليدية أو من ممولي الثورات المضادة المتمثلة في الإمارات والسعودية.

بعد الاستنزاف القهري والتلاعب الممارس على الشعب الجزائري طيلة عقدين من الزمن وانكشاف معدن الحكام الفعليين للدولة وبروز دون غطاء للسلطة الماورائية بعد إعلان العهدة الخامسة للرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة وهو في وضع صحي لا يؤهله لممارسة وظائفه اليومية بعيدًا عن تسيير الدولة، خرجت أول مظاهرة سلمية في 16 فبراير (شباط) 2019 بمدينة خراطة لتغرد بصوتها عاليًا رافضة للعهدة الخامسة ليتبنى باقي التراب الوطني في 22 فبراير 2019 نهج الثورة المتميز بسلمية مخالفة بذلك عرف الثورات العربية الأخرى المتسمة بالعنف بمستويات مختلفة والتي بدورها أعطت دروسًا حول نوائب العنف وبلغ الشعب الرجاء واسقط الخامسة ودفع بالحكومة للاستقالة وما زال يناضل حتى يخرج كل منبوذ في السلطة وإسقاط الهيمنة وبناء دولة جديدة بعيدة عن الشرعيات التقليدية.

انتظم الشعب الجزائري في إطار شعارات وأبرزها لا للعهدة الخامسة ورحيل النظام ويتنحاو قاع والمشكلة عائلية لا للتدخل الأجنبي ويقصد بها بالتحديد فرنسا الاستعمارية والامارات العربية كونها عرابة الثورات المضادة ويشهد التاريخ على ذلك.

ما يميز الحراك الشعبي في الجزائر إضافة الى كونها سلمية هو استبعاده للقوى السياسية المتمثلة في الاحزاب السياسية تاركًا إياها على هامش الأحداث تسبح في ضعفها المعهود لإدراكهم أن تلك الاحزاب غير جديرة بمواجهة السلطة والقيادة وهو السبب الذي دفع بالشباب للأخذ بزمام المبادرة للمطابة بحقوقه عن طريق الشارع.

فكما هو معروف عن الأحزاب السياسية في الجزائر أنها منقسمة إلى ثلاث فئات وهي:

أحزاب المولات: المتمثلة في أدوات السلطة ودرعها التي تواجه الشعب بها.

أحزاب معارضة: وهي أحزاب ضعيفة عاجزة عن إصدار ابسط بيان يندد بالممارسات القهرية ضد الشعب نتيجة الحصار والرقابة المفروضة عليها.

أحزاب مجهرية: وهي أحزب لا تنشط بداعي أنها لم تكتمل نموها الطبيعي لتمارس السياسة في أرض الواقع.

وبالتالي إن صمت البعض منهم وتواطئ البعض واللامبالاة البعض وتآمر البعض وتغاضي البعض الآخر أفقد الشعب الثقة في الأحزاب السياسية وهذا ما يدعو إلى أن ينتظم الشعب في إطار قوى اجتماعية متعددة الاختصاصات (مالية، اجتماعية، تربوية، سياسية، اقتصادية) تكون على قدر كبير من القوة في مجالها لمقاومة النظام والحلول في محله بنماذج واقتراحات تقدمية يغير بها الوضع القائم لتجنب الدخول في أزمة فراغ عام لمصير قيادة الدولة في حالة رحيل النظام التي تلوح في الأفق والله المستعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد