على مشارف الذكرى الأولى للحراك الشعبي في الجزائر أخطّ هذه الأسطر اليوم بأنامل تشعر بالكثير من التحرر، وتشد دون رجفة على قلم كسر هاجس الخوف، مستعينًا بساعد الحراك الذي اشتد بعد أن بات في عمره عام كامل من الجُمع. الجُمَعُ الخمسون – وما يزيد – التي انهار منذ بداياتها جدار الخوف وتلاشت معه أعمدة قصر المرادية، فلم يكن قبلها يعتقد الكثير من الجزائريين أنه سيأتي يوم ينهار فيه جدار الخوف العظيم الذي شُيّد إبّان العشرية السوداء، وظل نظام بوتفليقة يسهر على ترميمه على مدار عقدين من الزمن، حتى خلق لنفسه دولة موازية «جزائر بوتفليقة» تحدها عن «جزائر الشعب» حدود الفقر، والتهميش، والقمع، والمحسوبية، والتفرقة، والفساد بجميع ألوانه.

ظل الجزائريون على مدار السنين الماضية يتجرعون مرارة الإقصاء والتهميش وقسوة المعيشة، وقتها كانت بطارياتهم تشحن ضد هذا النظام بكامل رموزه، حتى جاء اليوم الذي امتلأت فيه عن آخرها، ولم يعد بمقدورها استيعاب شحنة خامسة من الظلم والاحتقار والاستغلال، عندما ترشح رئيس مريض متهالك لم يخاطب شعبه لسبع سنوات، فانطلقت الشرارة في 22 فبراير (شباط) 2019 يوم ميلاد الحراك الجزائري، يومها أشهر الشعب سلاح السلمية في وجه السلطة فشرعت في التهاوي وبانت على حقيقتها الهشّة.

تقول نظرية «لولب الصمت Spiral of Silence» لصاحبتها الألمانية إليزابيث نوال–نيومان: «إن الناس لا يرغبون في التعبير عن آرائهم علنًا إذا كانوا يعتقدون أنهم أقلية، وعلى عكس ذلك يكونون أكثر حماسة لإسماع آرائهم للآخرين إذا ظنوا أنهم جزء لا يتجزأ من الأغلبية، فكلّما زاد تهميش الفرد، قلّ حديثه، وهكذا لولبيًّا وحلزونيًّا حتى يتخذ موضعًا مهمّشًا بالكامل»، وهذا ما اشتغلت عليه العديد من الأنظمة العربية ومن بينها نظام الحكم في الجزائر، الذي ظل يوظف وسائل الإعلام لقمع تعددية الآراء في الفضاء الاجتماعي.

فأغلب الظن أن جل الجزائريين كانوا يرفضون الوضع الذي يعيشونه في صمت، ولم يكن بمقدورهم التعبير عن رفضهم في العلن؛ خوفًا من العزلة والإقصاء من بقية أفراد المجتمع، وهذه الفرضية لا تلغي حقيقة ثابتة أن الأقلية كانت تعبّر عن رأيها برفض الوضع القائم في البلد، من خلال بعض الفضاءات العمومية الفعلية كما يسميها الباحث الألماني هابرماس، المتمثلة في وسائل الإعلام، والمقاهي، ومواقع التواصل الاجتماعي، والعديد من ملاعب كرة القدم، وكانت هذه الفضاءات بمثابة متنفس للحوار والنقاش وأدوات لتشكيل الوعي، وتراكم ثقافة النقد، والإحساس بخطر رموز النظام على مقدّرات الوطن وثرواته، وعلى مبادئ المجتمع الجزائري ووحدته.

في المجتمعات المتقدمة عادة ما تجري النقاشات حول المسائل السياسية وشؤون البلد في وسائل الإعلام، ففيها يخاطب المسؤول الشعب، ويفعل ذلك من خلال المساهمة في البرامج التلفزيونية والإذاعية، أو بحوارات في صحف مكتوبة وإلكترونية، كما أن هذا المسؤول إذا أراد معرفة رأي مجتمعه في قضية ما، فإنه يلجأ لوسائل الإعلام، مفترضًا أن ما سيشاهده ويقرأه يعبّر عن رأي المجتمع، لكن هذا الافتراض الأخير للأسف ليس صحيحًا في الغالب.

فالمتأمل في نشاط المؤسسات الإعلامية العمومية، وعلى رأسها التلفزيون العمومي، على مدار عقدين من الزمن على الأقل، يدرك أنها تحولت إلى مؤسسات حكومية لصناعة «الديكتاتورية»؛ فهذه المؤسسات تتحكم في كل ما يصل أو ينفذ للجمهور، وبات خبرها الأول من الواجب أن يجيب عن سؤال «من؟» المرتبط مباشرة بالرئيس، و«بأي صفة؟» (الفخامة إذا كان رئيسًا ومعالي إذا كان وزيرًا)، فتسهر على تلميع صورة الحاكم ونقل نشاطاته ونشاطات بعض وزرائه، فيما تأتي انشغالات الشعب في أسفل الاهتمامات، والأمر نفسه ينطبق على العديد من المؤسسات الإعلامية الخاصة التي حذت حذو المؤسسات الحكومية بممارسة الابتذال الإعلامي بالسهر على تقديس الحاكم وتبليد الشعب.

فالسلطة الحاكمة ظلت تستغل تحكمها في وسائل الإعلام لزرع الخوف داخل السياسيين وقادة الرأي وتصورهم أفرادًا مرفوضين اجتماعيًّا، وتقول هنا نظرية «لولب الصمت» إنه عندما يظهر الشخص وكأنه مرفوض داخل المجتمع، يبتعد الآخرون عنه خوفًا من أن يُرْفَضوا لعلاقتهم بالشخص المرفوض، كذلك يجعل هذا الأسلوب من الإقصاء والتهميش أداة قوية للقضاء على المنافسة السياسية والاجتماعية، وهذه السياسة ألقت بظلالها على المشهد السياسي بعد رحيل بوتفليقة، فبات يخيّل للكثير من الجزائريين أن البلد بات عقيمًا وغير قادر على إنجاب رجل سياسي يحظى بالإجماع لخلافة عبد القادر المالي على رأس الدولة.

فالحراك الشعبي في الجزائر ظل حجمه يتطور وملامحه تتغير من جمعة لأخرى، وذلك بعد أن تيقن أفراده من أن النظرة السائدة داخل المجتمع هي رفض العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، وأن العبد العزيز سيصبح مع مرور الجُمع عبدًا ليس عزيزًا، وأن الذي يساند ترشحه لعهدة خامسة سيصبح منبوذًا اجتماعيًّا، وفعلًا حدث ذلك مع العديد من الشخصيات السياسية والأحزاب الموالية للنظام التي سارعت للالتحاق بقطار الحراك وركوبه أثناء سيره، فبعدما كانت تكنّ الولاء المطلق للرئيس بوتفليقة وتصفه بالأب والمجاهد والرسول الذي بعث للجزائريين، سرعان ما أعلنت انقلابها عليه وانضمامها للحراك خوفًا من الرفض والإقصاء داخل المجتمع.

تقول نوال نيومان إنه إذا أردت أن يعبّر الناس عن وجهة نظر ما فأكِّد لهم أن وجهة النظر هذه هي السائدة، وإذا أردت أن يغيّر الناس وجهة نظر ما فأكِّد لهم أن وجهة النظر هذه تمثل الأقلية وهم معرضون للرفض اجتماعيًّا، كما تؤكد قوة وسائل الإعلام في تكوين الرأي العام، ورصد آثارها في المجتمع، وعندما نسقط هذه الفرضية على الجزائر، فقد أراد الشعب – وليس السلطة – أن تكون جزائر جديدة بوجوه جديدة، ورفع شعار «يتنحاو_قاع» أي رحيل بوتفليقة وجميع رموز نظامه، وفرض فرضًا على جميع الوسائل الإعلامية على اختلافها نقل وجهة نظره ومطالبه وحراكه صورة وصوتًا ودون أي مغالطات، فوقع ذلك، وسقط بوتفليقة، وسقط معه المطبلون والمزمرون لاستمراره، بعد أن غيروا وجهات نظرهم وأعلنوا انضمامهم للحراك فبرز «الركمجيون» هروبًا من النبذ وبحثًا عن القبول داخل المجتمع.

ويجب التنويه إلى أن النجاح الذي حققه الحراك، لا سيما في الأشهر الأولى، لم يكن ليحدث لو لم تسهم فيه ثلاث آليات أساسية مرتبطة بتأثير الوسائل الإعلامية، وتتمثل الآلية الأولى في التراكمية، أي في التأثير التراكمي من خلال التكرار الذي تمارسه مختلف الوسائط الإعلامية في نقل مشاهد الحراك وآراء الجزائريين ومطالبهم، فهذه الوسائط تميل بقصد أو بغير قصد إلى تقديم رسائل متشابهة ومتكررة للمشاهد والقارئ والمستمع حول موضوعات الحراك والشخصيات الفاعلة فيه، وهذا العرض التراكمي ساهم بشكل كبير وحتمي في التأثير في المتلقي؛ فتضاعفت أعداد المتظاهرين من آلاف إلى ملايين، وكبرت مطالبهم من جمعة لأخرى، فبدأت برفض العهدة الخامسة وتطورت لتنحية الباءات (بن صالح، بلعيز، بدوي، بوشارب)، ثم رفعت السقف أكثر نحو رحيل جميع رموز الفساد ومحاسبتهم تحت شعار أو وسم «#يتنحاو_قاع».

وأما الآلية الثانية فتتمثل في الشمولية، فوسائط الإعلام تسيطر على الإنسان وتحاصره في كل مكان، وتهيمن على بيئة المعلومات المتاحة، مما ينتج من ذلك تأثيرات شاملة في الفرد يصعب الهروب من رسائلها، وهذا ما برز جليًّا منذ 22 فبراير فبات الفرد الجزائري لا يكاد ينام ويستيقظ إلا على خبر عاجل أو مهم منشور بوسيلة إعلامية أو بحساب بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وكلها أخبار ترتبط أساسًا بمخلفات الحراك.

وأما الآلية الثالثة والأخيرة فهي التجانس، والمقصود بها توافق الأفكار التي تبثها وسائل الإعلام وتعرضها على جمهور المتلقين أو «الحراكيين»، كما يعني وجود اتفاق وانسجام بين رجال الإعلام مع المؤسسات التي ينتمون إليها، مما يؤدي إلى تشابه توجهاتهم وسلّم القيم الإعلامية الذي يحكمهم، وبناءً على ذلك تصبح الرسائل التي تسهر وسائل الإعلام المختلفة على بثها متشابهة ومتسقة معًا، مما يزيد من قوة تأثيرها في جمهور المتلقين، وفي هذا السياق فقد بات يعتقد الكثير من المتتبعين للقنوات الإعلامية الجزائرية أثناء تغطيتها للحراك أنها تملك رئيس تحرير واحد يشرف على وضع ورقة الطريق لهذه القنوات.

وتؤدي العوامل المذكورة سابقًا مجتمعة نحو تذليل فرصة الفرد المتلقي للرسائل الإعلامية في أن يكون له رأي ذاتي ومستقل حول القضايا المثارة بحسب نيومن، وبالتالي تزداد فرصة وسائل الإعلام في تكوين الأفكار والاتجاهات المؤثرة في الرأي العام، ولو أن هذه الوسائل لا تقول لنا «كيف نفكر» بل «ما يجب أن نفكر فيه» بحسب التعبير الشهير لبرنارد كوهين، ورغم ذلك كلّه تبقى مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص «فيسبوك» الفضاء الذي يتيح لجميع الأفراد على اختلاف انتماءاتهم ومستوياتهم إبداء الرأي بكل حرية حول ما يقع في الجزائر منذ 22 فبراير، دون رقيب وترهيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد