تعلمت بتجربتي أمورًا جهلتها .. وقد تجهل الأشياء قبل التجارب!

إن القراءة الحاذقة لتجارب الثورات العربية المعاصرة على تباين مآلاتها، سيساعد المراقبين على حيازة المقاربات والأدوات التحليلية لاستشراف الحلول والمخارج المناسبة للأزمة الجزائرية الحالية، دون إغفالٍ للسياق الزماني والمكاني والخصوصية المجتمعية والظروف الإقليمية والدولية، فالهدف ليس استنساخ تجربة معينة بقدر ما هو في الاستفادة منها، واستلهام العبر من النماذج السابقة كما هو شأن العقلاء والحكماء، وهو ما يدفعنا للتساؤل: ما الذي يجب أن يستفيده الحراك الجزائري من تجربة الثورات العربية؟

إن أخطر المراحل التي تمر بها الدول عقب ثوراتها هي المسار الانتقالي الذي يعقبها مباشرة، إذ تشوبه محاذير محدقة أهمها:

1- التراكمات السلبية التي خلفتها حقب الاستبداد؛ والثقافة السياسية الرديئة المكرسة عبر عقود، والتي ستشكل تحديًا كبيرًا في سبيل تحرير العقول من الأفكار القاتلة والميتة التي رسخها النظام التسلطي في المجتمع.

2- إعادة تشكل النظام في ثوب جديد من خلال بعث رجالات الصف الثاني أو الثالث (الطابو Tabou) لِلَعب أدوار مركزية في المرحلة القادمة، وهذا أخطر تهديد قد يجهض كل آمال الحراك في المدى المتوسط.

3- والأخطر من ذلك هم رجال النظام المستترين أو العلبة السوداء، والذين يشكلون القوة الذكية للنظام والعقل المدبر والمهندس للسياسات (الألغام المستترة).

4- محاولات الالتفاف على مطالب الشعب بعمليات استعراضية تطمينية، وتغييرات بروتوكولية لكسب ثقة الشعب مؤقتًا وخطب وُدّهِ.

إن أكبر تحدٍّ يتهدد الحراك الشعبي بالجزائر وآماله في التغيير الحقيقي هو في مرحلة ما بعد الحراك، أي في المحافظة على مكتسباته والبناء عليها لإتمام مسيرة الإصلاح وهندسة المستقبل المشرق والجديد، فهذه المرحلة غالبًا ما يَعُمُّهَا الهدوء والتراجع والانتشاء بالانتصار المحقق، الذي قد يُغْرِي المنتصرين بأن أهدافهم قد تحققت؛ فيخلدون إلى الاسترخاء والطمأنينة، وعندها تنتعش الخلايا النائمة والبذور المسْتَكِنَّةُ للنظام الفاسد فتعيد تمظهرها وتموقعها من جديد لِتَلْتَفَّ على آمال وطموحات الشعب، وكم هي كثيرة تجاربُ الثورات التي أجهضت عقب الانتصار المبدئي لها، وبعد نجاح انتخاب الرئيس الشرعي بقوة المراقبة الشعبية التي عطلت آلية التزوير، لتَرْتَدّ بعد مدة على أعقابها خائبة، وما تجربة مصر وتونس عنا ببعيدتين، فكلتاهما نجحتا في التغيير عن طريق الانتخابات النزيهة من خلال تأسيس اللجان المستقلة لتنظيم الانتخابات، وتمت المحاكمات الصورية لرموز النظام وصودرت أموالهم وممتلكاتهم ومنعوا من السفر مع عائلاتهم، ثم انتُخب الرئيس الشرعي لأول مرة واستُبدل البرلمان، لتَرْتَكِسَ الأمور بعد عام في مصر، وأربع سنوات في تونس، ويُعَادُ إنتاج النظام البائد بأسوأ مما كان عليه مع تفاوت نسبي بين التجربتين.

فيجب علينا أن نفطن إلى هذا المصير، إذْ يمكننا في الظرف الراهن أن ننتخب رئيسًا شرعيًّا؛ لأن موازين القوى لصالح الشعب، لكن المناورات الكَيْدية القادمة هي الأصعب في ظل تستر بعض وجوه النظام الفاسد وراء الأحزاب والجمعيات والنقابات والمؤسسات والإدارات، والذين سيشكلون قوة الصد والضربة الارتدادية لأي مسعى إصلاحي، خاصة مع وجود طبقة سياسية هشة واختلافات إيديولوجية عميقة قد تُستغل لإضعاف فاعلية التغيير، وما يمكن استنتاجه من تجارب الثورات العربية هو:

1- إن نجاح أي حراك أو ثورة ضد نظام تسلطي لا يُحكم عليها من بداياتها، بل من نتائجها التي ستظهر في المدى القريب والمتوسط.

2- يجب على المنتصر ألا يبالغ في الانتشاء بفرحة الانتصار والاستغراق في مدح الذات.

3- إن العمل على تفكيك الألغام المستترة بعد رحيل رأس النظام، وهي المهمة الأصعب، والأطول، والأخطر من سقوط الرئيس وحكومته ورجاله.

4- ضرورة قطع الأَوْرِدَةِ المالية والسياسية للنظام الفاسد بكل حزم، والعمل على استرجاع الأموال العمومية المنهوبة بأسرع وقت ممكن، وتحييد كل من كان له ضلع في الفساد السياسي والمالي عن أي دور محوري في وضع ترتيبات وآليات الانتقال الديمقراطي، وهندسة النظام السياسي الجديد، فلا يمكن أن يُؤتى الصلاح بفاسد؛ ولا يُبنى الجديد بالقديم؛ ولا يُصنع النجاح بأيدي الفَشَلَةِ.

5- ضرورة التحلي باليقظة تجاه الدور السلبي للأطراف الأجنبية، التي تسعى لحبك المؤامرات وإجهاض أي حركة إيجابية للتغيير خوفًا من محاكاتها في دولها «خاصة العربية منها».

6- تجنب الدخول في لعبة المغامرات والأطروحات الإقصائية الراديكالية، والمراحل الانتقالية الطويلة، التي أدت إلى تحطيم الدول وتدمير كيانها ومؤسساتها، لاسيما العسكرية منها، لتدخل الشعوب بعدها في متاهة المجالس الانتقالية والتأسيسية، والحكومات المؤقتة، والميليشيات المتعددة، والمعارضات المتناحرة في الداخل والخارج، لتكون بعدها لقمة سائغة بين أنياب القوى الخارجية، التي ستَنْقَضُّ على ما بقي من مقدرات الوطن بعد تفكيكه بنيويًّا فتُمَزقَهُ شَرَّ مُمَزّقٍ.

7- عدم الاستقواء بالقوى الأجنبية أو اللجوء إلى المعارضة من خارج الوطن، وتأسيس هيئات ولجان برعاية دول أجنبية، أو الاستجابة للدعوات الصادرة من مثل هذه الجهات المشبوهة، فالدفاع عن الوطن يكون بين أسواره ومن داخله لا خارجه، والصادق المخلص ذو الأَنَفَةِ لا يبيع أمن بلاده وضميره للأعادي، ولا يساوم على وحدة الوطن وتماسك أبنائه، ولا يسبب خرقًا في بنيان هذا الوطن الشامخ.

8- إن التجرد من الأنانية، والنزعة الفردانية والفئوية والحزبية، والتحلي بالوعي والتخطيط والرأي الحصيف، والتفكير بمنطق الجماعة، هي الركائز الأساسية لنجاح استمرارية الحراك في حصد نقاط إضافية والتقدم بثبات نحو الإصلاح المنشود.

9- عدم اللجوء إلى إصدار قانون العزل السياسي، الذي كان من أكبر الأخطاء التي تسببت في عودة الثورة المضادة على يد أزلام النظام البائد، ولعب آخر أوراقها، وبدلًا عن ذلك يجب تحييدهم شعبيًّا وإعلاميًّا؛ بعدم التصويت عليهم في الانتخابات والضغط عليهم لإعادة ترتيب بيتهم الداخلي.

10- الترفع عن ثقافة الانتقام والتخوين وتصفية الحسابات وخَلْقِ العداوات وأسلوب الإقصاء، والتحلي بكرم النفس وخُلُقِ العفو والتسامح.

11- ومن أهم ما يستفاد من التجارب الآنفة، هو ألا نعطي أحدًا صَكًّا على بياض، ولا نفوّض أحدًا عدا الرئيس المنتخب بإرادة شعبية، ثم نواصل بعد ذلك حماية الإرادة الشعبية من أي محاولة للخطف، أو الانقلاب، أو المناورة، أو الالتفاف، أو إجهاض هذه التجربة السلمية للحراك الشعبي.

إن عملية تطهير النظام السياسي التسلطي الفاسد تستغرق مدة أطول مما يتصوره كثير من الراغبين في التغيير، وهي ترتكز أساسًا على تغيير الأنماط السياسية السلبية والأفكار الشعبوية الفاسدة التي مَكّنَتْ للفاسدين، وأطالت عمر الأزمة بالجزائر منذ الاستقلال وحتى قبله، مع ضرورة إرساء تقاليد ومعايير ثقافية وسياسية ومجتمعية جديدة؛ مبنية على الجودة والعلم والكفاءة والاقتدار والأخلاق السياسية والاجتماعية؛ فهذه هي أدوات المجتمع المعرفي الحديث؛ أي تهيئة الأرضية والبيئة المناسبة للتحولات الجذرية والنوعية المرغوبة، والإقلاع الحضاري المأمول.

ومدار الأمر كله هو على وعي الشعب، ومدى تمكّنه من استلهام التجارب وعدم الانخداع بالشعارات البراقة أو الانسياق وراء مروّجي الوهم والفتن، فالوعي وحده والقراءة المستبصرة للأحداث، هو من يضعنا في الطريق الصحيح ويعصمنا من تكرار أخطاء السابقين «لقد كان في قصصهم عبرةٌ لأولي الألباب» سورة يوسف. الآية 111، والسعيد من وُعِظَ بغيره!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد